غزة.. مقبرة جماعية مفتوحة تحت سماء العالم
الوحدة نيوز/ كيف لقطاع لا يتجاوز طوله 40 كيلومترًا أن يتحوَّل إلى ساحة مفتوحة للتجويع المنظَّم؟ كيف لمليوني إنسان أن يُحاصروا في 40% فقط من أرضهم، بينما تلتهم آلة الحرب الـ60% الباقية؟ كيف لطفلٍ أن يستيقظ ليلاً صارخًا، ليس من قصف، بل لأن جرذًا يقضم أصابع قدميه؟ كيف لأُمٍ أن تختار بين أن تشرب هي أو يغتسل طفلها المريض؟ كيف لعالمٍ كامل أن يشاهد ويسكت؟
هذا ليس تقريرًا عاديًا. هذه شهادة على جريمة إبادة جماعية ممنهجة، يُعاد فيها تعريف معنى “الإنسانية” ذاتها كل يوم.
تجويع ممنهج
لقد تحول الجوع من “خطر” إلى “حقيقة يومية” في غزة. فقد رصد بداية هذا العام أعلى رقم شهري مسجَّل لأطفال دون الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بواقع 12,000 طفل. وبحلول يونيو 2026، كان من المتوقع أن يرتفع العدد إلى 132,000 طفل تحت سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، أي ضعف التقديرات السابقة.
وبحسب “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC) المعتمد دوليًا، فإن أكثر من نصف مليون شخص يواجهون ظروف المجاعة.
ولا تزال الأرقام الرسمية أقل من الواقع، حيث أعلنت “الصحة العالمية” أن 99 شخصًا، بينهم 29 طفلًا، ماتوا جوعًا خلال عام 2026 فقط.
تعطيش متعمد
تخيل أنك تعيش على أقل من 3 لترات من المياه يوميًا، وهو ما لا يكفي لشربة واحدة عادية، بينما الحد الأدنى الإنساني هو 15 لترًا.
هذا هو واقع مليون شخص في غزة، وانخفض إجمالي إنتاج المياه بالقطاع بنسبة 20% في مايو 2026. وتؤكد “اليونيسيف” أن العائلات تجبر يوميًا على اختيار بين الشرب والنظافة لمنع الأمراض.
لقد دُمرت شبكات المياه بالكامل: آبار، محطات تحلية، خطوط أنابيب. والنتيجة؟ أمراض جلدية، إسهال حاد، والتهابات كبدية تفتك بالأطفال.
القطاع الصحي
أغلقت إسرائيل معظم المعابر، ومنعت دخول الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات. يحتاج القطاع الصحي لوحده إلى 80,000 لتر وقود يوميًا، لكنه لم يحصل سوى على 90,000 لتر فقط في يوم واحد.
هذا النقص أدى لانقطاع التيار الكهربائي مرارًا، فاضطر الأطباء لإجراء عمليات جراحية دون تخدير. وأعلنت وزارة الصحة أن 12 من أصل 35 مستشفى كبيرًا توقفت بسبب نقص الوقود أو الدمار.
أما بالنسبة للأدوية، فلم يتبقَّ سوى القليل. أفادت منظمة الصحة العالمية أن 52% من الأدوية و68% من المستلزمات الطبية الأساسية قد نفدت. كما أن نحو 20,000 مريض بحاجة ماسة للسفر للعلاج في الخارج، لكن المعابر مغلقة.
نزوح وخيام فوق المجاري
يعيش 1.5 مليون إنسان في خيام مهترئة أو ملاجئ مؤقتة. هذه الخيام لا تحمي من حر الصيف (تتجاوز الحرارة داخلها 45 درجة مئوية) ولا من برد الشتاء القارس، فتمزقها العواصف، وتغمرها مياه البحر. وتُقام هذه الخيام وسط جبال النفايات ومجاري الصرف الصحي، ما جعلها أرضًا خصبة للقوارض والحشرات.
وصفت النازحة ميرفت صالح حالها بأنها حلقة مفرغة من العذاب: “تعفنت الخيام، ونحن نعيش هنا معضلة حقيقية: فإذا نجونا من المطر الذي يتسبب في هذا التعفن، عانينا من هجوم الجرذان… لا مفر لنا من هذا الواقع”
الأوبئة
وسط هذا الانهيار، بات الخطر الأكبر على الأطفال ليس القنابل فقط، بل القمل، الجرذان، والبراغيث.
فقد سُجلت حوالي 17,000 إصابة بين النازحين مرتبطة بالقوارض والطفيليات الخارجية منذ بداية 2026. وارتفعت حالات الإسهال الحاد، والتهابات الجهاز التنفسي، وأمراض الجلد بين الأطفال بصورة مخيفة. ويحذر الأطباء من احتمالية انتشار الكوليرا وحمى عضة الفئران وداء البريميات وحتى الطاعون.
يقول مسؤول في منظمة “كاريتاس”:
“الأطفال يستيقظون صارخين ليلاً، والجرذان تقضم أصابعهم. الأمهات يتعلقن بما تبقى لديهن، لكنهن يكتشفن أن الجرذان أكلت بطانياتهن وملابس أطفالهن.”
إبادة جماعية
مع ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 72,980 فلسطينيًا (بينهم 8 قتلوا خلال 24 ساعة فقط، بتاريخ 8 يونيو 2026),وإجمالي إصابات بلغ 173,171 (منذ 7 أكتوبر 2023),جاءت التقارير الأممية لتصف ما يحدث بأنه “إبادة جماعية”. وتذكر التقارير أن إسرائيل دمرت الموارد الطبيعية وفرضت حصارًا خانقًا، ما جعل الحياة مستحيلة.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: ما الذي يبرر صمت العالم؟ الرقم القياسي لضحايا الإبادة ليس مجرد رقم، كل واحد منهم قصة إنسانية اختُطفت. كل طفل يموت جوعًا، وكل أم تفقد طفلها في الخيام، وكل جرذ يقضم إصبع طفل صغير، لا يُمثل فشلًا في النظام الإنساني فقط، بل عارًا أخلاقيًا يلاحق ضمير البشرية.
إنهاء الحصار، فتح المعابر، إدخال المساعدات الطبية، وإعادة بناء المنظومة الصحية ليس خيارًا أو منّة، بل حق إنساني أساسي.
Comments are closed.