عهد المحمودي: القات أم الخبز؟ ​

​ثمةَ مفارقةٌ سرياليةٌ تقفُ شاهدةً على شوارعنا؛ مشهدٌ يمزقُ الروحَ لفرطِ واقعيته، في شوارعنا هناك، تضجُّ أسواقُ “القات” بالحياة الصاخبة، حيث تُنفقُ الآلافُ من الريالات (التي قد تكون قوتَ يومٍ كامل) في دقائقَ معدوداتٍ، لتشتري نشوةً عابرةً تمنحُ هروباً مؤقتاً من جحيمِ الواقع، وفي نفس الشارع لا تبعدُ سوى أمتارٍ قليلةٍ، ثمةَ أيادٍ ترتجفُ وهي تغوصُ في أحشاءِ براميل القمامة، تبحثُ عن بقايا خبزٍ لم يلتهمه العفن، لتسدَّ رمقَ أطفالٍ كسرهم الزمنُ قبل أن يدركوا معنى الحياة.

​إننا نعيشُ في قلبِ “تناقضٍ وجوديٍّ” مأساويّ، تناقضٌ لا يكتفي بجعلِ الفقرِ قدراً، بل يجعلهُ سلوكاً يغذي أسبابَ بقائه.. سؤالي الذي يمزقُ نياطَ القلب: كيفَ لمن لا يملكُ ثمنَ رغيفِ طفله، أن يجدَ في جيبه ما يكفي لشراء “حزمةِ قات”؟

​هنا لا يكمنُ الجوابُ في الاقتصاد أظن، بل في “فلسفتهم للهروب”.

​القاتُ في ظلِّ غيابِ الأفقِ والعدالةِ الاجتماعيةِ، صارَ الترياقَ المخدّرَ الذي يحاولُ بهِ المواطنُ اليمنيّ (المثقلُ بالهمومِ) أن يغسلَ يديهِ من قذارةِ واقعهِ لعدةِ ساعات، إنهُ “هروبٌ مدفوعُ الثمن”؛ حيثُ يبيعُ المرءُ حقَّ ابنهِ في الغذاءِ، ليشتريَ لنفسهِ حقَّهِ في غيبوبةٍ مؤقتةٍ بعيداً عن أوجاعِ الجوع.

​لكن هل يعفي هذا التبريرُ النفسيُّ الفردَ من مسؤوليتِهِ الأخلاقيةِ أمامَ جوعِ أطفاله؟

​في يمننا نحنُ أمامَ أزمةِ “ترتيبِ أولويات” طحنتها سنواتُ الحربِ، حتى صارَ القاتُ (بشكلٍ ما) هو الرابطُ الأخيرُ للمواطنِ مع عالمِ “الإنسانِ الطبيعيّ” في نظره، بينما تحولَ جسدُهُ وروحهُ إلى هيكلٍ عظميٍّ يتسولُ على أعتابِ الحاويات.

​الصورُ التي نراها لأطفالنا ونسائنا وهم يفتشون عن لقمةٍ في القمامة ليست مجردَ إحصائياتٍ إنسانية، بل هي “إعلانُ وفاةٍ جماعيّ” لضميرِ مجتمعٍ ودولةٍ، إنها صورةٌ تُخبرنا أنَّ الإنسانَ اليمنيَّ قد انحدرَ إلى قاعِ الهرمِ المأساوي، حيثُ توقفت كلُّ طموحاتِهِ وأحلامِهِ عندَ “الحاجةِ البيولوجيةِ للغذاء”.

​إنَّ هذا التناقضَ الذي نعيشهُ ليس قدراً محتوماً، بل هو حالةٌ من “الاغترابِ عن ذواتنا”، حينما يضحي الأبُ بقوتِ أطفالهِ لأجلِ القات، فهو في الحقيقةِ يعترفُ (دون أن يدري) بهزيمتهِ أمامَ الحياة، وبأنَّهُ استسلمَ لفكرةٍ مؤداها: “بما أنَّنا سنموتُ جوعاً، فليكن موتنا غارقاً في النشوةِ لا في الوعي”.

​ولا يمكن معالجة هذا التناقضِ باللوم وحده، فاللوم لا يطعم جائعاً، إننا بحاجة إلى ثورة في الوعي، ثورة تبدأُ من الفردِ لتنتقل إلى المجتمع، نحتاجُ إلى أن ندركَ أنَّ كرامةَ الإنسانِ ليست في قدرتهِ على تجاهلِ ألمه، بل في قدرتهِ على مواجهتهِ.

​وأرى أنه يجبُ أن تتحولَ هذهِ المشاهدُ المأساويةُ من مجردِ “مادةٍ للتألم” عبرَ وسائلِ التواصل، إلى “صرخةِ وعيٍ” في كلِّ بيتٍ وكلِّ سوق، أنَّنا بحاجةٍ لإنقاذِ أنفسنا من أنفسنا، قبلَ أن ننتظرَ من ينقذنا من ظروفنا.

 

Comments are closed.

اهم الاخبار