ماجد حسين سراج : الوحدة اليمنية.. 36 عاماً على الحلم الذي صار وطناً
في الثاني والعشرين من مايو 1990م، أعلن اليمنيون ميلاد الجمهورية اليمنية، في حدث تاريخي مثّل تتويجاً لنضال طويل وحلم ظل يسكن وجدان أبناء اليمن شمالاً وجنوباً لعقود متعاقبة، وبعد ستة وثلاثين عاماً من تحقيق الوحدة اليمنية، لا تزال هذه المناسبة الوطنية تحمل معاني عميقة تتجاوز البعد السياسي، لتجسد إرادة شعب، ووحدة تاريخ، ومصيراً مشتركاً ارتبط بالهوية اليمنية والعربية والإسلامية.
إرهاصات مبكرة لحلم الوحدة
لم تكن الوحدة اليمنية حدثاً طارئاً أو قراراً سياسياً عابراً، بل جاءت نتيجة تراكم تاريخي وثقافي واجتماعي طويل، فاليمن عبر مختلف مراحله التاريخية كان يمثل كياناً حضارياً موحداً، تتشارك مناطقه اللغة والعادات والدين والجغرافيا والمصير.
ومع قيام ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر 1962م في شمال اليمن، والرابع عشر من أكتوبر 1963م في جنوبه، برزت فكرة الوحدة باعتبارها هدفاً وطنياً مركزياً، وقد نصت دساتير الشطرين بصورة واضحة على السعي لتحقيق الوحدة اليمنية، باعتبارها هدفاً استراتيجياً يعبر عن تطلعات الشعب اليمني، وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي شهدت العلاقات بين الشطرين العديد من اللقاءات والاتفاقيات الوحدوية، رغم ما شابها أحياناً من توترات وصراعات سياسية. ومن أبرز تلك المحطات اتفاق القاهرة عام 1972م، وبيان طرابلس، ثم اتفاق الكويت، وصولاً إلى تشكيل اللجان المشتركة التي مهدت عملياً لإعلان الوحدة.
محفزات التوقيع على اتفاقية الوحدة
جاء التوقيع على اتفاقية الوحدة اليمنية نتيجة جملة من العوامل الداخلية والخارجية التي دفعت القيادتين السياسيتين آنذاك إلى تسريع خطوات الاندماج الكامل بين الشطرين، فعلى المستوى الداخلي، كانت الروابط الاجتماعية والقبلية والاقتصادية بين أبناء اليمن تشكل ضغطاً شعبياً مستمراً باتجاه إزالة التشطير وإنهاء حالة الانقسام، كما أن الأوضاع الاقتصادية والتحديات التنموية دفعت نحو البحث عن دولة موحدة قادرة على استثمار الإمكانات البشرية والطبيعية بصورة أفضل، أما خارجياً، فقد شهد العالم في أواخر الثمانينيات تحولات كبرى، أبرزها انهيار المعسكر الاشتراكي وتغير موازين القوى الدولية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على جنوب اليمن، ودفع نحو البحث عن خيارات استراتيجية جديدة تحفظ الاستقرار السياسي والاقتصادي، وفي الثلاثين من نوفمبر 1989م تم التوقيع على مشروع دستور دولة الوحدة، قبل أن يعلن رسمياً في 22 مايو 1990م قيام الجمهورية اليمنية ورفع علمها في العاصمة صنعاء، في لحظة تاريخية استثنائية استقبلها اليمنيون بفرح واسع وآمال كبيرة.

محطات وحدوية بارزة
شهدت مسيرة الوحدة اليمنية العديد من المحطات المفصلية التي شكلت اختباراً حقيقياً لقدرة اليمنيين على الحفاظ على وحدتهم الوطنية، فبعد تحقيق الوحدة جرت أول انتخابات برلمانية موحدة عام 1993م، في تجربة ديمقراطية اعتبرت آنذاك من أبرز التجارب السياسية في المنطقة، غير أن التباينات السياسية تصاعدت لاحقاً، لتصل إلى أزمة صيف 1994م، التي انتهت بانتصار خيار الوحدة وإفشال مشروع الانفصال، وعلى مدى العقود التالية واجهت اليمن تحديات متعددة، شملت أزمات سياسية واقتصادية وأمنية، إلا أن الوحدة بقيت تمثل بالنسبة لغالبية اليمنيين الإطار الجامع الذي يحفظ الهوية الوطنية ويمنع التمزق والتشرذم.
الوحدة في المنظور الإسلامي
تكتسب الوحدة اليمنية أهمية خاصة من منظور إسلامي، إذ يدعو الإسلام إلى وحدة الأمة ونبذ الفرقة والانقسام يقول الله تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا” كما حذر القرآن الكريم من النزاع الذي يؤدي إلى الضعف والتفكك، في قوله تعالى: “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”
ومن هذا المنطلق، فإن وحدة اليمن لا تمثل مجرد خيار سياسي، بل تعبر عن قيمة دينية وأخلاقية تعزز التلاحم والتكافل والاستقرار بين أبناء المجتمع الواحد، وقد كان اليمنيون عبر تاريخهم نموذجاً للترابط الاجتماعي والثقافي، الأمر الذي جعل فكرة الوحدة تجسيداً حياً للوحدة الإسلامية وتطبيقاً عملياً لمبادئ الدين الإسلامي الحنيف.
خطوة على طريق الوحدة العربية
لم تكن الوحدة اليمنية حدثاً محلياً فحسب، بل مثلت أيضاً محطة مضيئة في مشروع الوحدة العربية الذي ظل حلماً يراود الشعوب العربية منذ بدايات القرن العشرين. ففي وقت كانت فيه المنطقة العربية تشهد انقسامات وصراعات متعددة، قدم اليمن نموذجاً عملياً لإمكانية تجاوز الانقسام عبر الحوار والإرادة السياسية، وقد أعادت الوحدة اليمنية التأكيد على أن الروابط التاريخية والثقافية بين الشعوب العربية قادرة على صناعة كيانات أكثر قوة واستقراراً، متى ما توفرت الإرادة الوطنية الصادقة.
ذكرى تتجدد ومعانٍ باقية
تحل الذكرى السادسة والثلاثون للوحدة اليمنية واليمن يواجه تحديات جسيمة فرضتها سنوات الحرب والانقسام والأزمات الإنسانية، إلا أن هذه المناسبة تظل حاضرة في وجدان اليمنيين باعتبارها رمزاً للأمل ولمشروع الدولة الجامعة، إن الحفاظ على الوحدة الوطنية اليوم لا يعني فقط حماية الحدود الجغرافية، بل يتطلب أيضاً ترسيخ العدالة والمواطنة المتساوية والتنمية والشراكة الوطنية، بما يعز الانتماء الوطني ويعيد للدولة حضورها ودورها، وستبقى الوحدة اليمنية، رغم كل الصعوبات، واحدة من أهم المنجزات الوطنية في التاريخ اليمني الحديث، وعنواناً لإرادة شعب آمن بأن قوته تكمن في وحدته، وأن المستقبل لا يُبنى إلا بالتكاتف والتلاحم الوطني.
Comments are closed.