إسبانيا تعانق الذهب وترصّع قميصها بالنجمة المونديالية الثانية
خالد الصايدي
بعد غياب دام 16 عاما عاد المنتخب الاسباني ليرفع كأس العالم مجددا بعدما توج بطلا للمرة الثانية في تاريخه، إثر فوزه الثمين على حامل اللقب المنتخب الأرجنتيني بهدف دون رد الاحد الماضي، وذلك في نهائي مثير احتضنه ملعب “ميتلايف” في ولاية نيوجيرسي الأمريكية وبحضور اكثر من ثماني الف متفرج، ليكتب “الماتادور” الاسباني فصلا جديدا من أمجاده الكروية .
وجاء التتويج الإسباني في نسخة استثنائية من المونديال، هي الأولى التي تُقام بمشاركة 48 منتخبا، بعد مشوار حافل بالأداء المقنع والنتائج المميزة، توجه رجال المدرب لويس دي لا فوينتي بأغلى الألقاب على حساب منتخب الارجنتيني الذي دخل المباراة بطموح الحفاظ على لقبه العالمي وإضافة النجمة الرابعة إلى سجله.
تفوق إسباني وصمود أرجنتيني حتى الحسم
المباراة النهائية جاءت قوية ومتكافئة في بدايتها، قبل أن يفرض المنتخب الإسباني أسلوبه تدريجيا من خلال السيطرة على الكرة وفرض إيقاعه الهجومي، في الوقت الذي اعتمد فيه المنتخب الأرجنتيني على التنظيم الدفاعي ومحاولة استغلال الهجمات المرتدة.
وكان “الماتادور” الطرف الأكثر خطورة طوال اللقاء، حيث صنع عدة فرص للتسجيل، لكن تألق الحارس الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز حال دون اهتزاز شباكه، بعدما تصدى لمحاولات إسبانية عديدة، ليحافظ على التعادل السلبي حتى نهاية الوقت الأصلي.
وفي المقابل، عانى المنتخب الأرجنتيني هجوميا ولم يتمكن من تهديد المرمى الإسباني بصورة واضحة، رغم محاولاته لإيقاف التفوق الإسباني والحفاظ على آماله في الاحتفاظ باللقب العالمي.
ومع استمرار التعادل، لجأ المنتخبان إلى الأشواط الإضافية، حيث واصل المنتخب الإسباني ضغطه بحثًا عن هدف الحسم، حتى جاءت الدقيقة 106 التي حملت لحظة التتويج، عندما سجل فيران توريس هدف المباراة الوحيد، مانحا إسبانيا لقب كأس العالم الثاني في تاريخها.

90 دقيقة دون تسديدة واحدة
وسجل المنتخب الأرجنتيني رقما سلبيا غير مسبوق في تاريخ نهائيات كأس العالم، بعدما أنهى الوقت الأصلي لنهائي مونديال 2026 أمام إسبانيا دون أن يسدد أي كرة على المرمى.
وذكرت شبكة “أوبتا” للإحصاءات الرياضية أن الأرجنتين أصبحت أول منتخب يبلغ نهائي كأس العالم منذ بدء جمع البيانات عام 1966، ويعجز عن توجيه أي تسديدة على مرمى منافسه خلال 90 دقيقة.
ولم يسبق أن انتهت مباراة في كأس العالم دون أي تسديدة على المرمى من أحد الفريقين سوى في ثلاث مناسبات، كان منتخب كوستاريكا طرفا في اثنتين منها أمام البرازيل عام 1990 وإسبانيا عام 2022، قبل أن تنضم الأرجنتين إلى هذه القائمة في نهائي نسخة 2026.
ولم يقتصر الأداء السلبي على غياب التسديدات، إذ أنهى المنتخب الأرجنتيني الوقت الأصلي بنسبة استحواذ بلغت 34% فقط، وهي الأدنى له في تاريخ مشاركاته بالمونديال منذ عام 1966، قبل أن يخسر في الشوط الإضافي الثاني بهدف البديل الإسباني فيران توريس.
هيمنة إسبانية على جوائز البطولة ومبابي هدافا للمونديال
وفرض المنتخب الإسباني هيمنته على الجوائز الفردية في كأس العالم 2026، بعدما تُوج نجم خط الوسط رودري بجائزة أفضل لاعب في البطولة، بعد المستويات المميزة التي قدمها طوال مشوار البطولة، حيث كان أحد أبرز ركائز المنتخب الإسباني وقاد خط الوسط بثبات حتى المباراة النهائية أمام الأرجنتين، ليضيف هذا الإنجاز إلى سلسلة من الجوائز الفردية التي حققها في السنوات الأخيرة.
وحقق زميله الحارس أوناي سيمون جائزة القفاز الذهبي لأفضل حارس مرمى بعدما حافظ على نظافة شباكه في معظم مباريات المونديال، ولم يستقبل سوى هدف واحد طوال ثماني مباريات، مسجلًا أرقامًا قياسية في عدد المباريات بالشباك النظيفة ، فيما حصد المدافع الشاب باو كوبارسي جائزة أفضل لاعب شاب.
وفي المقابل، ذهبت جائزة هداف كأس العالم إلى النجم الفرنسي كيليان مبابي بعدما أنهى البطولة في صدارة ترتيب الهدافين برصيد 10 أهداف، ليحتفظ بالحذاء الذهبي للمرة الثانية تواليا بعد تتويجه أيضا هدافًا لنسخة 2022، رغم اكتفاء منتخب فرنسا بالمركز الرابع، كما رفع مبابي رصيده إلى 22 هدفا في تاريخ مشاركاته بكأس العالم، ليصبح الهداف التاريخي للمسابقة، متقدما على الأرجنتيني ليونيل ميسي الذي أنهى البطولة في المركز الثاني بقائمة هدافي النسخة الحالية.

مشوار البطل.. بداية متعثرة ونهاية تاريخية
وأوقعت القرعة إسبانيا في المجموعة الثامنة إلى جانب منتخبات أوروغواي والسعودية والرأس الأخضر. واستهل “لاروخا” مشواره بتعادل سلبي مفاجئ أمام منتخب الرأس الأخضر، قبل أن يستعيد توازنه سريعا بفوز عريض على السعودية بأربعة أهداف دون رد، ثم حسم صدارة المجموعة بانتصار ثمين على أوروغواي بهدف نظيف، ليعبر إلى الأدوار الإقصائية بثقة وثبات المستوى.
وفي الأدوار الإقصائية، ارتفع مستوى المنتخب الإسباني بصورة لافتة، فاستهل مشواره بفوز مستحق على النمسا بثلاثية نظيفة في دور الـ32، ثم تجاوز جاره البرتغالي بهدف دون رد في مواجهة قوية بدور الـ16، قبل أن يتخطى عقبة بلجيكا بنتيجة (2-1) في ربع النهائي.
وواصل المنتخب الإسباني عروضه المميزة في نصف النهائي، حيث قدم أحد أفضل مستوياته في البطولة، وأقصى المنتخب الفرنسي بثنائية نظيفة، ليبلغ النهائي عن جدارة واستحقاق، بعدما أطاح بمنتخب يضم نخبة من أبرز نجوم العالم.
وفي المباراة النهائية، اصطدم “الماتادور” بحامل اللقب المنتخب الأرجنتيني، وتمكن من حسم المواجهة بهدف دون رد بعد اللجوء إلى الأشواط الإضافية، ليختتم مشوارا مميزا شهد خوضه لثماني مباريات، حقق خلالها سبعة انتصارات وتعادلا واحدا، ولم يتعرض لأي خسارة، كما سجل 14 هدفًا واستقبل هدفا واحدا فقط.
أرقام وإحصاءات بارزة من المونديال
وشهدت بطولة كأس العالم 2026 العديد من الأرقام القياسية والإنجازات التاريخية، سواء على مستوى المنتخبات أو اللاعبين، في النسخة الأولى من المونديال التي أقيمت بمشاركة 48 منتخبًا.
وبرز النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي كأكبر لاعب ميداني يشارك في نهائي كأس العالم، بعمر 39 عاما، كما أصبح ثاني لاعب في التاريخ يخوض ثلاثة نهائيات مختلفة للمونديال، بعد البرازيلي كافو، ورغم تسجيله ثمانية أهداف في البطولة، إلا أنه اكتفى بالمركز الثاني في قائمة الهدافين، كما خسر النهائي العالمي للمرة الثانية في مسيرته بعد نهائي مونديال 2014.
وفي المقابل، واصل الفرنسي كيليان مبابي كتابة التاريخ، بعدما تُوج هدافا للبطولة برصيد 10 أهداف، ليحتفظ بالحذاء الذهبي للمرة الثانية تواليا، كما انفرد بصدارة الهدافين التاريخيين لكأس العالم برصيد 22 هدفا، متجاوزا ميسي الذي توقف رصيده عند 21 هدفا.
وسجلت البطولة أيضًا حضورا لافتا للمواهب الإسبانية الشابة، حيث دخل لامين يامال وباو كوبارسي سجلات المونديال كأحد أصغر اللاعبين مشاركة في مباراة نهائية.
وعلى صعيد الانضباط، شهدت البطولة 15 حالة طرد، كان آخرها طرد لاعب الوسط الأرجنتيني إنزو فرنانديز في المباراة النهائية، في واحدة من أكثر نسخ كأس العالم من حيث عدد البطاقات الحمراء.
أكبر مكافآت مالية في تاريخ كأس العالم
وحصد المنتخب الإسباني50 مليون دولار بعد تتويجه باللقب ، فيما نال المنتخب الأرجنتيني، وصيف البطولة 33 مليون دولار. أما منتخب إنجلترا الذي أنهى المنافسات في المركز الثالث، فقد حصل على 29 مليون دولار، بينما نال المنتخب الفرنسي، صاحب المركز الرابع، 27 مليون دولار.
وامتدت المكافآت لتشمل جميع المنتخبات التي بلغت الأدوار الإقصائية، إذ حصلت المنتخبات التي احتلت المراكز من الخامس إلى الثامن على 19 مليون دولار لكل منتخب، فيما نالت المنتخبات التي أنهت البطولة بين المركزين التاسع والسادس عشر 15 مليون دولار، بينما حصلت المنتخبات التي جاءت بين المركزين السابع عشر والثاني والثلاثين على 11 مليون دولار، في حين بلغت مكافأة المنتخبات التي احتلت المراكز من الثالث والثلاثين إلى الثامن والأربعين 9 ملايين دولار لكل منتخب.
إنجلترا ثالثة العالم بعد مواجهة مثيرة
وكان المنتخب الإنجليزي قد حسم المركز الثالث، بعدما تغلب على نظيره الفرنسي بنتيجة 6-4 في مباراة تحديد المركز الثالث، التي شهدت واحدة من أكثر المواجهات إثارة وغزارة تهديفية في البطولة.
وفرض منتخب “الأسود الثلاثة” أفضليته في الشوط الأول، بعدما تقدم برباعية نظيفة، قبل أن يعود المنتخب الفرنسي بقوة في الشوط الثاني ويقلص الفارق إلى هدف واحد، إلا أن الإنجليز استعادوا زمام الأمور في الدقائق الأخيرة بإضافة هدفين آخرين ليؤكدوا تفوقهم ويحصدوا الميدالية البرونزية.
وشهدت المباراة تألق عدد من نجوم المنتخب الإنجليزي، وفي مقدمتهم بوكايو ساكا الذي سجل ثلاثة أهداف (هاتريك)، إلى جانب ديكلان رايس وإزري كونسا وجود بيلينغهام، فيما سجل كيليان مبابي هدفين لفرنسا، ليعزز صدارته لقائمة هدافي البطولة ويصبح الهداف التاريخي لكأس العالم برصيد 22 هدفًا.

المغرب يتسلم راية المونديال استعدادًا للنسخة المئوية
ومع إسدال الستار على منافسات كأس العالم 2026، اتجهت أنظار عشاق كرة القدم إلى النسخة المقبلة من البطولة، حيث تسلم المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال، راية استضافة كأس العالم 2030، في نسخة تاريخية ستتزامن مع الاحتفال بمرور 100 عام على انطلاق أول مونديال.
وستشهد بطولة 2030 حدثا غير مسبوق، إذ ستكون أول نسخة في تاريخ كأس العالم تُقام عبر ثلاث قارات وست دول، بعدما اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الملف المشترك للمغرب وإسبانيا والبرتغال كدول مستضيفة رئيسية، على أن تستضيف أوروغواي والأرجنتين وباراغواي ثلاث مباريات افتتاحية احتفاءً بمئوية البطولة وتكريمًا لأمريكا الجنوبية، مهد انطلاق كأس العالم عام 1930.
ومن المقرر أن تمتد منافسات البطولة خلال الفترة من 8 يونيو إلى 21 يوليو 2030، لتصبح الأطول في تاريخ المونديال، فيما ستقام المباريات على 21 ملعبا في 18 مدينة موزعة بين الدول الست. ويبرز المغرب كأحد أبرز المستضيفين من خلال ستة ملاعب في الدار البيضاء والرباط ومراكش وأكادير وفاس وطنجة، في تأكيد جديد على جاهزيته لاحتضان أكبر حدث كروي عالمي، في نسخة ينتظر أن تكون واحدة من أكثر بطولات كأس العالم تميزًا على الإطلاق.
Comments are closed.