د. علي الرحبي: “السيادة المستباحة”
حين تصبح الأجواء والممرات الإنسانية ورقة للمساومة السياسية، تسقط الأقنعة عن وجه القانون الدولي الإنساني، وتتحول القواعد والاتفاقيات الدولية من دروع تحمي الضعفاء إلى حبال تخنقهم؛ وهذا هو التجسيد الحي لما يشهده مدرج مطار صنعاء الدولي.
إن الإصرار على فرض طوق خانق على الملاحة الجوية المدنية في اليمن يتجاوز كونه تكتيكاً عسكرياً للتحالف، ليصبح جريمة عقاب جماعي مكتملة الأركان تتصادم صراحة مع اتفاقية شيكاغو لعام 1944 ومع المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة.
لكن التراجيديا الحقيقية لا تكمن فقط في تعنت الخارج، بل في تلك المفارقة الهزلية التي يمارسها بعض المحسوبين على الداخل؛ إذ كيف يمكن لمن يرتدي عباءة “الشرعية” والتمثيل الوطني أن يتطوع بتبني ضرب واستهداف منشأة مدنية سيادية على أرضه، أو يبرر حظر طائرات مدنية تحمل مرضى وجرحى بحجج واهية، بينما يقف عاجزاً وصامتاً أمام طيران خارجي يستبيح أجوائه ويدمر مقدرات شعبه؟ إنها لعنة “السيادة الانتقائية” التي صُنعت في غرف التبعية الإقليمية، حيث يتحول حامي الوطن الافتراضي إلى محامٍ يشرعن لقاتله سد منافذ الحياة.
هذا التشظي والتواطؤ الداخلي هو الذي يمنح الرياض والتحالف مساحة مستمرة للتهرب من التزامات التهدئة وخارطة الطريق الموقعة منذ عام 2022، مستغلين حالة “العقم الدبلوماسي والقانوني” التي تعاني منها جبهة صنعاء أيضاً، والتي اكتفت لسنوات بخطاب الشجب والاستنكار واجترار الأرقام الإنسانية، بدلاً من خوض معركة قضائية علمية ومستمرة عبر انتهاج دبلوماسية “الآراء الاستشارية” لطلب فتوى قانونية من محكمة العدل الدولية، أو تحريك المادة (84) الخاصة بتسوية النزاعات عبر مجلس منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو).
إن بقاء مطار صنعاء معلقاً بين مطرقة القصف الخارجي وسندان التبعية والمراهقة السياسية الداخلية، هو وصمة عار لن يمحوها إلا وعي وطني جامع يدرك أن الحقوق لا تُستجدى في عواصم القرار الإقليمي.
لقد آن الأوان لتجاوز الحسابات الضيقة وتشكيل جبهة قانونية وسياسية يمنية موحدة تضع المصلحة الإنسانية فوق صراعات النفوذ، وتدرك أن أولى خطوات استعادة السيادة تبدأ بتطهير العقول من التبعية، وفرض فتح الأجواء كحق أصيل لشعب يأبى أن يموت في صمت.
Comments are closed.