د. ربيع شاكر المهدي : في ذكرى رحيل دولة الرئيس الرهوي

هناك محطات في العمر لا تُنسى وأشخاص يمرّون بنا فيتركون في الذاكرة أثرًا لا يمحوه الزمن بل يزداد رسوخًا كلما مضت الأيام ومن بين هؤلاء الرجال رفيق دربي دولة رئيس الوزراء الأستاذ أحمد غالب الرهوي المرحوم بإذن الله شهيدا ومحفورًا في القلب والوجدان رفيق دربٍ لا يشبهه أحد حظيت بشرف العمل إلى جانبه عن قرب في رحلة امتدت لثلاثة عقودٍ من العطاء المشترك والنضال المتواصل في بناء الدولة اليمنية ورفقة حافلة بحلوها ومرها بعد أن جمعنا القدر واحد من أقصى شمال اليمن في جبال السراة من محافظة المحويت وآخر في جنوب الوطن من محافظة أبين مديرية خنفر منطقة باتيس حيث مزارع الموز الجميلة والمانجو والسمسم ورجالها الطيبين.

لقد كان الرهوي أكثر من زميل عمل أو رفيق سياسة بل كان مرآة الصدق وصوت الضمير وملاذ الحكمة في زمنٍ كثرت فيه المتناقضات والأوجه الملونة كنا معًا ليل نهار تجمعنا تفاصيل العمل والحياة ولم يكن يفرقنا إلا النوم حتى عشاءنا كنا نتناوله معًا كانت تلك الصحبة اليومية تصنع بيننا شيئًا أكبر من علاقة العمل شيئًا يشبه الأخوة التي لا تحتاج إلى كثير من الكلام.

على مدى ثلاثين عامًا كنا معًا نواجه التحديات التي لا تنتهي ونحمل على أكتافنا هموم الوطن وحلم بناء الدولة العادلة التي تكون مظلة للجميع أبنائها.

لم يخذلنا يومًا ولم يتردد لحظةً في أن يجعل المصلحة العليا فوق كل اعتبار.. كان رجلًا يرى أبعد من اللحظة يزرع الأمل في قلب الوطن المثقل بالهموم والأوجاع ويصنع من كل جرحٍ نافذةً نحو المستقبل.

ورغم مرارة رحيله المفاجئ باستشهاده يبقى حضوره في حياتنا أكبر من الغياب فالأرواح العظيمة لا تفنى بل تتحول إلى طاقة نورٍ تتوارثها الأجيال.

إن استشهاده لم يكن نهاية قصة بل بداية معنى أكبر أن القيادة الصادقة تُخلّد أصحابها وأن الشهداء يكتبون بدمائهم المستقبل القادم.

لقد علّمني رفيق دربي أحمد غالب الرهوي أن الوطن ليس مكانًا نعيش فيه فقط بل رسالةً نحيا لها.

برحيله أصبحت يتيما فاليُتم لا يعني فقط فقدان الأب أو الأم رحمهما الله بل أيضا هو يتم الروح وشعور داخلي عميق يولد عندما يرحل عنك مرآة روحك و رفيق دربك فتشعر أن العالم قد أصبح أوسع مما يحتمل قلبك وأن ظهرك أصبح مكشوفًا لرياح الحياة..

يتم الروح قبل أن يكون يتم الجسد لكنه أيضًا مدرسة للصبر يُعلّمك كيف تجعل من ذكراه قوةً تدفعك للاستمرار.

ثلاثة عقودٍ معه كانت كافية لتصنع بيننا أخوّةً لا يقطعها الموت ولتجعل من اسمه عنوانًا للوفاء والإخلاص رحل الجسد لكن الروح باقية والدرب ممتد والأثر خالد سيبقى الشهيد أحمد غالب الرهوي في ذاكرة الوطن علامةً فارقة ورمزًا لرجلٍ جمع بين القيادة والفداء بين الحلم والعمل بين الحكمة والشجاعة.

لقد ترك لنا رسالةً خالدة أن رجال الدولة الحقيقيين لا يموتون بل يتحولون إلى منارات تهدي الأجيال وتزرع الأمل..

كان لدينا برنامج لتحسين أوضاع الموظفين المدنيين والعسكريين انطلاقًا من قناعة بأن الموظف ليس مجرد رقم في كشف الراتب وإنما هو أحد أهم أعمدة استمرارية الدولة وكان من بين أفكارنا رفع الحد الأدنى للأجور إلى 150 ألف ريال ولو على الورق في المرحلة الأولى مع ضمان حق الموظف في نظام الخدمة المدنية إلى أن تتم معالجة مشكلة الرواتب بصورة شاملة ومستدامة وقد تبدو عبارة «ولو على الورق» بسيطة لكنها في جوهرها تحمل معنى مؤسسيًا مهمًا كالتزام قانوني والإنساني تجاه موظفيها فتثبيت الحق اليوم قد يكون هو الأساس الذي يُبنى عليه الوفاء به غدًا كما كان لدينا فكرة عدم احتساب نصف الراتب عندما يتم حل مشكلة الرواتب بشكل عام.

وكان لدينا أيضًا فكرة لتطوير التعليم يقوم على إنشاء مدارس ذكية في كل المحافظات المدرسة الذكية لم تكن بالنسبة لنا مجرد مبنى مزود بالتقنية وإنما نموذجًا لتعليم يفتح أمام الطالب أبواب المعرفة الحديثة ويمنح المحافظات فرصة متقاربة في الوصول إلى أدوات المستقبل.

وفي المجال الصحي كانت لدينا فكرة لتحسين الوضع الصحي وإنشاء أكبر مستشفى حكومي للعلاج المجاني لتخفيف الضغوط على المستشفى الجمهوري وبقية المستشفيات الحكومية الأخرى المكتظة انطلاقًا من أن الصحة ليست خدمة ثانوية وأن الدولة تُقاس أيضًا بقدرتها على حماية المواطن عندما يكون في أضعف حالاته.

وهنا تتضح الفكرة كلها: موظفٌ نحفظ كرامته وطالبٌ نبني مستقبله ومريضٌ نحمي حقه في العلاج ثلاثة مسارات مختلفة لكنها تلتقي عند هدف واحد: إعادة الدولة إلى حياة المواطن.

لقد كان الأستاذ أحمد غالب الرهوي في رؤيته للعمل العام يعيد للإنسان إحساسه بأن هناك دولة تفكر فيه وهذا ليس كلاما مثاليا فكثير مِمَّن عرفنا وجربنا وجلس معنا يعرف ذلك.

رحمك الله يا أستاذ أحمد

رحل الرجل وبقيت الرسالة وغاب الرفيق وبقي الطريق فسلام عليك يوم حملت هم الوطن وسلامٌ عليك يوم رحلت وسلامٌ عليك في ذاكرة كل من عرفك وأحبك وعمل معك.

Comments are closed.

اهم الاخبار