تحت مقصلة الصيف الساخن والفساد القاتل.. عدن بلا كهرباء والحر يشوي أجساد أبنائها
الوحدة نيوز/ في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بتقدمه التكنولوجي، تغرق عدن في ظلام دامس لا تكسره سوى ومضات كهرباء عابرة.
إنها معركة وجودية يخوضها السكان، ليس مع عدو مرئي، بل مع منظومة انهارت بفعل الإهمال والفساد المستشري، تاركة المدينة تحت رحمة صيف قائظ يودي بحياة كبار السن والمرضى يوماً بعد يوم.
فجوة هائلة
تعيش المدينة أزمة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث تشير الأرقام الصادرة إلى فجوة هائلة بين الاحتياج والإنتاج تفوق الخيال.
يصل الطلب الفعلي في ذروة الأيام الصيفية إلى 630 ميجاوات، بينما لا يتجاوز الإنتاج الفعلي خلال ساعات النهار سوى 257 ميجاوات فقط.
وفي الكابوس الليلي، يتراجع الإنتاج إلى 191 ميجاوات فقط، مما يعني عجزاً يفوق الـ 70%. هذه المعادلة المستحيلة تُترجم على أرض الواقع بصورة أكثر قسوة: انقطاع للتيار يستمر 22 ساعة وربما أكثر يومياً، مقابل ساعتي تشغيل فقط لا تكفي لتبريد المنازل قبل أن تعود الأسر إلى لياليها الحارقة في ظلام دامس.

فساد ممنهج
وراء هذه الكارثة الإنسانية تقف حقيقة أكثر إيلاماً: الفساد الممنهج. تكشف التقارير أن صفقات الفساد في قطاع الكهرباء تصل إلى ملايين الدولارات، حيث تُنفق “حكومة عدن” بشكل يومي ما يصل إلى ثلاثة ملايين دولار على شراء الوقود وصيانة المحطات.
والأكثر إثارة للصدمة أن جزءاً كبيراً من هذه الصفقات يتم “بالورق فقط”، أي أن الأموال تذهب لشراء كميات وهمية من المشتقات النفطية التي لا تصل أبداً إلى المحطات المنتظرة.
يتم صرف هذه المبالغ الطائلة عبر عقود مباشرة، متجاوزة لجان المناقصات والقوانين النافذة، في مشهد يفضح حجم “الثقب الأسود” الذي تلتهم فيه الدولة داخلياً.
وتمثل محطة بترومسيلة لصاحبها “رشاد العليمي” أنقى نموذج على هذا الفساد. ورغم أن المحطة صُممت لتزويد الشبكة بـ 264 ميجاوات في مرحلتها الأولى، إلا أن إنتاجها الفعلي لا يتجاوز اليوم 95 ميجاوات فقط بسبب الفشل اللوجستي المتعمد وسوء الإدارة.
هذا التخريب لا يقتصر فقط على تدمير البنية التحتية، بل يمتد إلى نهب الأموال التي كان من الممكن أن تُحدث فارقاً في حياة الملايين.
عواقب مميتة
الضحايا هنا ليسوا مجرد أرقام أو إحصاءات، بل حياة بشرية تُزهق كل يوم بسبب هذا الظلام.
تفيد تقارير طبية محلية بوجود وفيات بين كبار السن ومرضى الضغط في مديرية كريتر وغيرها، جراء درجات الحرارة التي تجاوزت 40 درجة مئوية مع رطوبة خانقة تجعل التنفس مستحيلاً.
حتى محاولات النوم تحولت إلى مغامرة مميتة، بعد تسجيل حالات اختناق لأشخاص التجأوا إلى سياراتهم هرباً من حرارة منازلهم.
وتشتد وطأة الأزمة مع سقوط كل قطاع حيوي تحت تأثير الكهرباء: المياه تكاد تكون مفقودة لأن الضخ توقف، والغاز المنزلي يُباع بأسعار مضاعفة بعد ساعات من الانتظار تحت الشمس الحارقة.
وتشير التقديرات إلى أن إجمالي خسائر القطاعات الاقتصادية جراء انقطاع التيار يتجاوز 1.8 مليون دولار يومياً، بينما لا تغطي الإيرادات الحالية حتى تكلفة تشغيل الشبكة ليوم واحد.
صوت لا يُسمع
مؤخراً، خرجت العشرات من نساء عدن في وقفات احتجاجية حاشدة، رافعات شعارات “نريد خبزاً وكهرباء” و”عدن تختنق”، لكن أصواتهن تبقى كمن يصرخ في بئر عميق.
استمرار هذه المأساة يتطلب وقفة جادة ليس فقط لصيانة المحطات، بل لتفكيك شبكات الفساد التي تستنزف دماء المدينة، وإلا فإن صيف 2026م سيكتب شهادة وفاة لما تبقى من حياة كريمة في عدن.
Comments are closed.