ردعٌ إستراتيجي يُربك حسابات الرياض.. صنعاء تكسر معادلة الصمت وتفرِض “الحصار بالحصار”

الوحدة:

في لحظة فارقة من مسار المواجهة، تقف العاصمة صنعاء اليوم شامخةً كعنوانٍ للكرامة الوطنية ورأس حربةٍ في مناهضة الإملاءات؛ حيث انتقلت من مرحلة التحذير إلى فرض واقع ميداني وإستراتيجي مغاير، يُنهي زمن التفرد السعودي بالقرار والاعتداء والحصار.

جاء هذا التحول النوعي الذي أعلنته القوات المسلحة رداً حاسماً على استمرار العدوان والحصار السعودي المستمر منذ نحو اثني عشر عاماً، والذي خلّف أضراراً اقتصادية وإنسانية جراء تقييد الموانئ والمطارات، وتكبيد القطاعات الإنتاجية وفي مقدمتها القطاعان الزراعي والسمكي، خسائر باهظة بمليارات الريالات طالت الأمن الغذائي وسبل عيش الملايين.

معادلة “الحصار بالحصار”

ومع انسداد مسارات التجاوب السلمي ووصول المعاناة إلى مستوى لا يُطاق، رفعت صنعاء سقف المواجهة بفرض معادلة “الحصار بالحصار”، وضعت عبرها شريان النفط السعودي في البحر الأحمر تحت الرقابة والمواجهة المباشرة، متوعدةً بتداعيات كبرى تشمل أسواق الطاقة العالمية في حال أقدمت الرياض على أي تصعيد.

هذا التحول الميداني الحاسم لم يكن وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لمسارٍ صارمٍ من التحذيرات التي رسمت صنعاء معالمها؛ إذ سبق وأمهل قائد الثورة، السيد عبد الملك الحوثي، الخميس الفائت، السعودية 48 ساعة فقط لتنفيذ استحقاقات السلام، وفي مقدمتها رفع الحصار المفروض على اليمن بمشاركة أمريكية، قاطعاً الطريق أمام المحاولات السعودية لترحيل الأزمة وتمديد الهدنة الإنسانية شكلياً دون أي خطوة عملية مقابلة.

مهلة الـ 48 ساعة

ومع انقضاء مهلة الـ 48 ساعة دون استجابةٍ من الرياض، وتتويجاً للتفويض الشعبي المليوني في الساحات، ترجمت صنعاء تحذيراتها إلى فعلٍ عسكري مباشر؛ إذ صدر عن القوات المسلحة اليمنية بيانٌ تاريخي يحمل دلالات العزم والردع الإستراتيجي، معلناً دخول حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي حيز التنفيذ الفوري، لتُطوى بذلك صفحة الرهان على الوقت، وتبدأ مرحلة جديدة فرضت فيها صنعاء واقعاً ملاحياً وعسكرياً مغايراً في المنطقة.

إرادة اليمنين في الميادين تؤكد المضي لكسر الحصار بصوت الحق

وفور إعلان البيان العسكري للقوات المسلحة معلناً دخول حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي حيز التنفيذ الفوري.، شهدت الأوساط الرسمية والمؤسسية في صنعاء موجة مباركة وتأييد واسعة للقرارات الصادرة، إذ بارك مجلس الشورى إعلان القوات المسلحة فرض حظر الملاحة البحرية على السعودية، معلناً تأييده المطلق لكافة الخيارات الاستراتيجية وتثبيت معادلة “الحصار بالحصار” تلبيةً للإرادة الشعبية والالتفاف الجماهيري.

رد مشروع

مؤكداً في بيان أن القرار يمثل رداً مشروعاً كفلته الشرائع والقوانين لمواجهة حصارٍ غاشم واستهداف للمطارات والموانئ دام زهاء 12 عاماً.

وشدد على أن أي تصعيد سعودي جديد سيُقابل بتصعيد شامل يُجبر الرياض على الانصياع للمطالب المشروعة، وعلى رأسها معالجة الملف الإنساني، صرف المرتبات، استعادة الثروات المنهوبة، وحسم ملف الأسرى، داعياً أبناء الشعب والقبائل اليمنية إلى تعزيز التعبئة والنفير العام لإسناد هذا المنعطف التاريخي.

بدورها، أكدت وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، أن استمرار العدوان والحصار على اليمن كبد القطاعين الزراعي والسمكي خسائر اقتصادية تقدر بمليارات الريالات.

أضرار جسيمة

وأوضحت الوزارة في بيان، أن العدوان والحصار ألحقا أضرارا جسيمة بمختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية في اليمن، وفي مقدمتها القطاعان الزراعي والسمكي، نتيجة استهداف البنية التحتية والمنشآت الإنتاجية، وتعطيل حركة الإنتاج والتسويق والتصدير، وتقييد وصول المدخلات الزراعية والسمكية.

وأشارت إلى أن ممارسات العدوان وحصاره الظالم أثرت بصورة مباشرة على الأمن الغذائي وسبل عيش ملايين اليمنيين، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالمزارعين والصيادين والمنشآت الخدمية والإنتاجية في مختلف المحافظات.

وبارك البيان إعلان القوات المسلحة فرض حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي، مؤكدا أن هذه الخطوة تأتي في إطار الرد على الحصار والعدوان المستمر، وبما يعكس حق الشعب اليمني في الدفاع عن سيادته ومصالحه الوطنية.

أحزاب مناهضة للعدوان

وفي السياق ذاته، باركت الأحزاب والقوى السياسية المناهضة للعدوان في صنعاء، إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حظر الملاحة البحرية على السعودية وفق معادلة “الحصار بالحصار”، معتبراً الخطوة رداً مشروعاً على الحصار المستمر، ومؤكداً دعمه الكامل للإجراءات التي أعلنتها القوات المسلحة.

طوفان يحذّر الرياض

شهدت العاصمة صنعاء والمحافظات المحررة، طوفانا بشريا غير مسبوق في مليونية “جمعة التحذير والنفير”، تأكيدا على الجاهزية للرد على العدوان السعودي وفق المعادلة التي أعلنها قائد الثورة (المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد).

وأكدت الحشود المليونية أن الشعب اليمني لن يقبل بمصادرة حريته واستقلاله أو الخضوع والاستلام أو البقاء في دائرة الوصاية والارتهان لقوى العدوان والاستكبار العالمي.. مطالبة القوات المسلحة بالرد المزلزل على العدوان السعودي الغاشم، وتلبية تطلعات الشعب اليمني في كسر الحصار وإنهاء العدوان والاحتلال.

وحذرت النظام السعودي من مغبة استمرار عدوانه وحصاره، مؤكدة أن صبر شعب الإيمان والحكمة والجهاد قد نفد، وأنه حان وقت انتزاع كافة حقوقه المشروعة واستعادة ثرواته الوطنية المنهوبة وتحقيق حريته واستقلاله مهما كانت التضحيات، وعلى الباغي تدور الدوار.

وأعلنت التأييد والدعم الكامل لما تضمنه بيان القوات المسلحة الذي جسد إرادة وقرار  اليمنيين  الأحرار وقائده الحكيم، لكسر الحصار الجائر ودحر قوى العدوان والاحتلال من كامل تراب الوطن.. مؤكدة الثبات على الموقف المناصر لقضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

ووجهت الجماهير في الميادين والساحات رسالة واضحة للنظام السعودي ولكل العالم، بأن الشعب اليمني ماضٍ خلف قيادته الحرة في خياراته المصيرية لكسر الحصار وانتزاع كامل حقوقه المشروعة والثروات المنهوبة، وإنهاء العدوان والاحتلال، ومتمسك بخيار “الحرية والكرامة والعزة الإيمانية”.. مؤكدة أن ما بعد اليوم سيشهد موقفا وخيارا وقرارا يعبر عن توجه وأصالة هذا الشعب.

الفاتورة الإنسانية بالأرقام..

من الذي أغلق مطار صنعاء ويحاصر اليمنيين؟

تثبت صنعاء اليوم عبر تلاحمها المؤسسي والشعبي أن معادلة “الحصار بالحصار” ليست مجرد ورقة ضغط، بل مسار عملي وتنفيذي يرسم قواعد اشتباك جديدة، ويضع الرياض أمام خيارين لا ثالث لهما: إنهاء الحصار كلياً والانصياع للاستحقاقات الإنسانية، أو تحمّل كلفة التصعيد الشامل.

المطار كهدفٍ وبندقية

منذ قرار فرض الحظر الجوي في أغسطس 2016، لم يكن إغلاق مطار صنعاء مجرد أداة ضغط سياسي، بل تحوّل إلى استراتيجية خنق متكاملة الأركان. لم تكتفِ دول العدوان بمنع حركة الملاحة التجاريّة والمدنيّة، بل استهدفت البنية التحتية للمطار مراراً؛ من صالات المغادرة، إلى أجهزة التوجيه الملاحي، ومدرجات الهبوط، وصولاً إلى طائرات “الخطوط الجوية اليمنية” الرابضة على أرضه.

هذا الاستهداف المباشر وضَعَ العاصمة صنعاء في معزلٍ عن العالم، ليتحول المطار من بوابة عبور إلى مسرحٍ لجرائم حرب موصوفة بموجب القانون الدولي الإنساني، والذي يحظر بوضوح استهداف الأعيان المدنية أو استخدام الحصار كوسيلة حرب.

خسائر بمليارات الدولارات

اقتصادياً، ألحق تعطيل المطار واستهدافه المباشر أضراراً جسيمة بقطاع الطيران المدني والخدمات اللوجستية.

وُقدّرت الخسائر المادية المباشرة وغير المباشرة بمليارين و252 مليونا و225 ألف دولار، شملت مطار صنعاء بـ 507 ملايين و509 آلاف دولار، بما فيها قيمة الطائرة التي تم قصفها وهي جاثمة بالمرسى. فضلاً عن فقدان آلاف العاملين في خدمات الطيران والسياحة لمصادر رزقهم.

وأوضح تقرير وزارة النقل والأشغال العامة في حكومة التغيير والبناء، في مايو 2026، أن أضرار وخسائر مطاري تعز الدولي وصعدة، بلغت 991 مليونا و676 ألف دولار، وبلغت خسائر مطار الحديدة 731 مليونا و160 ألف دولار، في حين قدرت خسائر مطار البيضاء بـ 33 مليونا و550 ألف دولار.

الموت المنسي

تتجلى الكارثة الأقسى لإغلاق المطار في القطاع الصحي المُنهك. في كل يوم، يواجه آلاف المرضى من أصحاب الأمراض المستعصية والأورام السرطانية والفشل الكلوي حكماً بالإعدام المهلَك.

وتشير بيانات وزارة الصحة ، إلى وجود أكثر من 77 ألف مريض احتاجوا للسفر للعلاج بين عامي 2018 و2025، فيما تعذر على 12 ألفاً و251 مريضاً السفر بسبب استمرار إغلاق مطار صنعاء.

مؤكدة أن ثمانية آلاف مريض بالفشل الكلوي يصارعون نقص العلاج، بعد وفاة نحو خمسة آلاف منهم، فيما يواجه أكثر من 100 ألف مريض بالسرطان نقصاً حاداً في الأدوية، إضافة إلى أكثر من 40 ألف مريض بالثلاسيميا يواجهون مخاطر متزايدة نتيجة تعذر وصول العلاجات الأساسية.

مقصلة سوء التغذية

ولفتت إلى أن هناك قرابة 17 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، وأكثر من 3.6 ملايين طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، من ضمنهم 630 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم الذي يهدد حياتهم بشكل مباشر، منهم 400 ألف طفل يواجهون الموت جوعاً.

وأكد بيان الصحة، أن أكثر من 20 مليون يمني محرومون من الرعاية الصحية الأساسية، بالإضافة إلى النقص الحاد في الكوادر الطبية بعد هجرة الآلاف ووفاة العشرات بسبب القصف وعدم توفر الحماية.

حرمان أكثر من 20 مليون يمني من الرعاية الصحية

ولفت إلى أن مرضى الأمراض المزمنة (سرطان، فشل كلوي، سكري) يواجهون الموت البطيء بسبب انقطاع العلاج، منوهاً إلى أن الأرقام تُنذر بكارثة إنسانية جراء الحصار الخانق الذي تفرضه دول العدوان على الشعب اليمني دون أي اعتبارات إنسانية أو أخلاقية في ظل صمت أممي ودولي معیب.

وحسب البيان بلغ عدد الحالات المرضية للأمراض السارية 12 مليوناً و988 ألفاً و 378 حالة منها، ألف و776 حالة وفاة منذ عام 2024م وحتى الأسبوع الـ45 من 2025م.

وذكر أن خسائر الاستهداف المباشر للقطاع الصحي بلغت أكثر من  سبعة مليارات دولار.

الفتح الكامل دون شروط

أمام هذا الواقع والحصار المطبق، تؤكد القوى الوطنية المناهضة للعدوان والأوساط الحقوقية والمنظمات الدولية، أن إعادة فتح مطار صنعاء الدولي بالكامل ودون أية قيود أو اشتراطات سياسية، ليس مجرد مطلب تفاوضي أو ورقة مساومة، بل هو استحقاقٌ إنساني وأخلاقي أصيل لا يقبل التجزيء.

القبيلة في المعادلة..

النكف القبلي يتسع دعماً لخيارات صنعاء

لم يقتصر إعلان القوات المسلحة فرض حظر الملاحة البحرية على السعودية على كونه تطوراً عسكرياً، بل أطلق حراكاً قبلياً وشعبياً واسعاً عكس حالة اصطفاف داخلي خلف معادلة “الحصار بالحصار”. فمن عمران إلى إب، ومن صعدة إلى الجوف، برزت القبيلة اليمنية مجدداً بوصفها أحد أبرز الفاعلين في المشهد الوطني، معلنةً الجهوزية لمساندة خيارات صنعاء في مواجهة الحصار والتصعيد.

في محافظة عمران، أعلنت قبائل خارف النكف القبلي المسلح، مؤكدة النفير العام والجهوزية الكاملة، ومفوّضة قيادة الثورة والقوات المسلحة باتخاذ ما تراه مناسباً من خيارات لإنهاء الحصار واستعادة الحقوق.

وفي محافظة إب، أعلنت قبائل مديرية المخادر خلال لقاء قبلي مسلح استعدادها الكامل لمواجهة أي تصعيد، مؤكدة دعمها للإجراءات الهادفة إلى حماية الثروات السيادية وإنهاء العدوان.

تفويض شعبي ونكف قبلي يُسندان قرار الردع وتثبيت معادلة كسر الحصار

وتوازى الحراك القبلي مع تعبئة جماهيرية واسعة دعت إليها التعبئة العامة، التي حثّت أبناء الشعب اليمني على المشاركة في مسيرات تأييد لقرار القوات المسلحة، باعتباره تجسيداً لمعادلة الردع الجديدة.

في صنعاء العزة، (لا هدنة من بعد اليوم).. هتافات غاضبة ورسالة شعبية صدحت بها حشود ميدان السبعين ليلاً تأييدا لمعادلة الحصار بالحصار.

وفي حجة، خرجت مسيرات في مركز المحافظة وعدد من المديريات، معلنة تأييدها للقرار العسكري وتفويضها الكامل في الخيارات الهادفة إلى كسر الحصار.

كما شهدت المحويت وصعدة وذمار والجوف وإب وعمران والضالع، مسيرات جماهيرية متزامنة، أكدت بياناتها وحدة الموقف الشعبي واستعداد الداخل اليمني لمواكبة أي تطورات قد تفرضها المرحلة المقبلة.

ويعكس هذا التزامن بين النكف القبلي والحشد الجماهيري، وفق مراقبين، سعي صنعاء إلى إظهار تماسك جبهتها الداخلية، وإسناد خياراتها السياسية والعسكرية بغطاء قبلي وشعبي واسع، في لحظة تصفها بأنها مفصلية في مسار مواجهة الحصار.

Comments are closed.

اهم الاخبار