انطلقت الشرارة من باريس.. أوروبا تنتفض
الوحدة| وكالات:
تواجه أوروبا موجة من الاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية التي تعكس اتساع الفجوة بين الحكومات وقطاعات من المواطنين، خصوصا الشباب، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة وصعوبة الحصول على فرص العمل.
وتتصدر فرنسا المشهد، فيما تشهد إسبانيا وإيطاليا والبرتغال وبلجيكا وألبانيا تحركات احتجاجية تتباين في أسبابها، لكنها تلتقي عند تنامي الشعور بالتهميش وانسداد الآفاق.
ومنذ منتصف سبتمبر الماضي، انتقلت الاحتجاجات الفرنسية من مطالب مرتبطة بالتعليم إلى موجة أوسع من الغضب الاجتماعي، أعادت إلى الأذهان حركة «السترات الصفراء» التي هزت البلاد عام 2018، وفتحت الباب أمام تساؤلات بشأن قدرة الحكومات الأوروبية على احتواء الأزمات المعيشية المتراكمة.
من المدارس إلى الشوارع
انطلقت الشرارة الفرنسية من احتجاجات طلابية وتحركات مرتبطة بأوضاع المدارس ونقص الكوادر التعليمية وتراجع التمويل، قبل أن تتسع المطالب لتشمل ارتفاع الأسعار والوقود والأجور والمعاشات وتدهور الخدمات العامة.
ومع اتساع رقعة التحركات، انضمت نقابات عمالية ومجموعات شبابية وناشطون، إلى جانب عناصر من حركة السترات الصفراء، لتتحول الاحتجاجات إلى تعبير عن استياء يتجاوز قطاعا بعينه.
وشهدت البلاد مظاهرات واسعة تخللت بعضها مواجهات مع الشرطة وحرائق وعمليات تخريب ونهب. وتكشف هذه التطورات عن أزمة تتجاوز المطالب المباشرة؛ إذ يشعر قطاع من الشباب بأن التعليم لم يعد يضمن مستقبلا مستقرا، وأن ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة يلتهم الدخول، بينما تبدو الاستجابة السياسية أبطأ من تفاقم المشكلات.
اعتقالات وحظر تجول
بلغ التصعيد ذروته خلال احتجاجات السبت 17 أكتوبر، عندما خرج مئات الآلاف في مختلف أنحاء فرنسا. وقدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 550 ألفا، مقابل 800 ألف بحسب المنظمين، فيما شهدت باريس وليون ومرسيليا ومدن أخرى مواجهات وعمليات نهب وإحراق لممتلكات عامة وخاصة.
وأعلنت السلطات اعتقال نحو 2400 شخص، وفرضت قيودا على التجمعات وحظر تجول ليليا في مناطق محددة.
كما أثارت الأضرار التي طالت منشآت تجارية ومباني عامة انتقادات واسعة، في وقت أقرت فيه السلطات بوجود إخفاقات في الاستعداد الأمني والتعامل مع الاضطرابات.
واعترف الرئيس إيمانويل ماكرون بحدوث إخفاقات في التوقعات والمعلومات الاستخباراتية، لكنه رفض استقالة وزير الداخلية لوران نونييز، مطالبا بمحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف واستعادة النظام.
وفي المقابل، دعت مجموعات طلابية إلى احتجاجات جديدة الخميس والسبت، ما يثير المخاوف من تجدد المواجهات واتساع الأزمة.
السكن يشعل الغضب
في إسبانيا، تصاعدت الاحتجاجات على أزمة السكن بعد إخلاء امرأة مسنة من منزلها في مدريد إثر زيادة كبيرة في الإيجار. وأثارت القضية غضبا شعبيا، خصوصا بين الشباب الذين يواجهون ارتفاع الإيجارات وصعوبة الحصول على مساكن مستقلة، لتتحول إلى رمز لأزمة أوسع تتعلق بحق السكن والقدرة على تحمل تكاليفه.
وفي البرتغال، تركزت التحركات على ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات وتراجع القدرة الشرائية، بينما شهدت إيطاليا مواجهات خلال احتجاجات مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية وتكاليف الطاقة والخدمات.
أما بلجيكا، فبرزت فيها مطالب طلابية وعمالية بشأن التعليم والأجور وظروف المعيشة.
وفي ألبانيا، تتخذ الاحتجاجات طابعا سياسيا أكثر وضوحا، مع تصاعد المطالب بمكافحة الفساد ومواجهة البطالة وتحسين التعليم، وسط ضغوط على الحكومة واستمرار الاعتراضات على سياساتها.
أزمة ثقة
تكشف هذه التحركات، على اختلاف دوافعها، عن أزمة ثقة متنامية بين قطاعات من المواطنين ومؤسسات الحكم. فالمشكلة لا تتعلق بالأسعار وحدها، بل تمتد إلى الشعور بتراجع فرص الصعود الاجتماعي، وتآكل القدرة على توفير السكن والتعليم الجيد، واتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة.
ورغم تزامن الاحتجاجات في عدة دول، فإنها لا تزال تحركات منفصلة، تختلف في مطالبها وقياداتها، ولا تجمعها حتى الآن قيادة أوروبية موحدة.
لكن تزامنها يسلط الضوء على ضغوط اجتماعية مشتركة تواجه القارة، ويضع الحكومات أمام ضرورة تقديم حلول تتجاوز الإجراءات الأمنية والوعود المؤقتة.
ويبقى السؤال: هل تنجح الحكومات الأوروبية في احتواء الغضب بإصلاحات اقتصادية واجتماعية حقيقية، أم أن تجاهل المطالب سيمنح الاحتجاجات مزيدا من الزخم، ويدفعها من أزمة معيشية إلى مواجهة سياسية أوسع تهدد استقرار القارة
Comments are closed.