تزامناً مع ذكرى الوحدة الـ 36.. دوري الدرجة الأولى لكرة القدم يبعث الحياة في الجسد اليمني

 خالد الصايدي:

بعد غياب قسري دام 12 عاماً، دارت عجلة دوري الدرجة الأولى لكرة القدم من جديد، متحدية ظروف الحرب والانقسام التي شلّت الملاعب طويلاً، ولم يقتصر هذا التوقف على تجميد النشاط الرياضي فحسب، بل ساهمت الأوضاع خلال السنوات الماضية في تغذية النعرات المناطقية بين أبناء الجسد الواحد.

ومنذ انطلاق منافسات موسم 2025-2026 مطلع مايو الجاري، في العاصمة صنعاء، بمشاركة 14 نادياً بنظام “الكل ضد الكل”، تزامناً مع احتفالات شعبنا بالذكرى الـ 36 لتحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو، استعادت الملاعب حيويتها تدريجياً، في دلالة رمزية على قدرة الرياضة على جمع ما فرقته السياسة.

ترميم ما تصدّع 

وظهرت كرة القدم هذه المرة بوصفها المساحة الأكثر قدرة على ترميم ما تصدّع خلال سنوات الحرب، بعدما جمعت البطولة أندية تمثل معظم المحافظات اليمنية، من صنعاء وعدن وأبين وحضرموت والحديدة والبيضاء ومأرب وإب والمهرة، إلى جانب عشرات الأندية المشاركة في بطولة كأس الجمهورية.

وعكست تنقلات الأندية بين المحافظات حجم التأثير الذي أحدثته عودة النشاط الرياضي، إذ انتقلت فرق من صنعاء لخوض مبارياتها في مأرب وأبين وحضرموت، فيما زارت أندية عدن العاصمة صنعاء وسط أجواء جماهيرية لافتة وحفاوة واسعة، في مشهد أعاد التأكيد أن اليمن ما يزال قادراً على الاجتماع رغم كل الظروف.

كما برز التفاعل الشعبي بصورة واضحة من خلال المبادرات المجتمعية والتطوعية التي أطلقها مشجعون ورياضيون لترميم بعض الملاعب المتضررة بفعل الحرب، في محاولة لإعادة الحياة إلى البنية الرياضية التي تعرضت لدمار واسع خلال السنوات الماضية.

الرياضة جسر للوحدة 

وفي ظل هذه الأجواء، برزت رسائل رسمية تؤكد أهمية الرياضة في تعزيز التلاحم الوطني وتقريب المسافات بين أبناء الوطن الواحد.

وأكد نائب وزير الشباب والرياضة والقائم بأعمال الوزير، نبيه أبو شوصاء، أن “الجبهة الرياضية أثبتت صموداً استثنائياً في مواجهة التحديات”، مشيراً إلى أن الرياضة “لم تكن يوماً مجرد منافسة على كأس، بل الجسر الأقوى لتعزيز قيم المحبة وترسيخ أواصر الوحدة بين أبناء المجتمع اليمني”.

أبو شوصاء: الرياضة الجسر الأقوى لترسيخ المحبة والوحدة بين اليمنيين 

وأضاف، خلال لقائه بعثات أندية المهرة وصعدة والبيضاء وتعز، أن اجتماع رياضيي اليمن في منافسات الدوري وكأس الجمهورية “يبعث برسالة قوية للعالم مفادها أن الشباب اليمني قادر على تجاوز العوائق وتوحيد طاقاته تحت راية الوطن الواحد”.

باب جديد للتسامح 

ومع دخول الدوري أسبوعه الرابع، بدا واضحاً أن البطولة تحولت إلى أكثر من مجرد منافسة رياضية، إذ أصبحت مساحة وطنية جامعة أعادت فتح باب التواصل بين اليمنيين بعد سنوات من القطيعة.

وقال الأمين العام المساعد للاتحاد اليمني لكرة القدم حسين البهام، إن كرة القدم “تظل المساحة الأجمل التي تركض على جنباتها قيم التسامح والمحبة والود بين أبناء الشعب”، مؤكداً أن قرار إعادة المنافسات بين أندية الوطن الواحد فتح “باباً جديداً للتسامح ومكاناً تلتقي فيه القلوب بعد أن فرقتها السياسة”.

رياضيون: استئناف الدوري بعد 12 عاماً يعد بمثابة عودة النبض والمدرجات والهتاف لجسد الوطن 

وأضاف أن انتقال أندية عدن إلى صنعاء، وحضور أندية صنعاء إلى عدن، يؤكد أن اليمن “أكبر من الخلافات وأوسع من الانقسامات”.

رسالة حياة 

وعكست عودة الدوري حالة من الاستعادة المعنوية للروح التي افتقدها اليمنيون طوال سنوات الحرب، وهو ما ظهر في الحضور الجماهيري الكبير والتفاعل الشعبي الواسع مع المباريات التي تُقام بشكل منتظم وفق جدول ثابت.

ويصف الصحفي والناقد الرياضي عبد السلام الدباء، عودة الدوري بأنها “نبض جديد في جسد أتعبته الجراح”، مؤكداً أن العودة لم تكن مجرد منافسات رياضية، بل “رسالة حياة تؤكد أن اليمنيين، رغم كل شيء، لا يزالون قادرين على الاجتماع حول هدف واحد وصناعة الفرح من بين ركام المعاناة”.

وأضاف أن الفرق لم تعد تمثل أندية فحسب، بل “أملاً جماعياً في استعادة وطن يتسع للجميع”، مشيراً إلى أن الرياضة أسهمت في رفع الروح المعنوية وتجديد الثقة بإمكانية التغيير نحو الأفضل.

وأكد الدباء أن تنشيط الرياضة يمثل خطوة عملية ضمن مسار طويل نحو السلام الشامل، عبر دعم البنية التحتية الرياضية وتشجيع الشباب على الانخراط في الأنشطة الرياضية والمبادرات المجتمعية التي تتخذ من الرياضة وسيلة للحوار والتقارب.

اليمن جسد واحد 

بدوره، اعتبر الناشط الرياضي مبارك الشيباني، أن عودة الدوري بعد 12 عاماً جاءت “من بين الركام، لا بملاعب مكتملة ولا بمدرجات فاخرة، بل بإرادة شعب لم تهزمه الحرب”.

الدباء: الدوري رسالة حياة تؤكد قدرة اليمنيين على الاجتماع رغم الجراح 

وقال إن الجماهير التي جلست فوق المدرجات المتهالكة “هتفت للوطن قبل الأندية، وأعلنت أن اليمن ما يزال جسداً واحداً مهما حاولت السياسة والحروب تمزيقه”.

وأضاف أن توحد الجماهير من المهرة إلى صعدة خلف الكرة اليمنية أعاد شيئاً من الفرح والانتماء والأمل، وأثبت أن الرياضة قادرة على إصلاح ما أفسدته السياسة.

أصداء عربية واسعة 

ولم تقتصر أصداء عودة الدوري على الداخل اليمني، بل امتدت إلى الأوساط الرياضية والإعلامية العربية التي تعاملت مع الحدث بوصفه رسالة أمل تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

ووصف المعلق الجزائري حفيظ دراجي، عودة الدوري اليمني بأنها “خبر يبعث على الفرح والأمل”، فيما اعتبر المعلق التونسي عصام الشوالي أن استئناف البطولة بعد 12 عاماً “ليس مجرد عودة لمسابقة كروية، بل عودة للنبض والمدرجات والهتاف”.

أما المعلق اليمني حسن العيدروس، فأكد أن الشغف الكروي في اليمن “لا تهزمه الحروب”، في إشارة إلى الحضور الجماهيري الكبير الذي رافق انطلاق المنافسات.

أمنية تتجاوز الملاعب 

وتزامنت عودة الدوري مع احتفالات شعبنا بالذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية، في مشهد حمل دلالات عميقة على قدرة الرياضة في جمع ما خلفته الحرب.

ويرى رياضيون أن ما تحقق داخل الملاعب من تقارب وتلاحم بين الأندية والجماهير يمنح أملاً بإمكانية انتقال هذه الروح إلى واقع أوسع ينهي حالة الانقسام، وينزع ثقافة المناطقية والعنصرية، ليبقى حب الوطن القيمة الأسمى التي يلتقي حولها اليمنيون من أجل مستقبل يسوده الأمن والسلام والاستقرار.

Comments are closed.

اهم الاخبار