عبدالرحمن مراد: الزامل
يدور اليوم حديث شديد اللهجة عن ظاهرة “المزوملين” في الأعراس والمناسبات الاجتماعية، وهو حديث مشبع بعبارات السخط والتذمر من قبل غالب من يتناول الموضوع في شبكات التواصل الاجتماعي.
والزامل فن من الفنون الشعبية المتداولة ويسمى في مناطق “بالحال”، والأصل فيه أن يكون مقتضباً لبيان موقف أو لتحفيز جماعة على أخرى، وأبياته تعتمد التكثيف والقطع بما يتناسب مع الموقف والحال الذي عليه الجماعة، وفي الغالب لا يتجاوز أربعة أبيات في حال الإطناب، وإلا فهو بيتان لا أكثر، ويجوز أن يمتد لأكثر في فن الحال حين تكون المناسبة اجتماعية، وإيقاعاته متعددة وفق طبيعة كل منطقة وفنونها. وما هو متداول اليوم إطناب فرضته ظروف العدوان على اليمن، وخروجه من دائرة الموقف إلى دائرة المناسبات الاجتماعية تجاوز للقيود الفنية والموضوعية للزامل الذي هو فن موقف وحرب وليس فن مناسبات اجتماعية.
ابتكر المخيال الشعبي اليمني فنوناً عدة تتسق وطبيعة الأشياء، فللزراعة فنونها وتسمى في كثير من المناطق “بالمغارد”، وهي موزعة على دورة الزراعة منذ تقليب الأرض إلى البذر والحصاد. وعند البناء هناك “مهاجل” التي تعتمد الإيقاع السريع للتحفيز ونسيان التعب والصعاب. أما المناسبات الاجتماعية فلها فنونها وهي متعددة وكثيرة، لكن غالب تلك الفنون هو فن “البالة” الذي يُقال بشكل جماعي بين صفين متقابلين، ويعتمد الترفيه وبيان مكارم الأخلاق، ويسمى هذا الفن بفن “الرزفة” في مناطق أخرى، ويقابله فن الطارق في تهامة الشام.
وفن الطارق من الفنون المهملة، وهو فن يعتمد المفارقات الذهنية القائمة على الجناس التام والناقص، وفيه من الحماس والابتكار ما فيه من الفن والحماس، وما يزال هذا الفن قائماً في جيزان وامتدادها الجغرافي.
وهناك فن ملحمي في المناطق الشمالية وخاصة في وشحة وقارة وهو فن “الحمدالله”، وهو فن يقال في الأعراس خاصة بعد وليمة العرس، فيخرج الضيوف يصطفون ثم ينشدون ويرقصون ويمدحون القبيلة المضيفة ويسردون بطولاتها وصفاتها ومعاركها وانتصاراتها.
أما صعدة ففنونها نسيج لوحدها وغالبها يسمى بـ”السلا”، وأشهرها السلا الرازحي والسلا المثلوث، ورقصة البرع المشهورة تختلف في صعدة شكلاً ومضموناً وأداءً، فالبرع المعروف يحاكي الكر والفر في الحروب، وهو في صعدة يحاكي الصقر وحركته في الصيد وإيقاعاته تختلف.
وخلاصة القول: الزامل ليس فن المناسبات الاجتماعية بل فن الحرب وفن المواقف بين القبائل، وللمناسبات الأخرى فنون تتسق مع طبيعتها. وما يحدث اليوم خلط بين الفنون لجهل الناس بالتراث الشعبي وفنونه، فالمزاج الشعبي ينفر من الفنون التي تقال في غير حالها، ولذلك تنفر الأذن من قرع الطاسة في الصالات ومناسبات الأعراس.
Comments are closed.