في ذكراها الـ 63.. ثورة 14 أكتوبر تتجدد لمواجهة المستعمر الجديد
الوحدة:
في الرابع عشر من أكتوبر عام 1963، أطلق اليمنيون شرارة ثورة شعبية مسلحة ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، واضعين حدا لحقبة استعمارية امتدت لأكثر من 129 عاما، قدموا خلالها آلاف الشهداء والتضحيات في سبيل الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية، حتى تُوّج نضالهم برحيل آخر جندي بريطاني في الثلاثين من نوفمبر عام 1967.
واليوم وبعد 63 عاما، تحل الذكرى لتستحضر معها روح الثورة ومبادئها، في ظل ما يشهده اليمن من أطماع وتدخلات خارجية تسعى إلى فرض الهيمنة على قراره الوطني، والتحكم في مقدراته وموقعه الاستراتيجي، وإذا كان اليمنيون قد خاضوا ثورتهم بالأمس في مواجهة الاستعمار البريطاني، فإن معركة التحرر اليوم تتخذ أشكالا ووسائل مختلفة، في مواجهة المستعمر الجديد المتمثل بالتحالف السعودي، وأطماعه في اليمن وثرواته وموانئه وجزره وممراته البحرية. وتحكمه بالقرار عبر مرتزقته.

حكاية الثورة
تعود جذور ثورة 14 أكتوبر إلى عام 1839، حين احتلت بريطانيا مدينة عدن، مستغلة موقعها الاستراتيجي المطل على خليج عدن، والقريب من مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويشكل أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، وجاء احتلال عدن في إطار مساعي الامبراطورية البريطانية لتأمين خطوط الملاحة البحرية إلى مستعمراتها في الهند، وتعزيز نفوذها العسكري والتجاري في المنطقة، خصوصا مع تزايد أهمية الموانئ البحرية في حماية المصالح الاستعمارية وتوسيع السيطرة على طرق التجارة الدولية.
لم تكن أهمية عدن الجغرافية وحدها وراء الأطماع البريطانية، بل أسهم ميناؤها الطبيعي في تحويلها إلى محطة للسفن التجارية والعسكرية وقاعدة لإمداد الأسطول البريطاني، ومنها عززت بريطانيا نفوذها في جنوب الجزيرة العربية والمحيط الهندي، ووسّعت سيطرتها إلى المناطق المجاورة عبر اتفاقيات الحماية مع السلطنات والإمارات المحلية، مستفيدة من الانقسامات السياسية والاجتماعية.
وعلى مدى أكثر من 129 عاما، واجه اليمنيون أشكالا متعددة من السيطرة البريطانية، وتنامت بينهم مشاعر الرفض للاحتلال وسياساته، في ظل تمسكهم بحقهم في الحرية والاستقلال.
ومع تصاعد حركات التحرر الوطني في المنطقة العربية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بدأت المقاومة اليمنية تدخل مرحلة جديدة من التنظيم والعمل السياسي والفدائي، متأثرة بالتغيرات الإقليمية، وفي مقدمتها ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، التي عززت آمال الشعوب العربية في التحرر من الاستعمار، وأسهمت في إلهام القوى الوطنية اليمنية لمواجهة الوجود البريطاني.
وفي ظل هذه التحولات، برزت التنظيمات الوطنية المناهضة للاحتلال، وفي مقدمتها الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل، اللتان اضطلعتا بأدوار بارزة في تنظيم المقاومة وتوسيع نطاق العمل الثوري.

ومع استمرار السيطرة البريطانية وتصاعد المواجهات السياسية والشعبية، جاءت الشرارة من جبال ردفان في 14 أكتوبر 1963، بقيادة المناضل راجح بن غالب لبوزة، لتعلن انطلاق الكفاح المسلح ضد الاحتلال، وتفتح مرحلة جديدة من المواجهة امتدت إلى عدن ومختلف مناطق الجنوب، وصولًا إلى استقلال جنوب اليمن في 30 نوفمبر 1967، ورحيل آخر جندي بريطاني بعد عقود من السيطرة الاستعمارية.
الاستعمار الجديد
لا يقتصر مفهوم الاستعمار الحديث على الوجود العسكري المباشر، بل يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً تتمثل في التحكم بالقرار السياسي، والسيطرة على الموارد الاقتصادية والمواقع الاستراتيجية عبر قوى محلية تخدم مصالح خارجية.
وفي المحافظات الجنوبية والشرقية لليمن، تفرض السعودية وتحالفها – بدعم غربي وإسرائيلي – نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً، امتد للسيطرة على الموانئ، والجزر الحيوية كسقطرى، والمناطق الغنية بالنفط والغاز. وتتجسد المفارقة الكبرى في معاناة أبناء هذه المحافظات من تردٍ حاد في الأوضاع المعيشية والخدمية (كالكهرباء والمياه والصحة) وغياب انعكاس الثروات الوطنية على حياتهم، وسط تفاقم الفقر والبطالة وصراع إقليمي ودولي على النفوذ والثروة.

باراس: نضالات اليمنيين تتجدد اليوم لمواجهة الهيمنة والعدو السعودي
وفي هذا السياق، يؤكد محافظ حضرموت، لقمان باراس، إن اليمن يخوض اليوم معركة مصيرية ضد العدو السعودي الذي ما يزال يحلم بعودة عجلة التاريخ إلى الوراء عبر فرض الوصاية والتبعية، مبيناً أن الشعب اليمني الأبي لن يقبل بالهيمنة أو المساس بسيادة وطنه، وعقد العزم على خوض معركة الحرية حتى طرد آخر محتل من كل شبر في أرض اليمن.
ويرى أن ظهور تشكيلات وجيوش موازية تتلقى تمويلها وأوامرها من الخارج، وما يرافق ذلك من نهب للثروات وانتهاكات، يجعل مسيرة الثورة بحاجة ماسة إلى استكمال مسارها عبر استعادة الاستقلال الفعلي وحماية مقدرات البلاد.
معركة الاستقلال
وفي قراءة سياسية لدلالات ثورة 14 أكتوبر، يؤكد الدكتور قاسم محمد لبوزة، نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام، أن الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة تمثل محطة وطنية وتاريخية لاستحضار تضحيات الشعب اليمني في مواجهة الاستعمار، وتجديد التمسك بمبادئ الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية، وتعزيز وحدة الصف في مواجهة التحديات الراهنة.
وقال المناضل لبوزة، في تصريح صحافي بهذه المناسبة، إن ثورة 14 أكتوبر لم تكن حدثاً عابراً في تاريخ اليمن، بل محطة مفصلية جسّدت إرادة الشعب في التحرر من الاستعمار وانتزاع حقه في الحرية والاستقلال، وقدّمت في سبيل ذلك قوافل من الشهداء والمناضلين الذين سطّروا ملاحم خالدة في تاريخ الوطن.
وأضاف: أن ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر تمثلان محطتين متكاملتين في مسيرة التحرر الوطني، وتعبيرين عن تطلع اليمنيين إلى الحرية والكرامة وبناء دولة تقوم على إرادة أبنائها، بعيداً عن الاستبداد والهيمنة والتبعية، مؤكداً أن الوفاء لتضحيات الثوار يقتضي التمسك بأهداف الثورتين ومبادئهما الوطنية، وصون مكتسباتهما، وترسيخ قيم المواطنة والشراكة الوطنية.
وأشار إلى أن الدرس الأبرز الذي تقدمه ثورة 14 أكتوبر للأجيال هو أن الإرادة الوطنية ووحدة الصف قادرتان على مواجهة التحديات مهما بلغت، وأن حماية سيادة اليمن واستقلال قراره الوطني مسؤولية مشتركة تتجاوز الحسابات الحزبية والمناطقية، ولا يمكن تحقيقها إلا بتكاتف اليمنيين وتغليب مصالحهم الوطنية العليا.

لبوزة: وحدة الصف وصون السيادة جوهر الوفاء لثورة 14 أكتوبر
وأكد لبوزة أن ما يمر به اليمن من أزمات وتحديات يفرض على مختلف القوى والمكونات الوطنية مراجعة مواقفها، وتجاوز الخلافات، وتعزيز التلاحم الداخلي، بما يحفظ لليمن أمنه واستقراره ووحدته وسيادته، ويرفض أشكال الوصاية والتدخلات والإملاءات الخارجية، مشدداً على أن القرار الوطني يجب أن يظل نابعاً من إرادة اليمنيين ومعبّراً عن مصالحهم وتطلعاتهم.
تساؤلات حاضرة
من جهته، يرى الكاتب والباحث السياسي عبد الرحمن مراد، أن ثورة 14 اكتوبر أعادت طرح سؤال الاستقلال والسيادة الوطنية، معتبرا أن عودة القوى الأجنبية إلى المحافظات الجنوبية والشرقية، أعادت قضية التحرر إلى واجهة المشهد اليمني.
وأوضح مراد في مقال له أن القوى الأجنبية ظلت، خلال سنوات الحرب، تعمل تحت غطاء التحالف السعودي، قبل أن يظهر حضورها بصورة أكثر وضوحا في عدد من المناطق والمواقع الاستراتيجية، مشيرا إلى المهرة وحضرموت وعدن والجزر اليمنية، ومعتبرا أن هذا الحضور يثير تساؤلات جوهرية بشأن حقيقة الاستقلال ومدى امتلاك اليمنيين قرارهم الوطني.
وأشار مراد إلى أن ما شهدته المحافظات الجنوبية، كشف عن مفارقة بين الآمال التي رافقت الحديث عن التحرير والاستقلال، وبين واقع استمرار النفوذ الخارجي وتعدد القوى المتدخلة، وربط ذلك بأهمية الوعي بطبيعة الصراعات ومشروعات النفوذ، محذرا من أن يؤدي تضليل الرأي العام إلى الخلط بين الشعارات المعلنة والنتائج الفعلية على الأرض.
وأكد أن ثورة أكتوبر لا تمثل مجرد مناسبة لاستذكار أحداث الماضي، بل تفتح المجال لإعادة النظر في مفاهيم الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتضع أمام اليمنيين أسئلة تتعلق بامتلاك القرار الوطني، والتمييز بين الاستقلال الحقيقي والأوضاع التي تستمر فيها التبعية السياسية والعسكرية والاقتصادية.

مراد: ثورة أكتوبر تجدد سؤال الاستقلال والسيادة في ظل النفوذ الخارجي
وشدد مراد على أهمية المسؤولية التاريخية للقوى المناهضة للنفوذ الأجنبي، معتبرا أن التحولات التي شهدها اليمن تفرض عليها إدراك مسؤولياتها الوطنية والحضارية، فيما رأى أن ثورة 14 أكتوبر ستظل مصدر إلهام لحركات التحرر الرافضة للهيمنة الخارجية، ومرجعا تاريخيا يستحضر من خلاله اليمنيون تجربتهم في مقاومة الاستعمار البريطاني ونيل الاستقلال.
محطة خالدة
ولا تتوقف دلالات ثورة 14 أكتوبر عند استعادة الاستقلال من الاستعمار البريطاني، بل تمتد إلى جوهر الاستقلال ذاته، المتمثل في امتلاك القرار الوطني والتحكم في مقدرات البلاد، ويربط محافظ حضرموت لقمان باراس، بين أهداف الثورة والواقع الذي تشهده المحافظات الجنوبية والشرقية، معتبراً أن استمرار النفوذ الخارجي يطرح تساؤلات حول مدى تحقق السيادة التي ناضل اليمنيون من أجلها.
وقال باراس، “أن ثورة 14 أكتوبر 1963م محطة نضالية خالدة، انطلقت من جبال ردفان الشامخة لدحر الاستعمار البريطاني الذي جثم على أرض اليمن لأكثر من 129 عامًا”.
موضحاً في تصريح لوكالة “سبأ” بمناسبة العيد الـ 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة، أن الثورة تُوّجت بالكفاح المسلح ضد المحتل البريطاني وإعلان الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م.
وحيا التضحيات الجسيمة التي سطّرها أحرار اليمن من مختلف مناطق الوطن، شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، في ملحمة بطولية واحدة لدحر الاحتلال البريطاني وتحقيق الحرية والاستقلال.
وأشار إلى أن نضالات أبناء الشعب اليمني تتجدد اليوم في معركة التحرر والاستقلال ذاتها، لكن في مواجهة أشكال جديدة من الهيمنة والاحتلال، تتمثل في التدخلات والأطماع السعودية في المحافظات الجنوبية والشرقية، مشددًا على أن هذا الاحتلال سيُدحر لا محالة، كما دُحر الاستعمار البريطاني.

وجدد محافظ حضرموت باراس ، الدعوة لكافة عقلاء أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية، وأبناء حضرموت بوجه خاص، إلى التلاحم والاصطفاف الوطني الواسع في مواجهة الاحتلال السعودي وأدواته، الذي أمعن في سفك دماء الشعب اليمني، وحرمانه من حقوقه، ونهب ثرواته وخيراته الوطنية، وعدم الزج بأبنائهم في معركة خاسرة خدمة للعدو السعودي.
أكتوبر وموقف السيادة
في استحضار الأبعاد السياسية والوطنية لثورة 14 أكتوبر، تؤكد القيادة السياسية في صنعاء أن الاستقلال لا يقتصر على إنهاء الوجود الاستعماري، بل يشمل رفض التبعية والوصاية الخارجية، وصون وحدة اليمن وسيادة قراره الوطني.
ومن هذا المنطلق، تتجاوز ذكرى الثورة حدود الاحتفاء بالماضي إلى تجديد الالتزام بمبادئ الحرية والاستقلال، وترجمة تضحيات الثوار إلى مواقف وممارسات تحمي المكتسبات الوطنية وتواجه التدخلات الأجنبية.
ويؤكد هذا الخطاب أن الوفاء لثورة أكتوبر لا يتحقق بالمظاهر الاحتفالية وحدها، بل باستلهام تجربتها في تعزيز وحدة الصف اليمني، وترسيخ قيم الإخاء والتعاون، وتغليب المصالح الوطنية العليا.
كما يمثل التمسك بسيادة اليمن واستقلال قراره ووحدة أراضيه، وفق هذه الرؤية، امتداداً لأهداف الثورة، ومسؤولية وطنية تتطلب تضافر جهود اليمنيين لمواجهة التحديات وصون إرادتهم الحرة.
Comments are closed.