فضاء رقمي بلا ضوابط يهدد الأطفال
خالد الصايدي
في فضاء رقمي يعج بالخداع والتضليل، وجدت “ع . م” ذات الثمانية عشر عاماً نفسها ضحية لأخطر جرائم الابتزاز الإلكتروني، وذلك بعد سقوطها في فخ حساب وهمي انتحل صفة طبية لاستدراج الفتيات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخسرت مقابل ذلك الكثير مما تملك من أموال ومقتنيات لصالح الشخص المبتز خوفاً من أن ينشر صورها.
وبحسب التحقيقات، أنشأ شاب في العشرينيات من عمره صفحة على فيسبوك زعم من خلالها تقديم استشارات صحية للنساء، قبل أن يستغل ثقة الضحايا ويطلب صوراً ومعلومات شخصية بحجة “التشخيص والمتابعة”، ليتحول لاحقاً إلى ممارسة الابتزاز والتهديد بنشر المحتوى الخاص، وذلك قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية في صنعاء من تتبعه والقبض عليه، في واحدة من أكبر قضايا الابتزاز الإلكتروني.

“ع . م” ضحية استشارة طبية وهمية.. واليمن يدرس قانوناً لحماية الأطفال من الابتزاز
هذه القضية ليست الوحيدة، بل تأتي ضمن سلسلة قضايا مماثلة تسببت بخسائر مالية ونفسية كبيرة للضحايا، وأحياناً دفعت بعضهن للوقوع في المحظور خوفاً من الفضيحة، وهي بلا شك تمثل واحدة من أبرز التحديات والمخاطر التي باتت تهدد الأطفال والنساء على وجه التحديد نتيجة الاستخدام غير الآمن للوسائل الرقمية، في ظل ضعف الوعي الإلكتروني وغياب الرقابة الأسرية، الأمر الذي يجعل كثيراً من صغار السن عرضة للاستدراج والاستغلال عبر الحسابات الوهمية والمنصات الإلكترونية.
أضرار نفسية وسلوكية
ولا تقتصر أضرار الفضاء الرقمي على جرائم الابتزاز والتنمر فقط، بل قد تصل إلى إحداث أضرار أخلاقية وفكرية واسعة إلى جانب الأضرار النفسية على المجتمع وصغار السن.
تذكر الباحثة في علم النفس الإكلينيكي أماني يحيى أضراراً واسعة جراء تعرض الأطفال للشاشات والتقنيات الرقمية، التي أصبحت شريكاً ثالثاً في تربيتهم، حيث باتت محتوياتها تقتحم تفاصيل يومهم وتنافس الأسرة في دورها التوجيهي، بل قد تستحوذ عليه تماماً في غفلة من الجميع.
وترى أماني في سياق حديثها لـ”الوحدة”، أن الأزمة اليوم تجاوزت حدود “إدمان الإنترنت”، لتصل إلى عمق التكوين النفسي والسلوكي للطفل، مهددةً علاقته بذاته وبمحيطه الاجتماعي.
وتلفت أماني إلى أن “الفضاء الرقمي بات الآن عالماً مفتوحاً بلا وعي كافٍ، يعيش طفل اليوم داخله بلا حدود أو حواجز، يمتص من خلاله أفكاراً وتصورات قبل أن يمتلك الوعي اللازم لتمحيصها، ومن هنا بدأت تطفو على السطح ظواهر مقلقة؛ أطفال يتبنون سلوكيات عنيفة، وآخرون يسقطون في فخ المقارنات المستمرة مع حياة مثالية زائفة على منصات التواصل، مما يورثهم شعوراً بالدونية”.

أماني يحيى: الأزمة تجاوزت الإدمان إلى عمق التكوين السلوكي والحل يبدأ بترميم جدار الثقة الأسرية
وتضيف أن العالم الرقمي السريع أدى أيضاً إلى تآكل قيمة “الصبر” لدى الأطفال، فكل شيء أصبح متاحاً بضغطة زر، ما أضعف قدرتهم على التحمل في الحياة الواقعية.
ضغوط صامتة
وتؤكد أن “الآثار الجسدية من قلة التركيز واضطرابات النوم والخمول البدني ليست إلا قشرة خارجية لمشكلات نفسية أعمق، إذ يعيش كثير من الأطفال ضغوطاً صامتة، من خوف من التنمر الإلكتروني إلى عزلة اجتماعية خانقة وانفعالات حادة عند الابتعاد عن الأجهزة”.
وحول التقنية الرقمية وتأثيرها على المجتمع حالياً وتماسكه تشير أماني إلى أن التقنية خلقت “فجوة رقمية” بين جيل الآباء الذين نشأوا في عالم واقعي، وجيل الأبناء الذين وُلدوا وفي أيديهم هذه الأجهزة، موضحة أن الهاتف تحول اليوم إلى “المعلم الأول”، ما خلق نوعاً من الاغتراب داخل الأسرة، رغم وجود أفرادها تحت سقف واحد.
حلول وتحديات
وعن الحلول لمواجهة تحديات وخطر الفضاء الرقمي ترى أماني أن المواجهة لا تكمن في المنع التقليدي أو الصراخ أو سحب الأجهزة، لأن الطفل سيجد ألف طريقة للوصول إلى ما يُمنع عنه، مؤكدة أن العلاج الحقيقي يبدأ من ترميم العلاقة الأسرية، والحوار، وبناء جسور الثقة.
ومن الحلول التي تطرحها أيضاً “بناء الوعي الذاتي لدى الطفل، بحيث يتعلم كيف يحمي نفسه ويفكر فيما يشاهده، إلى جانب أهمية القدوة الحية، إذ يتعلم الأطفال بالمحاكاة، وكلما رأوا توازناً في تعامل الوالدين مع التقنية تبنوا هذا السلوك تلقائياً”.
وتختتم أماني حديثها بالقول: “نحن لا نملك عزل الأطفال عن التطور، ولا نسعى لمحاربة التقنية بحد ذاتها، لكننا نهدف إلى تحصين الوعي، فكلما زاد منسوب الاحتواء والطمأنينة داخل البيت، قلّ بحث الطفل عن أمان مزيف في زوايا الإنترنت المظلمة”.
هيمنة رقمية
وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي فرضت نفسها على تفاصيل الحياة اليومية، يُجمع المختصون على أن التكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة للمعرفة والتواصل والترفيه، بل تحولت إلى قوة مؤثرة في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، خصوصاً الأطفال والمراهقين، وسط تنامي المخاوف من التأثيرات الفكرية والسلوكية التي تفرضها البيئة الرقمية الحديثة.
ويرى المدرب إبراهيم الكحلاني المهتم بالشأن الفكري والأسري والتربوي، أن “الوجه المظلم للتطور الرقمي لا يقل خطورة عن فوائده، إذ أصبحت المنصات الإلكترونية قادرة على اختراق الحواجز الأسرية والتأثير المباشر على أفكار الأطفال وسلوكياتهم، عبر محتوى متكرر وموجّه بعناية لاستقطاب انتباههم والتأثير على قناعاتهم بصورة تدريجية يصعب ملاحظتها في بدايتها”.

الكحلاني: المنصات الرقمية تسحب البساط من المعلم والأب.. والمحتوى الهابط يُخدر الوعي بجرعات تدريجية
ويشير الكحلاني في سياق حديثه لـ”الوحدة”، إلى أن “البيئة الرقمية لم تعد بيئة تواصل عابرة، بل تحولت إلى صانعة وعي بامتياز بسبب تكرار المحتوى وتخصيصه، وتغيير المرجعية التربوية للأطفال، فقد كان الأبناء سابقاً يسألون: ما رأي أبي وأمي ومعلمي؟ واليوم يسألون: ماذا يقول الترند أو رأي المؤثرين؟، وهذا يجعل أي محتوى صادم أو شاذ يتعرض له الأطفال في هذه البيئة الرقمية نموذجاً يُحتذى به”.
ويلفت إلى أن “الخطير في المحتوى الهابط في البيئة الرقمية أنه يأتي إلينا بجرعات تدريجية حتى يخدر الوعي لدينا ويحول السلوكيات الشاذة إلى واقع مألوف يتم قبوله والتعايش معه بمرور الوقت، فالمحتوى الهابط لا يبدأ بشيء صادم كلياً، بل يبدأ بألفاظ خفيفة صادمة قليلاً، ثم مشاهد جريئة، ثم تجاوزات كاملة. ومع كل مرة ينخفض منسوب الاستنكار، وتعتاد العين والأذن، وبعدها يتوقف العقل عن رده كخطأ، ويبدأ في تسجيله كأمر موجود ثم أمر عادي ثم أمر مقبول”.
محتوى صادم
وعن قوة تأثير منصات مواقع الإنترنت ومحتوياتها يؤكد الكحلاني أن “منصة واحدة تملك قدرة على التأثير على الطفل ما لا تملكه أقوى مدرسة وأفضل أسرة، فهي تعرف ما يخاف منه وما يضحكه، وتضبط محتواها بناءً على ذلك في كل لحظة، لا سيما وأن الطفل اليوم يقضي أمام الشاشات وقتاً يفوق ما يقضيه مع أسرته أو داخل الفصل الدراسي، إذ يصل معدل الاستخدام في بعض الفئات العمرية إلى ما بين 7 و9 ساعات يومياً، وهو ما يمنح البيئة الرقمية أسبقية واضحة على البيئة الأسرية والمجتمعية”.
وعن مواجهة التأثيرات السلبية للبيئة الرقمية على الأطفال، يرى الكحلاني أنها “تبدأ من داخل الأسرة، من خلال التحول من أسلوب المنع المباشر إلى أسلوب الحوار والمشاركة، عبر مناقشة المحتوى الذي يتابعه الطفل وتعزيز التفكير النقدي لديه”.
كما يؤكد أهمية استعادة الأجواء الأسرية القائمة على الحوار والأنشطة المشتركة، إلى جانب وضع قواعد واضحة ومرنة لاستخدام الأجهزة والإنترنت، تتناسب مع الفئات العمرية المختلفة، بما يحقق التوازن بين الحماية وبناء الثقة داخل الأسرة.
تقنيات لحماية الأطفال
في ظل اتساع المخاطر الرقمية، وضعف أدوات الردع والحماية التقليدية، يطرح خبراء وتقنيون مجموعة من الحلول العملية للحد من تعرض الأطفال والمراهقين لجرائم الابتزاز والاستغلال الإلكتروني، إضافة إلى ضبط الوصول إلى المحتوى غير الملائم، عبر وسائل فنية وإجرائية بسيطة يمكن للأسر تطبيقها لتعزيز بيئة رقمية أكثر أماناً.
ويؤكد المهندس عبد الفتاح ذمران أن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في نشر الوعي الرقمي داخل الأسرة والمجتمع، في ظل تنامي تأثير الألعاب والتطبيقات الإلكترونية التي تستحوذ على وقت الأطفال، وتدفعهم لقضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، ما يستدعي تطوير أساليب المتابعة والتوجيه باستخدام أدوات تقنية حديثة.
ويضيف في سلسلة منشورات توعوية نشرها على صفحته في “فيسبوك”، أن من أبرز وسائل الحماية الأسرية ربط البريد الإلكتروني الخاص بالطفل برقم هاتف أحد الوالدين، وتفعيل تطبيقات الرقابة الأبوية، بما يتيح متابعة نشاط الطفل على الإنترنت، ومعرفة مدة استخدام التطبيقات، وتوجيهه نحو الاستخدام الآمن والمسؤول.

ذمران يحذر: تطبيقات “استحواذ الوقت” تلتهم طفولة الأبناء في ظل غياب الوعي الرقمي
كما يشير إلى أن إنشاء حسابات للأطفال دون سن 13 عاماً يسهم في تفعيل أنظمة حماية تلقائية، تمنع ظهور التطبيقات والمحتويات الموجهة للكبار، إضافة إلى إمكانية متابعة سجل النشاط الرقمي عبر إعدادات البريد الإلكتروني.
بين الانفتاح وغياب الرقابة
وفي إطار تنظيم استخدام الإنترنت داخل الأسرة، يدعو ذمران إلى تحديد أوقات واضحة لاستخدام الشبكة، خصوصاً للأطفال، من خلال إعدادات “التحكم الأسري” في أجهزة المودم، بما يسمح بجدولة أو إيقاف خدمة الإنترنت في أوقات محددة، مثل ساعات الليل، للحد من الإفراط في الاستخدام.
كما يشدد على أهمية تفعيل أدوات الرقابة الأبوية في الأجهزة الذكية، بما يشمل التحكم في تشغيل الكاميرا والميكروفون عند الحاجة، وتفعيل خدمات تحديد الموقع الجغرافي، وربط حسابات الأطفال بمتاجر التطبيقات الرسمية فقط، مع إلزام موافقة الوالدين قبل تحميل أي تطبيق جديد، بما يعزز مستويات الأمان الرقمي ويحمي الأطفال من المخاطر الإلكترونية المتزايدة.
نحو تشريع يحمي الطفل رقمياً
وفي ظل تزايد الجرائم الإلكترونية، تتعالى الدعوات إلى تطوير الأطر القانونية وتعزيز الحماية الرقمية، بما يواكب طبيعة الجرائم العابرة للحدود.
دعوات لتفعيل الرقابة التقنية لحماية الأطفال من مخاطر الفضاء الرقمي
ويرى نائب وزير العدل وحقوق الإنسان القاضي إبراهيم الشامي أن التحولات الرقمية السريعة فرضت تحديات كبيرة، خصوصاً في ظل ضعف أدوات الرقابة الأسرية وتزايد الانفتاح على الإنترنت.
من جهته، يؤكد رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان علي تيسير أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر عرضة للضرر في البيئة الرقمية، مشدداً على أهمية تعزيز رقابة الأسرة، وتطوير تشريعات تحمي هذه الفئة.
وأشار إلى أن هناك جهوداً جارية لإعداد مشروع قانون لحماية المجتمع من الآثار السلبية للبيئة الرقمية.
وكانت ورشة عمل حول سلامة الطفل في البيئة الرقمية قد أوصت في صنعاء بضرورة إصدار قانون خاص بالسلامة الرقمية للطفل، وإنشاء نيابات ومحاكم متخصصة، وتوسيع آليات الإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية.
كما دعت التوصيات إلى إدماج مفاهيم الأمن السيبراني في المناهج الدراسية، وتنفيذ حملات توعوية تستهدف الأطفال وأولياء الأمور، وتعزيز دور الأسرة في الرقابة الإيجابية، إلى جانب تطوير أدوات تقنية تدعم الحماية الرقمية.
Comments are closed.