ناصر قنديل: موسكو تتموضع بين اليمن والخليج… وتبادر نووياً مع إيران؟

تفتح حركة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بين المنامة وطهران باباً لقراءة موقع موسكو في البحث عن مخارج لحروب المنطقة. ففي الملف اليمني، تظهر لهجة تتقدم فيها الدعوة إلى التسوية على لهجة روسية سابقة تغلب عليها إدانة صنعاء، بينما يبرز في الملف الإيراني احتمال معالجة نووية محددة تساعد على فتح الطريق أمام تفاهم أوسع. والخيط الذي يجمع المسارين هو محاولة تحويل موازين القوة القائمة إلى ترتيبات سياسية، وتوفير صيغ يستطيع الأطراف تقديمها لجمهورهم باعتبارها إنجازاً، بعدما تعثرت رهانات الحسم العسكري وارتفعت كلفة استمرار المواجهة.

في اليمن، تبدو المقارنة بين كلام لافروف في الثامن من أيلول وكلامه في المنامة في الثامن عشر من تشرين الأول ذات دلالة. ففي موسكو، وخلال مؤتمر صحافي مع وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، وصف هجمات الحوثيين على السعودية بأنها غير مقبولة، وربطها بالإضرار بالاقتصاد العالمي. كانت الرسالة تضع صنعاء في موقع الطرف المطالب بتغيير سلوكه، وتمنح الرياض دعماً سياسياً واضحاً، ولو اقترن بالدعوة إلى الحل الدبلوماسي وتنفيذ خريطة الطريق.

أما في المنامة، فقد تصدرت معالجة الأزمة اليمنية سياسياً كلام الوزير الروسي، وعادت خريطة طريق عام 2023 لتكون المرجعية العملية المقترحة. واحتفظ لافروف بالإشادة بالدور السعودي في إعدادها، لكن وظيفة هذه الإشادة تبدلت، السعودية التي يشيد بها هي صاحبة المبادرة التفاوضية، والمكانة التي يعرض تثبيتها لها تتصل بقدرتها على إنجاز التسوية. وبذلك تستطيع موسكو مخاطبة الرياض من موقع الصداقة، وتشجيعها على العودة إلى المسار الذي يوقف الحرب ويفتح باب معالجة أسبابها.

هذا التموضع يكتسب معناه من انسداد أفق الحسم. فكلما اتسعت المسافة بين الأهداف المعلنة للحرب والقدرة على تحقيقها، ازدادت قيمة الوسيط الذي يستطيع مخاطبة الأطراف والحفاظ على علاقة معها. وموسكو تحتاج إلى هذه المسافة كي يكون تحركها منتجاً. فالضغط على صنعاء وحدها يعيد إنتاج المأزق، بينما يتيح الرجوع إلى خريطة الطريق البحث في التزامات متبادلة تتناول الأمن والمنافذ والاقتصاد والترتيبات السياسية. وهنا يصبح الحفاظ على العلاقة مع الخليج مدخلاً لتشجيع التسوية، وتصبح العلاقة مع إيران عنصراً مساعداً على توفير بيئتها الإقليمية.

في الملف الإيراني، تطرح الجولة الروسية سؤالاً مكملاً، هل تستطيع موسكو ابتكار معالجة نووية جزئية تتيح للرئيس الأميركي دونالد ترامب النزول عن الشجرة، وتحافظ لطهران على ثوابتها؟ المعطى المنشور هو استمرار تداول المقترح الروسي المتعلق بنقل اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى روسيا. وقد أفادت تقارير إعلامية بأن المقترح لا يزال قيد الدراسة الإيرانية، وأن القرار بشأنه يرتبط بالشروط والضمانات المقابلة. بذلك توجد مادة تفاوضية فعلية يمكن البناء عليها، وتتصل بمصير المخزون وكيفية التعامل معه.

الصيغة المحتملة هنا تقوم على تفاهم روسي إيراني لمعالجة المخزون العالي التخصيب، سواء بخفض نسبته أو نقله وفق ترتيبات متفق عليها، وتفاهم روسي أميركي يمنح واشنطن ضمانات بشأن التنفيذ. هذه فرضية سياسية تفسر وظيفة المبادرة المتداولة. فهي تمنح ترامب عنواناً يستطيع تقديمه باعتباره إبعاداً لخطر نووي بضمانة روسية وليس بتعهد ايراني، وتتيح لإيران التفاوض على إجراء محدد مقابل مكاسب واضحة، مع الاحتفاظ بالمعرفة والمنشآت وأصل البرنامج والحق الذي تتمسك به في استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.

تزداد وجاهة هذه القراءة عند تأمل مفردات لافروف في طهران. فقد جمع استعادة حرية الملاحة في الخليج وهرمز بضمان عدم تكرار الهجوم على إيران، وتحدث عن حلول مقبولة للطرفين. وهذه صياغة تضع الأمن الإيراني داخل شروط التسوية، وتقر بأن معالجة مخاوف الآخرين تستدعي معالجة مخاوف طهران أيضاً. وفي المنامة أعاد تثبيت مذكرة إسلام آباد باعتبارها تتضمن ما يلزم لإعادة الأزمة إلى المسار التفاوضي. المرجعية موجودة إذاً، والبحث الروسي يمكن أن يتجه إلى توفير آليات تساعد الأطراف على تنفيذها.

توحي هذه اللغة بتقدير روسي لامتلاك إيران أوراق قوة تفاوضية معتبرة. فالطرف الذي يحتاج الآخرون إلى ضمان أمنه كي يحصلوا على أمن الملاحة، يفاوض من موقع القدرة على التأثير في النتيجة. ومن هنا تستطيع معالجة فنية للمخزون النووي أن تؤدي وظيفة سياسية أكبر من حجمها، عبر توفير عنوان أميركي للعودة إلى التفاهم، وترجمة المقابل الإيراني إلى خطوات اقتصادية وأمنية قابلة للتحقق. وتبقى قيمة الضمانة الروسية مرتبطة بقدرتها على حماية التبادل بين الالتزامات، ومنع حصول طرف على ما يريد ثم تعطيل استحقاقات الطرف الآخر.

بين اليمن وإيران، تبدو موسكو كأنها تختبر إمكان تحويل تعثر الحرب إلى فرصة للدبلوماسية. تعرض على الخليج استعادة أمنه عبر التسويات، وعلى إيران شراكة تساعدها على تثبيت مكاسب الصمود، وعلى واشنطن مخرجاً يمكن تسويقه داخلياً. نجاح هذا المسار يتوقف على قبول النتائج التي أفرزتها المواجهة. وعندها قد تصبح العودة إلى خريطة طريق اليمن، وإضافة معالجة نووية إلى التفاهم الأميركي الإيراني، وجهين لمحاولة واحدة، إعطاء السياسة أدوات لإنهاء حرب استهلكت رهاناتها، وإعطاء الأطراف صيغاً تحفظ مكانتها وهي تقبل بالتسوية.

Comments are closed.

اهم الاخبار