«القنبلة النفسية» تنفجر داخل إسرائيل

لم تعد تداعيات الحرب في إسرائيل تُقاس بعدد القتلى والجرحى فقط؛ فثمة جبهة أخرى تتسع بصمت داخل المجتمع الإسرائيلي: الصحة النفسية. أرقام جديدة تكشف ارتفاعًا حادًا في اضطراب ما بعد الصدمة، فيما تتزايد حالات الانتحار بين الجنود، ويواجه النظام الصحي عجزًا عن احتواء موجة متصاعدة من الاضطرابات النفسية التي تفاقمت منذ هجمات 7 أكتوبر والحرب على غزة.
وحذرت صحيفة «ديلي تلغراف» من أن إسرائيل تواجه ما وصفته بـ«قنبلة موقوتة» من الأمراض النفسية الناجمة عن الحرب وما أعقب هجمات 7 أكتوبر، مستندة إلى بيانات جمعتها «كلاليت»، أكبر مزود للرعاية الصحية في إسرائيل.

اضطراب مابعد الصدمة

وتزامن نشر التقرير مع الكشف عن انتحار ثلاثة جنود إسرائيليين خلال شهر واحد، بينهم جندي وجنديتان، ليرتفع عدد الجنود الذين أقدموا على الانتحار منذ بداية العام إلى 17 جنديًا، وهو رقم يتجاوز أي معدل سنوي شهدته إسرائيل خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، بحسب التقرير.
لكن هذه الحالات، وفق «تلغراف»، ليست سوى الجزء الظاهر من أزمة نفسية أوسع تضرب المجتمع الإسرائيلي.
فبيانات «كلاليت» تشير إلى ارتفاع حالات اضطراب ما بعد الصدمة بنسبة 70% بين عامة الإسرائيليين منذ هجمات 7 أكتوبر والحرب التي تلتها. كما أصبح معدل تشخيص الاضطراب أعلى بنحو ثلاثة إلى أربعة أضعاف مستواه قبل جائحة كورونا، ولا تظهر المؤشرات حتى يونيو من هذا العام أي علامات واضحة على انحساره.
وتتطابق هذه الأرقام إلى حد كبير مع بيانات مقدمي خدمات صحية إسرائيليين آخرين، بما يشير إلى وجود نحو 60 ألف حالة من اضطراب ما بعد الصدمة مرتبطة بالحرب، وهي حالات لم تكن متوقعة لولا تداعيات الحرب.
واضطراب ما بعد الصدمة ليس مجرد حالة عابرة من الخوف أو القلق، بل اضطراب نفسي له معايير تشخيصية محددة، ويمكن أن يظهر في صورة ذكريات واقتحامات ذهنية مؤلمة، وقلق شديد، وخدر عاطفي طويل الأمد.
وقد تتحول أصوات أو روائح أو ألوان أو مذاقات عادية إلى محفزات تعيد الشخص إلى لحظة الصدمة، فتشل حياته اليومية.

الأسوأ لم يأت بعد

ويحذر البروفيسور أمير كريفي، مدير مركز «كلاليت-جيها» للصحة النفسية، من أن الأسوأ ربما لم يأت بعد.
ويقول كريفي إن المعدلات المرتفعة لاضطراب ما بعد الصدمة كان يفترض أن تبدأ بالتراجع تدريجيًا بعد انتهاء الحدث الصادم، مع مرور الوقت واستعادة القدرة على التكيف والتعافي، لكن استمرار الحرب يبقي المجتمع في حالة توتر متواصل.
ويضيف أن موجات التصعيد المتكررة، بما فيها الحرب مع إيران، تمنع حدوث ذلك التراجع الطبيعي، قائلًا إن «المستوى مرتفع وسيظل كذلك».
والأخطر أن اضطراب ما بعد الصدمة، وفق كريفي، قد يكون مجرد مؤشر على أزمة أوسع بكثير.
ويقول إن الأطباء يستخدمون بيانات اضطراب ما بعد الصدمة لكونها متاحة وقابلة للقياس، لكن «مستوى مشكلة الصحة النفسية أوسع بكثير».
وتشير تقديراته إلى أن عدد الإسرائيليين الذين يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية قد يكون ضعف أو ثلاثة أضعاف عدد الحالات التي تظهرها بيانات اضطراب ما بعد الصدمة وحدها.
ولا تقتصر الأزمة على اضطراب ما بعد الصدمة، إذ يُرجح أن تمتد إلى الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل وحتى الذهان، بما يعكس تداعيات نفسية تتجاوز بكثير الحالات التي يمكن رصدها رسميًا.

إجهاد نفسي

أما داخل الجيش، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا؛ إذ لا تشمل بيانات «كلاليت» العسكريين العاملين، لأن الجيش يتولى علاجهم داخل منظومته الصحية، كما أن البيانات المتعلقة بحالاتهم تخضع لقيود.
لكن دراسة نشرها العام الماضي المركز الوطني للإجهاد النفسي الناتج عن الصدمات والقدرة على التكيف في جامعة تل أبيب، وتابعت أفرادًا خدموا في أدوار قتالية على مدى ست سنوات، وجدت أن نحو 12% ممن شهدوا القتال أبلغوا عن أعراض حادة لاضطراب ما بعد الصدمة جعلتهم غير لائقين للخدمة.
وبذلك، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة تجري في غزة أو على جبهات القتال، بل أزمة تمتد آثارها إلى الداخل الإسرائيلي، وتترك وراءها مجتمعًا يتعامل مع صدمات متراكمة لا يبدو أنه يملك الوقت الكافي للتعافي منها قبل أن تبدأ صدمة جديدة.
وفي محاولة لسد الفجوة بين حجم الأزمة والقدرات المتاحة، لجأت «كلاليت» إلى الاستعانة بطلاب علم النفس وغيرهم ممن يمتلكون تدريبًا أساسيًا في المجال، لإدارة خطوط المساعدة النفسية، وفرز الحالات، وتقديم الاستشارات والعلاج الأولي.
ويعترف كريفي بأن النظام الصحي الإسرائيلي لا يمتلك العدد الكافي من الأطباء النفسيين وعلماء النفس المؤهلين لمواجهة حجم الطلب المتزايد.

اخفاق

ويقول إن تدريب المتخصصين يستغرق ما بين 10 و12 عامًا، ولذلك اضطرت المنظومة إلى البحث عن حلول بديلة، من خلال تدريب الأخصائيين الاجتماعيين ومعالجي الفن وغيرهم من العاملين في المهن ذات الصلة على أدوات علاج اضطراب ما بعد الصدمة.
وبحسبه، جرى تدريب أكثر من ألف شخص خلال العامين الماضيين بهذه الطريقة.
لكن خلف هذه الأرقام تبقى الحقيقة الأكثر قسوة: كلما طال أمد الحرب، طال معها زمن الصدمة، واتسعت دائرة من يحتاجون إلى العلاج. وفي مجتمع يعيش على وقع جولات متلاحقة من الحرب والتوتر، لا يبدو أن «القنبلة الموقوتة» التي تتحدث عنها «تلغراف» قد بدأت بالعد التنازلي فحسب، بل إن المؤشرات المنشورة تشير إلى أنها تواصل تضخمها داخل المجتمع الإسرائيلي.

Comments are closed.

اهم الاخبار