كيف استغلت إيران الجغرافيا لردع العدوان الأمريكي الإسرائيلي؟
الوحدة:
أكد الدكتور هاني المغلس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، أن التصعيد الأمريكي الإسرائيلي تجاه إيران لا يمثل أزمة عابرة، بل يندرج ضمن مشروع استراتيجي يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة وترسيخ نظام إقليمي تتصدره إسرائيل، واصفاً المواجهة بأنها “صراع صفري” بين مشروعين متناقضين.
جاء ذلك خلال محاضرة تحليلية نظمها “مركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات” في العاصمة صنعاء، الأحد، بعنوان: “الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: قراءة في الأهداف والمسارات”، بمشاركة دبلوماسيين وباحثين وسياسيين ومثقفين.
معركة هيمنة
وأوضح المغلس أنّ ما يجري في مضيق هرمز ليس مجرد صراع على تدفق النفط أو الملاحة التجارية، بل هو “معركة سيادة” بامتياز.
وأشار إلى أنّ الهدف الأمريكي هو حرمان إيران من ممارسة حقها في السيادة على المضيق، لأنّ أي اعتراف بهذه السيادة سيعني ولادة نظام إقليمي جديد يمنح إيران تفوقاً جيوسياسياً يكسر أحادية الهيمنة الغربية، ويجبر القوى الدولية على التخاطب مع طهران كلاعب قوي في منطقة الشرق الأوسط.
حرب تتجاوز البعد العسكري
وأوضح المغلس أن الحرب على إيران تمثل – وفق قراءته – امتداداً للحرب الدائرة في غزة، معتبراً أن ما يجري ليس أحداثاً منفصلة، بل حلقات ضمن مشروع أمريكي إسرائيلي يستهدف إعادة هندسة التوازنات الإقليمية وتصفية قوى المقاومة.

د. المغلس: المواجهة مع العدوان “الصهيو-أمريكي” معركة وجودية.. وهرمز و”وحدة الساحات” تُربكان حسابات الهيمنة
وأشار إلى أن أهداف الحرب لا تقتصر على استهداف البرنامج النووي الإيراني أو تقليص القدرات العسكرية لطهران، بل تشمل استنزاف النظام الإيراني أو إسقاطه، ومنع إيران من التحول إلى قوة إقليمية مستقلة، إضافة إلى إعادة ترتيب المنطقة بما يخدم المصالح الإسرائيلية ويكرّس الهيمنة الأمريكية.
وأضاف أن هذه الأهداف مترابطة، وترتبط – بحسب وصفه – بمشروع أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وهو ما عبّر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة تحت عنوان “تغيير وجه المنطقة”.
إخفاق في تحقيق الأهداف
ورأى المغلس أن أي نجاح عسكري جزئي لا يمكن اعتباره انتصاراً كاملاً بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، طالما لا تزال إيران تحتفظ بقدرتها على التأثير الإقليمي والمبادرة الاستراتيجية.
وأشار إلى أن أحد أبرز مظاهر الإخفاق الأمريكي الإسرائيلي يتمثل في عدم القدرة على إحداث انهيار سريع في بنية الدولة الإيرانية، رغم الضربات المكثفة التي استهدفت منشآت ومواقع داخل إيران.
وبحسب تقديره، فقد صُممت الحرب لإحداث صدمة تدفع طهران إلى القبول بالشروط الأمريكية أو التسبب باضطرابات داخلية تُضعف النظام، إلا أن تلك الرهانات لم تتحقق.
وأضاف أن المؤسسات الإيرانية تمكنت من إعادة تنظيم نفسها سريعاً على المستويات السياسية والأمنية والعسكرية، رغم الخسائر البشرية والمادية، بما يعكس قدرة على التكيّف وامتصاص الضغوط.
“تسوية الملعب” في غزة
وفي قراءته للحرب على غزة، اعتبر المغلس أن التدمير الواسع الذي تعرض له القطاع لم يكن موجهاً إلى غزة وحدها، بل حمل رسائل ردع إلى بقية دول المنطقة، واصفاً ما جرى بأنه “مرحلة تمهيدية” لسيناريوهات إقليمية أوسع تتكشف ملامحها تدريجياً.
“الدبلوماسية القسرية”
وفيما يتعلق بالتحركات الدولية، قلّل المحاضر من فاعلية المسارات الدبلوماسية الحالية، معتبراً أنها تندرج ضمن ما وصفه بـ “الدبلوماسية القسرية”، القائمة على فرض السلام بالقوة.
وأوضح أن الولايات المتحدة تستخدم هذه التحركات لكسب الوقت واحتواء تداعيات الإخفاق في تحقيق أهداف الحرب، مشيراً إلى أن الوضع الراهن لا يعكس وقفاً مستقراً لإطلاق النار، بل “هدنة هشة” قابلة للانهيار في أي لحظة.
ولفت إلى أن مختلف الأطراف تعمل حالياً على إعادة ترتيب أوراقها العسكرية والسياسية استعداداً لاحتمالات التصعيد المقبل.
تراجع القدرة على بناء التحالفات
وفي سياق حديثه عن الملاحة الدولية، أشار المغلس إلى أن الولايات المتحدة تواجه صعوبة في تشكيل تحالف دولي متماسك لحماية الممرات البحرية، بخلاف ما كان عليه الحال في حربي العراق عامي 1990 و2003.

وعزا ذلك إلى إدراك قوى دولية كبرى، مثل روسيا والصين، أن الحرب الحالية تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية بالدرجة الأولى، دون تحقيق مكاسب لبقية الأطراف الدولية.
وأضاف أن الصين تنظر إلى الصراع من زاوية استراتيجية مختلفة، تقوم على استنزاف الولايات المتحدة وإشغالها في الشرق الأوسط، بما يقلل من تركيزها على ملفات شرق آسيا وتايوان وبحر الصين الجنوبي.
ورقة الجغرافيا ومحور المقاومة
وأوضح المغلس أن إيران أدارت المواجهة بالاستناد إلى عاملين رئيسيين؛ الأول توظيف موقعها الجغرافي عبر التلويح بمضيق هرمز كورقة ضغط مؤثرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، والثاني تفعيل دور حلفائها ضمن ما يُعرف بـ “وحدة الساحات”، خصوصاً في جنوب لبنان.
واعتبر أن هذين العاملين أسهما في توسيع نطاق المواجهة وتحويلها من صراع عسكري مباشر إلى حالة ضغط إقليمي متعددة الجبهات، أربكت الحسابات الأمريكية والإسرائيلية.
تحذيرات مرتبطة باليمن
وحذّر المغلس من تنامي التحركات الإسرائيلية في منطقة القرن الإفريقي، وخاصة في إقليم “أرض الصومال”، داعياً صنعاء إلى متابعة هذه التحركات وتقييمها بشكل مستمر.
واعتبر أن تلك التحركات تأتي في إطار محاولات تطويق الدور اليمني وإنشاء موطئ قدم استخباري وعسكري بالقرب من مضيق باب المندب، في ظل تصاعد الدور اليمني في البحر الأحمر لإسناد غزة في معركة طوفان الأقصى، عبر استهداف سفن مرتبطة بإسرائيل وتنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف إسرائيلية.
وفي ختام المحاضرة، خلص المغلس إلى أن المنطقة تشهد صراعاً مفتوحاً بين مشروع يسعى إلى فرض هيمنة إقليمية بقيادة إسرائيل، وآخر يرفع شعارات السيادة والاستقلال ورفض التبعية، معتبراً أن هذا التناقض يجعل المواجهة طويلة الأمد وليست أزمة مؤقتة.
Comments are closed.