21سبتمبر .. الثورة التي أعادت الحياة للأرض وحررت لقمة العيش

الوحدة:

عاش القطاع الزراعي في اليمن مرحلة حرجة قبل ثورة 21 سبتمبر، جراء تراكم سنوات من الإهمال المؤسسي، والاعتماد المفرط على الاستيراد، وتهالك البنية التحتية، وهو ما تسبب في تراجع حاد لإنتاج المحاصيل الأساسية كالحبوب والخضروات، هذه العوامل مجتمعة قوضت مستويات الاكتفاء الذاتي وضاعفت فاتورة الاستيراد، مما جعل الأمن الغذائي القومي هشا ورهنا للخارج..

وعقب ثورة 21 سبتمبر، دشنت الحكومات المتعاقبة استراتيجية شاملة لإعادة بناء هذا القطاع الحيوي وتنمية الإنتاج المحلي، لا سيما من محاصيل الحبوب وفي مقدمتها القمح؛ إذ ياتي التوسع في زراعة القمح ترجمة لتوجهات القيادة الثورية والسياسية الرامية إلى تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي والتحرر من التبعية الاقتصادية للخارج، وتقليص فجوة الاستيراد الكبيرة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن اليمن يستهلك سنوياً أكثر من ٣ ملايين طن من القمح، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى أقل من ٣٠% فقط من هذه الاحتياجات.

توسع في المساحات الخضراء

وتكشف الأرقام والمؤشرات الزراعية عن التوسع الكبير في زراعة القمح خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث المساحات المزروعة أو حجم الإنتاج، مع بروز محافظة الجوف كإحدى أهم مناطق إنتاج هذا المحصول الاستراتيجي في بلادنا.

هذا التأكيد جاء على لسان وكيل وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، الدكتور إبراهيم السراجي، في تصريح سابق لوكالة سبأ اوضح فيه أن إنتاج الحبوب في اليمن ارتفع بنسبة 21 بالمائة، فيما ارتفع إنتاج البقوليات بنسبة 31 بالمائة خلال الفترة من 2015 إلى 2025م، معتبرا ذلك مؤشرا على تحسن كفاءة الإنتاج رغم التحديات.

ويشير السراجي إلى أن زراعة القمح شهدت توسعًا ملحوظًا، خاصة في محافظة الجوف، التي تحولت إلى مركز رئيس لإنتاج القمح، حيث بلغت المساحة المزروعة خلال الموسم الماضي نحو 18 ألف هكتار، مع تنامي الإنتاج ودعم برامج التوسع الأفقي والرأسي، بما يعزز التوجه نحو تقليص فجوة الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي.

إنتاج الحبوب يرتفع بنسبة 21% والبقوليات بـ 31% خلال عقد من الصمود

وتؤكد بيانات المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب حجم هذا التوسع،  إذ تقول المؤسسة ان المساحة المزروعة بالقمح في الجوف ارتفعت من نحو 6 آلاف و500 هكتار عام 2023، إلى قرابة 18 ألف هكتار في عام 2026، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المساحة السابقة، في مؤشر على اتساع رقعة زراعة المحصول في المحافظة.

الاكتفاء الذاتي وثورة 21

يؤكد الصحفي محمد صالح حاتم أنه لولا ثورة 21 سبتمبر لما أصبحت الزراعة الركيزة الأساسية للنهوض والتقدم، باعتبارها الثروة الحقيقية والمستدامة لليمن، والتي تفوق في أهميتها الثروات النفطية.

ويضيف حاتمفي في منشور له: “إن الثورة هي من أعادت لمحافظة الجوف مكانتها الاستراتيجية في التنمية الاقتصادية، فبعد أن عانت لعقود من التهميش المتعمد والصورة النمطية المغلوطة التي صوّرتها كأرض صحراوية قاحلة غير صالحة للزراعة، جاءت الثورة لتجعل من الجوف محط أنظار الجميع، والركيزة الأساسية التي يُعقد عليها الأمل لتحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.”

ويتابع بالقول: “إن تحقيق الأمن الغذائي والوصول إلى الاكتفاء الذاتي يُمثل أحد أبرز أهداف ثورة 21 سبتمبر، ولهذا أولت القيادة الثورية والسياسية جل اهتمامها بهذا القطاع. وقد تجلى ذلك مبكراً في أدبيات ومحاضرات الشهيد القائد، الذي أكد في أكثر من ملزمة على محورية الزراعة لنيل الحرية والاستقلال، مشدداً على أن بناء أمة قوية وامتلاك قرارها السيادي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بامتلاك قوتها وتطوير قدراتها الزراعية.

البذور المحسنة

ولا يقتصر تنامي إنتاج القمح المحلي على زيادة المساحات المزروعة من عام إلى آخر، بل يرتبط أيضا بتحسين مدخلات الإنتاج، وفي مقدمتها البذور المحلية والمحسنة، التي يمثل الاستثمار فيها عاملا أساسيا لرفع إنتاجية القمح وتحسين جودة المحصول، من خلال توفير أصناف أكثر ملاءمة للظروف البيئية والمناخية المحلية، ورفع كفاءة الإنبات، وتقليل الفاقد.

وتبرز أهمية هذا التوجه في البرامج التي تنفذها الجهات الزراعية، ففي عام 2026 أعلنت الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي، ممثلة بالمحطة الإقليمية لبحوث المرتفعات الوسطى في ذمار، حصاد صنفي القمح المحسنين «بحوث 13» و«بكيل» ضمن برنامج صيانة وإكثار البذور المحلية والمحسنة. وحققت هذه الأصناف في مساحة تجريبية بلغت خمسة هكتارات متوسط إنتاجية تراوح بين 3.5 و4 أطنان للهكتار الواحد.

وأوضحت الهيئة أن البرنامج لا يتوقف عند إنتاج البذور، بل يبدأ بتقييم الأصناف في المزارع البحثية، ثم اختبارها لدى المزارعين، وصولًا إلى اختيار الأصناف الملائمة وتوزيعها، فيما جرى تقييم 24 صنفا واعدا من حيث الإنتاجية والقدرة على التكيف مع الظروف البيئية.

وتكشف هذه التجربة أن زيادة إنتاج القمح لا تعتمد على التوسع الأفقي وزيادة المساحات فقط، وإنما يمكن رفع الإنتاج أيضًا من خلال تحسين إنتاجية الهكتار، وهو أمر تزداد أهميته في ظل محدودية الموارد المائية والأراضي الزراعية. كما أن اختيار الأصناف وفق طبيعة كل منطقة يساعد على توفير بذور أكثر ملاءمة للبيئة الزراعية المحلية.

وحول مسألة توطين  إنتاج البذور وتقليل الاعتماد على مصادرها الخارجية تشير معلومات رسمية أن الجمعيات الزراعية نجحت في تغطية أكثر من 60 بالمائة من احتياجات المزارعين من البذور المحسنة محليًا، مع توفير أكثر من 120 طنًا من بذور الحبوب والبقوليات.

كما أنه لا يرتبط تحسين البذور بزيادة الإنتاج فقط، بل يبدأ من جودة التقاوي نفسها. ففي سبتمبر 2026 دشنت وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، بالتعاون مع الجهات الزراعية والمحلية، برنامجًا لغربلة البذور في عدة مناطق،  بهدف توفير بذور نقية ومحسنة، وانتقاء الأصناف ذات المواصفات الجيدة، وتحسين معدلات الإنبات والإنتاجية، وتقليل الفاقد.

كما أن  غربلة البذور تساعد على فصل الشوائب والبذور التالفة والمكسورة والأتربة، والوصول إلى بذور أكثر نقاءً وتجانسًا، بما ينعكس على الإنبات والإنتاج ويقلل الفاقد والوقت والجهد.

اهتمام خاص بالزراعة والمزارعين

ولتشجيع المزارعين على التوسع في زراعة القمح، اتجه الدعم الحكومي والخاص إلى توفير حزمة من التسهيلات والخدمات الزراعية التي تساعد على خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز قدرة المزارع على الاستمرار، بدءًا من توفير البذور المحسنة والمدخلات الزراعية، وصولًا إلى التمويل والإرشاد والمعدات.

وتشمل هذه الجهود توفير بذور القمح المحسنة والمعقمة ضمن برامج القروض الحسنة، إلى جانب المتابعة الميدانية والإرشاد الفني، فيما تعمل مؤسسة إكثار البذور المحسنة على توسيع الزراعة التعاقدية مع المزارعين والجمعيات، وتوفير مستلزمات الإنتاج، ومنها البذور والأسمدة والديزل، إضافة إلى القروض الحسنة.

كما يمتد الدعم أيضا إلى التدريب والإرشاد الزراعي وتنظيم التسويق، من خلال المدارس الحقلية وتدريب منسقي الجمعيات وإنشاء مراكز لتجميع وتسويق المنتجات. وتُوزع كذلك معدات زراعية، بينها الحصادات والغرابيل والبذارات المحلية، بهدف رفع كفاءة العمل، وتقليل الفاقد وخفض تكاليف الإنتاج.

دراسة

ورغم ما تحقق من توسع في زراعة القمح وزيادة الاهتمام بالإنتاج المحلي، فإن البيانات الرسمية تكشف أن الطريق نحو الاكتفاء الذاتي لا يزال طويلا.

في دراسة أعدتها لجنة الزراعة والأسماك بمجلس الشورى قدرت إنتاج اليمن الحالي من القمح بنحو 138 ألف طن سنويا من مساحة تقارب 62 ألف هكتار، في حين يتجاوز الاحتياج السنوي من الحبوب ثلاثة ملايين طن، بينما لا يتجاوز إجمالي إنتاج مختلف محاصيل الحبوب نحو 867 ألف طن سنويًا.

زراعة القمح في الجوف تقفز إلى 18 ألف هكتار في 2026

وتشير الدراسة إلى أن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من القمح يتطلب التوسع في المساحات الزراعية بنحو 82 ألف هكتار سنويا، إلى جانب رفع إنتاجية الأراضي من خلال تحسين المدخلات الزراعية، وتوفير البذور المحسنة والأسمدة، وتطوير تقنيات الري والميكنة الزراعية.

وتخلص الدراسة إلى أن أبرز التحديات تتمثل في شحة المياه، وضعف البنية التحتية، ونقص المعدات الزراعية الحديثة، إلى جانب النمو السكاني واستمرار محدودية المساحات الزراعية المخدومة. ولذلك، فإن ما تحقق في السنوات الأخيرة يمثل خطوة في مسار طويل، لكنه لا يعني الوصول إلى الاكتفاء الذاتي بعد، بل يؤكد الحاجة إلى مواصلة التوسع في زراعة القمح ورفع إنتاجية الهكتار، وصولًا إلى تقليص الفجوة الغذائية والاعتماد على الاستيراد.

Comments are closed.

اهم الاخبار