الأكاديمي بجامعة عدن د. سامي عطا: الوحدة اليمنية تحولت من مشروع وطني إلى أزمة إدارة.. ومايو يحتاج لتصحيح المسار

حاوره/ نجيب علي العصار

​في الذكرى السنوية الـ 36 لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية، تتجدد الأسئلة الجوهرية حول مصير هذا المشروع الوطني الذي أُعلن في 22 مايو 1990م؛ بين مقاربة تراه إنجازاً تاريخياً جرى تشويهه والارتداد عليه، وقراءة أخرى ترى أن أخطاء التأسيس البنيوية وفشل الإدارة قادا البلاد إلى أزمات مركبة لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم.

​وفي هذا الحوار الخاص الذي أجرته معه “الوحدة”، يتحدث الأكاديمي بجامعة عدن، الدكتور سامي عطا، عن جذور الأزمة، وأسباب إخفاق النخب السياسية في الانتقال بالوحدة من طور العاطفة إلى طور دولة المؤسسات، مقدماً رؤية نقدية تتوخى صياغة عقد اجتماعي جديد يرتكز على الشراكة، والعدالة، واللامركزية. فإلى التفاصيل:

·  بدايةً.. من منظور أكاديمي أين يكمن الخطأ التاريخي القاتل في اتفاقية 22 مايو 1990م؟

 

​من الناحية الأكاديمية، لم تكن المشكلة كامنة في نصوص الاتفاقية كإطار عام، بقدر ما تمثلت في خلوّها من بنود تفصيلية تنظم الفترة الانتقالية وتضع آليات رقابية صارمة للتنفيذ.

​لقد صيغت الاتفاقية كـ “وثيقة نوايا” سياسية، ولم ترتقِ إلى دستور دمج تفصيلي ومحكم. ويمكن حصر الأخطاء التأسيسية في النقاط التالية:

  • عدم إقرار آلية دمج للجيشين والإدارات مع إخضاعهما لعملية توحيد هيكلي وعقائدي حقيقي، بل تم إقرار آلية تموضع لألوية الجيشين، وكل جيش يدين بولائه لقياداته.
  • عدم وجود ضمانات للتداول السلمي للسلطة، مما جعل النظام الجديد أقرب إلى “حكم الحزب الواحد” (المؤتمر الشعبي العام) من حيث الممارسة، رغم التعددية الشكلية.
  • إغفال معالجة الملكية وإعادة توزيع الثروة، فبقي الاقتصاد خاضعاً لنماذج مركزية مهترئة بدلاً من إقامة سوق تنافسية عادلة.

الخطأ القاتل في وحدة 1990 كان غياب الضمانات وآليات الشراكة

​الاندماج المتسرع وأسلوب الإدارة

· هل كان الخطأ في “الاندماج المتسرع” أم في طريقة إدارة الدولة بعد إعلان الوحدة؟

 

​المعضلة نتاج الأمرين معاً، غير أن أسلوب الإدارة كان الأكثر فداحة وتدميراً:

  • الاندماج المتسرع: جرى اختزال الفترة الانتقالية في 6 أشهر فقط (من 30 نوفمبر 1989م حتى 22 مايو 1990م)، في حين كانت مؤسسات الشطرين متباينة كلياً على الصُّعُد القانونية، والنقدية، والإدارية، وحتى الأكاديمية؛ مما خلق فوضى مؤسسية عارمة. ولأنها اتسمت بكونها وحدة اندماجية قسرية وخالية من الضوابط القانونية الملزمة، انتهى بها المطاف إلى حرب صيف 1994م، التي أعلنت عملياً هزيمة “الوحدة الطوعية السلمية”، ونجم عنها إقصاء الشريك الجنوبي وكل من ينتمي إليه من جهاز الدولة والقوات المسلحة، لتبدأ مرحلة إجبارية من التسريح لقطاع واسع من الكوادر، ولا سيما الجنوبية منها.
  • نهج الإدارة بعد حرب 1994م: تحولت الدولة بعد الحرب إلى أداة للهيمنة بيد مراكز القوى التقليدية في صنعاء (الممثلة بائتلاف المؤتمر والإصلاح آنذاك)، وتجسد ذلك في:
  • تعيين قيادات من المحافظات الشمالية في مفاصل الإدارة الحساسة بالجنوب (محافظين، مدراء أمن، قضاة).
  • إلغاء القوانين النافذة في الجنوب، والتي كانت أكثر حداثة وتطوراً في جوانب الإجراءات المدنية والتجارية.
  • تجاهل المطالب الجنوبية الداعية للعدالة، واللامركزية، وتمثيل متساوٍ.

مايو ليس لعنة ولا عيداً مقدساً، بل محطة لمراجعة وطنية شجاعة

· كيف كان ينبغي تجاوز هذا المأزق تاريخياً؟

كان يقتضي وضع فترة انتقالية لا تقل عن خمس سنوات، تُعتمد فيها إجراءات دمج تدريجية ومدروسة، مصحوبة بضمانات دستورية متينة للتناوب على السلطة والشراكة الندية بين الشمال والجنوب.

​سيكولوجية التشطير وأزمة السيادة

· ​هناك من يرى أن النخب فشلت في تحويل الوحدة من حالة عاطفية إلى مشروع مؤسسي، مما أدى إلى انتقال “براميل التشطير من الجغرافيا إلى النفوس”.. كيف تقرؤون ذلك؟

 

​هذا الطرح دقيق تاريخياً وعميق “نفسياً”؛ فالوحدة العاطفية كانت حقيقة شعبية راسخة عام 1990م بفعل الخطاب القومي وإرث النضال المشترك ضد الاستعمار والإمامة، لكن النخب السياسية عجزت عن استثمار هذه العاطفة في بناء مشروع مؤسسي واضح المعالم.

اليمن بحاجة إلى دولة مدنية لا مراكز قوى ولا استقرار دون عدالة انتقالية

​بدلاً من ذلك، حُوِّلت الوحدة إلى “غنيمة” وتقاسم نفوذ، واستدعت النخب الولاءات العصبوية والجهوية لتمرير أجنداتها الضيقة. وهنا استقر التشطير في النفوس: حين تولد لدى المواطن في الجنوب شعور مرير بأنه “مواطن من درجة ثانية” في دولة كان شريكاً في تأسيسها، وفي المقابل جرى تشويه وعي المواطن في الشمال ليعتقد بأنه “صاحب الحق الطبيعي” في القيادة والوصاية. والنتيجة الحتمية هي تآكل الهوية الوطنية الجامعة، وأصبح الانتماء للجنوب أو الشمال سابقاً على الانتماء لليمن ككل.

· حين يتحول الفعل السياسي المرتبط بـ “مايو” إلى مجرد “رد فعل انفعالي يفتقر للحسابات العقلانية”، من المستفيد الفعلي من حالة التخبط هذه؟

 

​المستفيدون من هذه الحالة هم:

  • النخب الفاسدة التي وجدت في الانقسام غطاءً لنهب المال العام (كما حدث في مؤسسات صنعاء وعدن لاحقاً).
  • وكذلك القوى الإقليمية (السعودية، الإمارات، وقطر) التي تمكنت من اختراق القرار اليمني؛ المملكة منذ اتفاق إنهاء حرب ستينيات القرن الماضي، والإمارات من بعد الوحدة، وقطر من خلال ما أُطلق عليه بالربيع العربي، حتى بات لهذه القوى الإقليمية وكلاء محليون، مما جعل الصراع اليمني جزءاً من حروبها بالوكالة.

·  ​هل تملك الأطراف اليمنية قرارها السيادي؟

 

​لا، فالأطراف اليمنية (الحكومة، المجلس الانتقالي) جميعها باتت مرتهنة للخارج تمويلاً، وتسليحاً، وتوجيهاً. والسيادة اليمنية اليوم منقوصة بشكل مأساوي، إذ إن أي تسوية قادمة ستكون محكومة بالتوافقات الإقليمية أولاً، ثم المحلية ثانياً.

​دور النخب واستقلالية القرار

· ​هل ما تزال النخب اليمنية قادرة على إنتاج مشروع وطني جامع، أم تحولت إلى أدوات لشرعنة الانقسام؟

 

​للأسف، فقدت النخبة اليمنية جزءاً كبيراً من استقلاليتها الفكرية والأخلاقية، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة مستويات:

  • النخب السياسية المتقاتلة تحولت فعلياً إلى أدوات لشرعنة الانقسام، لأن تمويلها وتوجيهها يأتي من الخارج، وتتنافس في ولائها للجهات الخارجية أكثر من تنافسها في خدمة الوطن.
  • النخب الفكرية والأكاديمية لا تزال تحتفظ بمساحات من الاستقلالية، لكنها مقموعة ومهمشة، ونفوذها معدوم في صنع القرار.
  • المجتمع المدني يعاني من اختراق كبير من جميع الأطراف، لكن تبقى فيه جزر من النزاهة.

النخب السياسية فشلت في تحويل الوحدة إلى مشروع دولة

​والخلاصة أن النخبة اليمنية تحتاج إلى إعادة تأهيل أخلاقي، وإنتاج رؤية وطنية بعيدة عن استقطاب المحاور الإقليمية، وهو أمر لن يتأتى إلا بوقف التمويل الخارجي المشروط.

​ركائز العقد الاجتماعي الجديد

· لو أردنا اليوم إعادة تصحيح مسار الدولة اليمنية الموحدة، ما الركائز الأساسية لعقد اجتماعي جديد من وجهة نظرك؟

 

​لتصحيح مسار الدولة، يجب أن يقوم العقد الاجتماعي الجديد على خمسة أسس:

  1. ​اللامركزية الواسعة: ليس كحل تجميلي، بل مع توزيع حقيقي للسلطات التشريعية والتنفيذية والمالية بين المركز والمحافظات، على أن يحظى الجنوب باهتمام تنموي يسهم في إزالة الفوارق بين مستوى نمط عيشه ومستوى نمط عيش السكان في المناطق الشمالية، ولكي يكون هذا ملزماً للسلطة التي ستحكم بعد الاتفاق ينبغي أن يوضع خيار تقرير المصير باعتباره خياراً مؤجلاً.
  2. ​العدالة الانتقالية: محاكمة الفاسدين ومنتهكي حقوق الإنسان من جميع الأطراف، وتعويض المتضررين كافة بما فيهم المتضررون في الجنوب.
  3. ​نظام حكم تشاركي حقيقي: لا يمكن لأي طرف أن يهيمن على القرار الوطني. يجب أن يكون هناك تناوب رئاسي أو مجلس رئاسي من 3 أشخاص (شمال، جنوب، مناطق وسيطة).
  4. ​جيش واحد خارج الولاءات الحزبية والجهوية، يخضع للمراقبة المدنية.
  5. ​موارد عادلة: توزيع عوائد النفط والغاز حسب السكان والاحتياجات، مع صندوق للتنمية يعوض المناطق المهمشة، والتعامل مع الثروة النفطية والغازية والمعدنية باعتبارها رأسمال بنكياً يتم من خلاله تمويل مشاريع تنمية في مختلف محافظات الجمهورية وإحداث نقلة نوعية تخرج البلد من تحت طائلة الاعتماد الكلي على الثروة في تقرير الحياة الاقتصادية، والاعتقاد الزائف أن رفاه المجتمع رهن بهذه الثروة؛ لأن ذلك يفضي إلى تعطل طاقات الشعب وتدفعه إلى الدعة والراحة، وتقتل فيه مجاهدته في العمل الخلاق وتنطفئ روحه الإبداعية.

​تجسير الفجوة وصناعة المستقبل

· كيف يمكن تجاوز جراح الماضي وإعادة بناء الثقة بين اليمنيين؟

 

​تطهير الوجدان الجمعي يتطلب مكاشفة شجاعة عبر مسارات محددة:

  • الاعتراف بالجرائم أولاً: يجب على مراكز القوى في الشمال الاعتراف رسمياً بأخطاء التهميش والإقصاء، وعلى الجنوب (والمجلس الانتقالي) الاعتراف بأن الانفصال ليس حلاً سحرياً وأن الوحدة كانت خياراً طوعياً.
  • تعليم تاريخي جديد: مناهج دراسية تعلم تاريخ الوحدة بشكل نقدي، وتكشف أخطاء جميع الأطراف، بدلاً من أساطير البطولة والضحايا.
  • إعلام وطني مستقل يروي قصصاً متوازنة للألم من جميع الجهات، ويحارب خطاب الكراهية.
  • مشاريع تنمية مشتركة (طرق، كهرباء، مياه) تربط بين الشمال والجنوب بشكل متكافئ، وتخلق مصالح اقتصادية مشتركة تتفوق على النعرات.
  • العقد الاجتماعي الجديد يجب أن يتم إعداده عبر مؤتمر وطني شامل يضم المجتمع المدني، وليس النخب الحاكمة فقط، وأن يكون مدعوماً دولياً بشرط أن ينص بوضوح على منع أي تدخل خارجي في الشأن اليمني.

نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يعيد بناء الشراكة الوطنية

· ​أخيراً.. كيف يمكن صياغة مشروع شراكة وطنية حقيقية يجعل من مايو محطة للحل بدلاً من القطيعة وتجديد الخيبات؟

 

​صياغة مشروع شراكة وطنية حقيقية تتطلب تبني خطوات عملية عاجلة:

  • وقف فوري للخطاب المسيء ضد مايو (من أي طرف). مايو ليس عيداً مقدساً، لكنه ليس لعنة أيضاً. هو تجربة تحتاج مراجعة، وليس إنكاراً.
  • تشكيل هيئة وطنية لإعادة تقييم تجربة الوحدة محايدة (من الأكاديميين والقضاة والشخصيات المستقلة) تقدم تقريراً شفافاً حول أخطاء الماضي وتوصيات الحل.
  • عقد اجتماع “تشاوري وطني” (وليس تفاوضياً) يجمع كل الأطراف لمناقشة العقد الجديد، بوساطة محلية (مثل الجامعات أو المشايخ) لا وساطة إقليمية.
  • تطبيق ناجح للامركزية في مناطق محددة كنموذج تجريبي يثبت نجاعة الشراكة.
  • مشروع اقتصادي طموح (مثل استغلال الغاز الطبيعي أو الطاقة الشمسية) يكون ملكية مشتركة بين الشمال والجنوب، تدار من قبل شركة مستقلة وليس السياسيين.

 

​خلاصة القول، إن “مايو” يجب أن يتحول من مناسبة للاحتفالات الشكلية الصاخبة إلى لحظة للمراجعة التاريخية الجادة. إننا بحاجة إلى شجاعة نادرة من النخب السياسية للإقرار بالفشل وتقديم تنازلات متبادلة وتاريخية: (يتنازل الشمال عن نزوع الهيمنة، ويتنازل الجنوب عن خيار الانفصال الاندفاعي)، لتتلاقى الإرادات على أرضية “الدولة المدنية الحديثة” التي تحترم التنوع وتضمن العدالة. وما دون ذلك، فسيبقى مايو مجرد ذكرى حزينة لفرصة تاريخية ضاعت.

 

 

Comments are closed.

اهم الاخبار