د. علي الرحبي : الوحدة اليمنية بين أطماع الخارج وكسور الداخل
في الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية التي تصادف يوم الجمعة 22 مايو، لا يبدو المشهد احتفالياً. إنه استفهام مؤلم عن حقيقة هذه الوحدة التي باتت مهددة من كل حدب وصوب، بين أطماع القوى الإقليمية التي تسعى لنهب الثروات، وأحلام الانفصال التي تغذيها المظالم الداخلية، والمواطن ما زال ينتظر راتبه الذي لم يصل منذ شهور. مضت 36 عاماً على رفع علم الوحدة، واليوم يعيش اليمن أسوأ أزماته، ليس فقط بسبب الحرب، بل لأن “حلم الوحدة” الذي دفع ثمنه الملايين بالدماء صار على المحك. تتقاطع في هذا المأزق نيران الأطماع الإقليمية التي تسعى لنهب الثروات، وتصدعات داخلية فاقمها غياب العدالة وإقصاء مكونات الوطن.
في هذا المقال، نحاول أن نضع النقاط على الحروف، ونفضح بعضاً من ملامح المؤامرة، ونحدد التحديات الجوهرية التي تواجه المشروع الوطني الجامع، لنرسم للقائمين على أمر هذه الدولة خريطة إنقاذ قبل فوات الأوان.
ما يجري في حضرموت والمهرة وعدن ليس صراعاً محلياً عابراً، بل مشروع ممنهج لإعادة رسم خريطة المنطقة. ففي ديسمبر 2025، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً على محافظتي حضرموت والمهرة، حيث تتركز 80% من الاحتياطيات النفطية. وعن مشاريع كبرى مثل أنبوب نفطي سعودي يمتد من حقول “الشيبة” عبر المهرة إلى بحر العرب، وممر مائي بديل عن مضيق هرمز. هذه المشاريع تمثل وصاية على القرار اليمني ونهباً صارخاً للمقدرات. وفي هذا السياق، كشف السيد عبدالملك الحوثي أن تحالف العدوان ارتكب جرائم اقتصادية كبرى، ونهب الثروة النفطية، وتجاوزت خسائر قطاع النفط 57 مليار دولار، فيما كان الشعب اليمني لا يحصل سوى على “فتات” تلك الثروة.
غير أن الخطر الأكبر يكمن في الداخل. فغياب العدالة، والمحسوبية، وتمركز السلطة والثروة في أيدي النخب دون غيرها، هي أسباب حقيقية تغذي دعوات الانفصال. ويأتي على رأس هذه المظالم أزمة المرتبات المزمنة، التي تجسد أقسى صور الظلم، خصوصاً لفئة “ج” من الموظفين. هذه الفئة، التي تضم آلاف العمال والمعلمين والصحيين، تعاني من تقسيم منهجي في آلية الصرف، حيث تُمنح الأولوية لفئات أخرى بينما تُترك “الفئة ج” تنتظر شهوراً دون راتب، وكأنها مواطن درجة ثانية. هذا التقسيم ليس مجرد خطأ إداري، بل سياسة ظالمة تكرس التمييز وتدفع الموظف إلى اليأس. فالموظف المنتمي لهذه الفئة يرى زملاءه يتقاضون رواتبهم بينما هو يحرم منها، دون مبرر سوى تصنيف بيروقراطي قديم.
في موازاة ذلك، تبنّت حكومة صنعاء خطوات عملية لمعالجة الأزمة. ففي يناير 2025، كشفت وزارة المالية في صنعاء عن إعفاء مليون موظف من الضرائب، بموجب قانون الآلية الاستثنائية لصرف المرتبات. وجدد رئيس حكومة التغيير والبناء، الأستاذ الشهيد غالب الرهوي، استعداد حكومته قبول أي حل يقضي بتخصيص عائدات النفط والغاز للمرتبات، بدلاً من نهبها. وفي فبراير 2025، أعلن البنك المركزي في صنعاء صرف مرتبات يناير. لكن هذه الجهود تبقى ناقصة ما لم تُحسم قضية “الفئة ج” بشكل جذري، وتُلغى سياسة التقسيم الظالم. هذا المشهد الداخلي المأساوي هو، بلا ريب، السبب الحقيقي الذي يغذي مشاريع الانفصال، ويجعلها تبدو للبعض خياراً جاذباً.
لقد حذر السيد القائد عبدالملك الحوثي مراراً من أن “الذي ينسجم مع هوية بلدنا ومصلحته هي الوحدة ومعالجة المظالم بالعدل والإنصاف و أكد أن المصلحة الوطنية والجامعة لشعبنا هي في وحدته، وليست المشكلة أبداً في الوحدة حتى يكون الحل في التفرقة والاختلاف. وأشار إلى أن تحالف العدوان ضد اليمن صنع تشكيلات معادية وسعى لزرع الفرقة بين أبناء شعبنا، تحت عناوين عنصرية ومذهبية ومناطقية وسياسية..
واليوم، لن يضحّي أي يمني بوحدته وهو جائع ومظلوم. فتح مسار واضح لصرف المرتبات كاملة للجميع، دون تمييز بين فئة وأخرى، هو رسالة بأن هذه الدولة لا تزال تحمل هموم مواطنيها. في عيد الوحدة هذا، القرار بيدنا و أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نقف بحكمة واتزان وشجاعة لإنقاذ ما تبقى من هذه الدولة، وإما أن ننتظر بصمت حتى تُصفى اليمن من الخريطة وتُقسم دويلات صغيرة متناحرة تتنازع على حقوق النفط والغاز وتصبح ساحة لصراعات القوى الكبرى.
وإما أن نكون أحراراً في وطن عادل، أو عبيداً ممزقين. والله غالب على أمره.
Comments are closed.