من الحصار إلى الردع.. صنعاء تلوح بخيارات عسكرية مزلزلة في العمق السعودي

الوحدة:

ما بين مربع “اللا سلم واللا حرب”، ومعاودة العدوان السعودي على مطار صنعاء، تتجه الأنظار مجدداً نحو جولة تصعيد جديدة قد تخلط الأوراق الإقليمية برمتها.

فلم يعد الصمت مستساغاً في صنعاء حيال محاولات الالتفاف على التفاهمات الإنسانية، حيث بدأت لغة التحذيرات تأخذ منحىً عسكرياً مباشراً يضع العمق السعودي في مرمى النيران مجدداً، تحت معادلة ردع واضحة: “المطار بالمطار، والخراب بالخراب”.

وفي ردود فعل رسمية وسياسية متلاحقة في العاصمة صنعاء، أدانت المكونات السياسية والحقوقية إقدام طيران التحالف السعودي على استهداف مدرجي الإقلاع والهبوط في مطار صنعاء الدولي لعرقلة رحلة مدنية؛ خطوة وُصفت بأنها “إعلان نعي رسمي لمرحلة التهدئة” الممتدة منذ عام 2022، وتفعيل مباشر لمعادلة الردع الحاضرة: “المطار بالمطار، والمنشأة بالمنشأة”.

تأتي هذه المواقف متزامنة مع طوفان بشري هادر اجتاح ميدان السبعين ومختلف ساحات المحافظات المحررة، مانحاً القيادة السياسية والقوات المسلحة تفويضاً مطلقاً لتدشين جولة عسكرية “مزلزلة” في عمق أراضي المملكة؛ لانتزاع الحقوق المنهوبة وإنهاء سياسة الموت البطيء المفروضة على ملايين اليمنيين.

إدانات رسمية واسعة

في أولى ردود الفعل الرسمية، أكد مجلس الشورى في صنعاء أن استهداف منشأة مدنية كمطار صنعاء يمثل “تصعيداً خطيراً وجريمة حرب مكتملة الأركان”، محذراً من أن هذه الخطوة تنهي عملياً مرحلة خفض التصعيد.

وحمّل المجلس النظام السعودي المسؤولية الكاملة عن تبعات هذا السلوك، مجدداً التأكيد على حق اليمن المشروع في الرد.

من جهته، حمّل مجلس النواب، النظام السعودي عواقب قصفه مطار صنعاء الدولي، مشيرًا إلى أن “تصعيده بدافع أمريكي وإسرائيلي هدفه إطالة أمد الحصار على مطارات وموانئ الشعب اليمني”.

فيما أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين، أنّ “النظام السعودي أعلن الحرب وعليه أن يتحمّل المسؤولية الكاملة عن ذلك”.

استهداف شريان حياة الملايين يفضح النوايا السعودية ويكشف التخبط الأمريكي الإسرائيلي

وشددت صنعاء على أنه “لدينا الكثير من الخيارات في حال لزم الأمر ذلك وتطلبته تطورات الأحداث”، كما جددت الخارجية تأكيد وقوف اليمن إلى جانب الجمهورية الإسلامية في إيران، مشيرة إلى “أننا جميعاً في تنسيق مستمر”.

لن يمر دون عقاب

من جانبه، شدد المتحدّث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، على أنّ “العدوان لن يمرّ من دون عقاب”، مردفاً: “العدو السعودي أنهى مرحلة خفض التصعيد وعليه تحمّل عواقب عدوانه”، فيما اعتبرت وزارة النقل في بيان لها ، أنّ “استهداف السعودية المتجدّد لمطار صنعاء وخرق الأجواء إصرار سعودي بدفع أميركي صهيوني لاستمرار الحصار”.

المواقف الحزبية والحقوقية

توالت الإدانات من مختلف القوى السياسية والحزبية، حيث أدان تحالف الأحزاب والقوى السياسية المناهضة للعدوان بشدة جريمة الاستهداف السعودي لمطار صنعاء الدولي، معتبراً الجريمة “محاولة يائسة لعرقلة وصول الوفد الرسمي والشعبي الذي شارك في تشييع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية”. كما اعتبر التحالف أن “العدوان يعكس إمعان السعودية وبمباركة أمريكية إسرائيلية في انتهاك السيادة الوطنية وعرقلة أي جهود إنسانية أو سياسية”، مؤكداً أن “الاعتداء السافر يُعد انتهاكاً صارخاً لكل القوانين والأعراف الدولية، ويؤكد مجدداً أن السعودية خرقت اتفاق خفض التصعيد”.

المكتب السياسي لأنصار الله، أشار إلى أن قصف المطار لن يحقق أهدافه العسكرية أو السياسية، معتبراً إياه عدواناً سافراً على الشعب اليمني وانتهاكاً صارخاً لسيادته الوطنية. وفي خندق سياسي واحد، تداعت الأحزاب اليمنية لإعلان الموقف ذاته.

بفعل قصف مطار صنعاء.. القوات المسلحة تتوعد السعودية بإنهاء مرحلة خفض التصعيد

المؤتمر الشعبي العام، أدان الجريمة التي تضاعف معاناة آلاف المرضى المحتاجين للعلاج بالخارج، مؤكداً حق الشعب في الدفاع عن نفسه.

أما تحالف الأحزاب المناهضة للعدوان والحزب القومي الاجتماعي، اعتبروا الهجوم تقويضاً شاملاً للتفاهمات القائمة، ودعوا إلى رص الصفوف لمواجهة هذا التصعيد، من جهتها أكدت الجبهة الوطنية الديمقراطية واتحاد القوى الشعبية، أن استهداف المرافق الحيوية يعكس عجز العدوان، مطالبين برد حازم يلجم الغطرسة السعودية.

قرصنة جوية

حقوقياً، فجّر القصف موجة غضب قانونية؛ إذ أدانت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان استهداف المطار بالتزامن مع اقتراب طائرة مدنية من الهبوط، معتبرة ذلك تهديداً مباشراً لحياة الركاب وخرقاً فاضحاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني و”اتفاقية شيكاغو” للطيران المدني، مطالبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بفتح تحقيق دولي عاجل.

بدورها، وصفت منظمة “انتصاف” لحقوق المرأة والطفل الهجوم بأنه انتهاك جسيم يضاعف الأزمة الإنسانية، داعية إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن فرض هذا الحصار القاتل.

الهروب خلف الأدوات

في القراءة التحليلية للمشهد، يبدو أن محاولات الرياض التواري خلف ستار حكومة ما يسمى بـ”الشرعية”، وتحميلها مسؤولية خنق الاقتصاد وإغلاق الأجواء، لم تعد تنطلي على مركز القرار في صنعاء.

وفي هذا الإطار، يؤكد الباحث والسياسي أنس القاضي، في تغريده بمنصة “أكس”، أن “السعودية وإن تغطت بـ”العليمي” وحملته المسؤولية، فلن تكون بمنأى عن النيران، وقد تُغلق مطاراتها قريباً كمطار صنعاء”.

هذا التحليل يضع القيادة السعودية أمام حقيقة أن تقمص دور “الوسيط” لم يعد مجدياً، وأن عليها الانخراط كـ”طرف مباشر” في الحرب والتسوية.

وبحسب مراقبين لـ”الوحدة”، فإن سقف صنعاء تجاوز تفاصيل فتح المطار -الذي يعد حقاً بديهياً مكتسباً منذ تفاهمات 2022- وبات متمحوراً حول حزمة استحقاقات كبرى ترفض ترحيلها:

– العودة إلى مسار “خارطة الطريق” المصاغة برعاية عُمانية دون مواربة.

– دفع رواتب الموظفين من عائدات النفط والغاز اليمني المنهوبة.

– إنجاز ملف الأسرى الشامل وانسحاب القوات الأجنبية والتعويضات وإعادة الإعمار.

سلاح الحصار: الموت البطيء يلاحق ملايين المرضى

تأتي شراسة الموقف الشعبي والسياسي في صنعاء مدفوعة بكارثة إنسانية خلفها إغلاق المطار منذ عام 2016؛ فالمطار يمثل شريان الحياة الوحيد للمنظومة الصحية. وبحسب تقارير وزارة الصحة والبيئة، فإن هذا الإغلاق يعادل “حكماً جماعياً بالموت البطيء”:

  • مرضى الغسيل الكلوي: 8 آلاف مريض يصارعون الموت يومياً بسبب شحة المحاليل، في حين حصد الحصار أرواح 5 آلاف مريض كلى سابقاً.
  • مرضى السرطان واللوكيميا: يقاتل 100 ألف مريض لتوفير بروتوكولات علاجهم، مع نقص تجاوز 60% في الأدوية الكيميائية الحساسة للوقت والتبريد، والتي يفقدها التأخير فاعليتها بنسبة 60%.

 

  • أطفال الثلاسيميا: يواجه 40 ألف مصاب خطر الموت بسبب منع دخول أدوية سحب الحديد والمحاليل، وسُجلت وفاة 684 طفلاً في المركز العلاجي بصنعاء وحده.
  • الحرمان من السفر: يُحرم أكثر من 77 ألف مريض من السفر للخارج، وتعجز آلاف الحالات المستعصية عن المغادرة بسبب الظروف المادية والقيود التعسفية للتحالف في المطارات الخاضعة لسيطرته.

ناهيك عن امتداد الحصار ليشمل منع دخول المواد الخام الطبية، مما أدى لتراجع استيراد الأدوية بنسبة 60% وشلل المصانع المحلية، وتدمير نصف المنشأت والمرافق الصحية من خلال استهدافها بالغارات الجوية وتدميرها بالكامل.

 

 

Comments are closed.

اهم الاخبار