أكثر من مليون يمني تحولوا إلى شواهد قبور بلا دواء: الحصار الجوي.. جريمة بحق الإنسانية
الوحدة نيوز/ ليس سجناً عادياً أولئك الذين خلف قضبانه أحياء ينتظرون الموت.. إنه مطار صنعاء الدولي، ذلك الشريان الذي نزف حتى آخر قطرة حياة من جسد اليمن.
هنا، على مدرج هذا المطار، تُدفن الأحلام حية، وتُختصر المسافات إلى القبور، ويتحول انتظار رحلة علاج أو دراسة أو لقاء عائلة إلى انتظار للموت.
كل يوم يموت يمني ليس بسبب مرض عضال، بل لأن الطائرة التي كانت ستنقذه لم تقلع، لأن السماء أغلقت أبوابها في وجهه، لأن العالم وقف متفرجاً على أفظع جريمة إنسانية صامتة في القرن الحادي والعشرين.
هذه ليست حكاية أرقام وجداول إحصائية.. هذه حكاية روح تُزهق كل ربع ساعة، وحكاية طفل يبكي على كرسي متحرك، وأم تنهار أمام بوابة لا تُفتح، وشعب كامل حُكم عليه بالإعدام بتهمة أنه يمني.
أكبر سجن مفتوح
كل خمس عشرة دقيقة، كما يكشف مدير مطار صنعاء خالد الشايف، يلفظ مريض يمني أنفاسه الأخيرة ليس بسبب فتك المرض في جسده، ولا بسبب خطأ طبي، ولا بسبب نقص التجهيزات داخل المستشفيات، بل لأن باب الخلاص الوحيد كان مغلقاً في وجهه، لأن الطائرة التي كانت ستنقذه إلى مستشفى في الأردن أو مصر أو الهند كانت واقفة على المدرج لكنها لم تقلع أبداً، لأن تأشيرة الموت كانت أرخص وأسهل من تأشيرة الحياة.
إنه أكبر سجن مفتوح في العالم الحديث، حيث يتحول المدرج إلى مقبرة جماعية، والمرضى إلى رهائن، والأدوية إلى سراب، والأطباء إلى شهود عاجزين على واحدة من أبشع جرائم الحرب الصامتة في القرن الحادي والعشرين، جريمة لا يسقط أثرها بالتقادم، ولا تُمحى وصمتها من جبين الإنسانية ما بقيت السماء والأرض.
أرقام صاعقة
وفقاً لإحصاءات رسمية صادرة عن هيئة الطيران المدني في صنعاء في ديسمبر من عام 2025م، وخلال فعاليات إحياء اليوم العالمي للطيران المدني، أعلن رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان علي تيسير رقماً صاعقاً جعل الحضور يتجمدون في أماكنهم: أكثر من مليون ونصف المليون إنسان هم ضحايا إغلاق مطار صنعاء بشكل غير مباشر منذ بدء العدوان في 26 مارس 2015م. نعم، مليون وخمسمائة ألف إنسان، وهو رقم يعادل سكان مدينة صنعاء نفسها تقريباً. ولكن التفصيل الأكثر إيلاماً أن 125 ألف مريض من هؤلاء لم يموتوا بسبب نقص الدواء أو انعدام الخدمات الصحية داخل اليمن، بل ماتوا تحديداً لأنهم مُنعوا من السفر إلى الخارج لتلقي العلاج، ماتوا وهم يحملون تذاكر سفر لم يستخدموها أبداً، ماتوا وهم يقفون في طوابير الانتظار أمام مكاتب منظمة الصحة العالمية التي وعدتهم مراراً ثم خذلتهم، ماتوا وأعينهم مثبتة على شاشات المغادرة التي أُطفئت قبل سنوات.
وليس هذا الرقم وحده هو ما يجعل القارئ يشعر بالقشعريرة، فهناك اليوم، وفقاً للجنة الطبية العليا في صنعاء بتقرير صادر في يناير من عام 2026م، ما لا يقل عن 450 ألف مريض بحاجة ماسة وعاجلة للسفر إلى الخارج للعلاج، بينهم حالات حرجة لا تحتمل التأخير لأسابيع، بل لأيام. هؤلاء الـ 450 ألفاً هم من تم تسجيلهم رسمياً في قوائم الانتظار، بينما هناك أعداد أخرى غير محصية من المرضى الذين لم يتمكنوا حتى من الوصول إلى مرحلة التسجيل بسبب انهيار النظام الصحي وتوقف أكثر من 83 مستورداً للأدوية عن العمل، وفقاً لتقرير وزارة الصحة في مايو 2026م.
والتقرير نفسه يفيد بأن 77 ألفاً و412 مريضاً كانوا بحاجة فعلية للسفر للعلاج في الخارج خلال الفترة الممتدة من عام 2018م وحتى عام 2025م، لكن الرحلات لم تقلع، والطائرات دُمّرت، والممرضون كانوا يكتفون بمسح دموع المرضى وعيونهم المغلقة إلى الأبد.
تفاصيل أكثر قسوة
وتتحدث وزارة الصحة في تقرير منفصل عن تفاصيل أكثر قسوة وواقعية: هناك 12 ألفاً و251 حالة عاجزة عن السفر ليس لأن المرض نهكهم، بل بسبب الحصار الجوي الذي يمنع أي طائرة من الهبوط أو الإقلاع من مطار صنعاء، إضافة إلى 15 ألفاً و482 حالة أخرى عاجزة بسبب ظروفها المادية البائسة، حيث تبلغ تكلفة السفر للعلاج في الخارج لعائلة يمنية بسيطة ما لا يقل عن 20 إلى 30 ألف دولار، وهو مبلغ خرافي في بلد يعاني أكثر من 80% من سكانه من الفقر والجوع.
وفي خضم هذه المأساة، يقبع 100 ألف مريض سرطان يقاتلون المرض الخبيث بجوار فقر الدم والألم المزمن، لكنهم يقاتلون أيضاً عدوّاً آخر لا يقل فتكاً: الحصار الذي تسبب في انعدام عشرة أصناف رئيسية من أدوية السرطان، ونقص 60% من الأدوية بشكل عام، وفقاً لإفادة وزير الصحة والبيئة الدكتور علي شيبان الذي لم يجد كلمات يصف بها المشهد سوى قوله: “أي مريض يدخل غرفة العمليات اليوم في أي مستشفى يمني تحت سيطرة صنعاء يواجه احتمال الموت بنسبة 70% ليس بسبب تعقيد العملية الجراحية، ولا بسبب مهارة الجراح، بل بسبب غياب الباراسيتامول والمضادات الحيوية البسيطة وأدوية التخدير ومشتقات الدم”.
والأكثر فظاعةً أن التقرير الصادر عن وزارة الصحة يؤكد وفاة 684 مريضاً من أصل 8 آلاف و430 مصاباً بالثلاسيميا كانوا يتلقون علاجهم في المركز العلاجي التابع للجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا، وهذا الرقم لا يشمل من ماتوا في منازلهم دون أن يصلوا حتى إلى المركز.
ولم يقتصر القتل الصامت على أطفال الثلاسيميا فقط، بل امتد ليشمل أكبر وأوسع شريحة من المرضى المزمنين والحالات الحرجة.
فوفقاً للتقارير الرسمية فإن هناك أكثر من ثمانية آلاف مريض غسيل كلوي يصارعون الموت يومياً في مراكز الغسيل الكلوي المنتشرة في صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء.
هؤلاء الثمانية آلاف يحتاجون إلى جلسات غسيل ثلاث مرات أسبوعياً، ويحتاجون إلى محاليل معقمة خاصة، وإلى أجهزة استصفاء دموي “Dialyzers” لا يمكن استخدامها أكثر من مرة واحدة، وإلى أدوية مميعة للدم وأدوية لعلاج فقر الدم المرافق للفشل الكلوي. لكن الحصار الجوي منع دخول معظم هذه المستلزمات، وأدى إلى إغلاق العديد من مراكز الغسيل الكلوي بسبب نقص المحاليل.
والتقرير يؤكد وفاة خمسة آلاف مريض من أصل الثمانية آلاف نتيجة الحصار وعدم إدخال محاليل الغسيل الكلوي وأجهزة الاستصفاء الدموي. هذا يعني أن أكثر من 60% من مرضى الفشل الكلوي في المناطق الخاضعة لسيطرة صنعاء قد ماتوا خلال السنوات الماضية، ليس لأن كليتهم توقفت عن العمل، بل لأن العالم أغلق في وجوههم الأبواب.
أما مرضى السرطان، فقصتهم لا تقل فظاعة. فإلى جانب المئة ألف مريض سرطان الذين يقاتلون المرض كما أسلفنا، هناك تفصيل إضافي يزيد الطين بلة، وهو أن أكثر من 40 ألفاً من مرضى سرطان الثدي، وسرطان الغدد الليمفاوية، وسرطان الدم “اللوكيميا”، وسرطان القولون، يحتاجون إلى بروتوكولات علاجية متقدمة غير متوفرة في اليمن، مثل العلاج المناعي والعلاج الموجّه، وهذه البروتوكولات لا تتوفر إلا في مراكز الأورام المتخصصة في الخارج.
انعدام الأدوية
إلى جانب كل ما سبق، هناك أرقام أخرى لا تقل أهمية ولا مأساوية. فوفقاً لتقرير وزارة الصحة، توقف أكثر من 83 مستورداً للأدوية والمستلزمات الطبية عن العمل بشكل كامل خلال السنوات الماضية بسبب الإجراءات التعسفية والحصار الجوي.
هؤلاء المستوردون كانوا يوفرون أكثر من ألف و329 صنفاً دوائياً مهماً، من بينها أدوية زراعة الكلى ومشتقات الدم والأدوية الهرمونية والمناعية، وأدوية الإنعاش والتخدير، ومثبطات التخثر الدموي، وبعض المحاليل التشخيصية الحيوية، وأدوية الهيموفيليا.
نقص هذه الأدوية أدى إلى انعدامها تماماً من الأسواق المحلية، وليس مجرد نقص جزئي. وبالتالي فإن أي مريض يعاني من نزيف حاد بسبب الهيموفيليا، أو أي مريض يحتاج إلى تخدير لإجراء عملية جراحية طارئة، أو أي مريض زرع كلية يحتاج إلى أدوية مناعة، كل هؤلاء أصبحوا يواجهون الموت المحقق لأن الدواء الذي ينقذ حياتهم غير موجود.
جريمة بحق الإنسانية
وزير الصحة الدكتور علي شيبان قال كلمات لا تحتمل التأويل: “استمرار تعطيل مطار صنعاء الدولي جريمة بحق الإنسانية وانتهاك سافر للقوانين والمواثيق الإنسانية والدولية”.
وأضاف أن “إغلاق مطار صنعاء، الذي استهدفه العدو الصاهيوني، تسبب في انعدام وقلة أغلب الأدوية والأصناف التي تحتاج إلى ظروف نقل خاصة (التبريد)، وهذا يعني أن آلاف المرضى حُرموا من أدوية زارعي الكلى ومشتقات الدم، والأدوية الهرمونية والمناعية والإنعاش والتخدير”..
وشيبان لم يكتف بذلك، بل وجه نداءً عاجلاً إلى الأمم المتحدة ومنظماتها، داعياً إياها إلى “عدم غض الطرف عن هذه المأساة الكارثية التي أودت بحياة الآلاف من المرضى ومازالت تحصد أرواح آلاف آخرين”، مؤكداً أن قوى العدوان “لا تضع أي اعتبارات إنسانية أو أخلاقية لما تفرضه من حصار خانق على الشعب اليمني لم تشهد الإنسانية له مثيلاً في ظل صمت أممي ودولي معيب”.
جرائم لا تسقط بالتقادم
وزير النقل والأشغال العامة محمد قحيم انضم إلى هذا النداء في 26 مايو 2026م خلال الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها وزارته بمرور عام على الاستهداف الصهيوني لطائرة الخطوط الجوية اليمنية، حيث قال إن “الاعتداء الصهيوني على مطار صنعاء لن يثني اليمن عن مواقفه المبدئية”، وإن “دول العدوان ستحاسب عاجلاً أم آجلاً”، وإن “هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم”.
أما القائم بأعمال رئيس مجلس إدارة الخطوط الجوية اليمنية خليل جحاف، فكان أكثر تحديداً في أرقامه وتفاصيله. خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد على هامش الوقفة الاحتجاجية في 26 مايو 2026م، قال جحاف إن “استهداف مطار صنعاء جريمة حرب تهدف لإركاع الشعب اليمني”، وإن “حجم خسائر الشركة بلغ أرقاماً فلكية جراء العبث والفساد”. وكشف جحاف عن أن “نقل مركز الشركة المالي والإداري إلى عدن وإغلاق أنظمة الحجز والمبيعات تسبب في خسائر يومية غير مسبوقة تصاعدت لتصل إلى أرقام فلكية”، متوعداً بكشف هذه الأرقام وتفنيدها أمام الرأي العام اليمني.
والأكثر أهمية في كلمة جحاف هو النداء الذي وجهه باسم كل مريض يمني، وكل طالب، وكل مغترب، وكل مواطن تعرض للإهانة، قائلاً: “باسم كل مريض يمني حُرم من السفر للعلاج عبر مطار صنعاء، وكل طالب ومغترب، وباسم كل مواطن تعرّض للمهانة في نقاط التفتيش المستحدثة من قبل عصابات قطاع الطرق، وباسم كل من طاله الإقصاء المناطقي، أو تجرع مرارة السفر البري الشاق لساعات طويلة عبر طرق غير آمنة؛ ندعو كل من تسبب في إيصال الناقل الوطني إلى هذه الوضعية الكارثية للمثول الفوري أمام العدالة”.
صرخة في وجه العالم
في 26 مايو 2026م، حين نظمت وزارة النقل وقفتها الاحتجاجية بمرور عام على الاستهداف الصهيوني لطائرة الخطوط الجوية اليمنية، كان الحضور يرددون هتافات تطالب بفتح المطار فوراً ودون قيد أو شرط، وكانت اللافتات تحمل صور الأطفال المرضى الذين ماتوا وهم ينتظرون، وكانت الأمهات يبكين أمام الكاميرات.
وزير النقل محمد قحيم قال في كلمته: “اليمن كان وسيظل دولة سلم وعدالة لا تعتدي على أحد، لكنه في الوقت ذاته يرفض الضيم ولا يسكت على الظلم”، مؤكداً أن “أي اعتداء على فلسطين هو اعتداء مباشر على اليمن، انطلاقاً من وحدة الجسد والروح للأمة العربية والإسلامية”.
لكن السؤال الذي يطرحه كل يمني عادي، كل أب فقد ابنه، كل أم دفنت طفلها، هو: وماذا عن حقنا في الحياة? أليس لنا نحن أيضاً الحق في أن نتنفس، وأن نطير، وأن نُعالَج؟
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن إغلاق مطار صنعاء ليس مجرد إجراء عسكري أو سياسي، بل هو حكم بالموت البطيء على آلاف الأبرياء. إنها جريمة ضد الإنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
يصرخ خالد الشايف، مدير مطار صنعاء، في وجه العالم مرة أخرى: “المطار جاهز تماماً، ولا يوجد أي مبرر فني للإغلاق. مدارجنا سليمة، أبراجنا تعمل، طاقمنا مدرب، والطائرات تنتظر على الأسفلت. افتحوه.. فقط افتحوه.. قبل أن يدفن الأحياء موتاهم بأيديهم، وقبل أن يصبح كل يمني مريضاً شاهد قبره المكتوب عليه: هنا يرقد من مات لأنه لم يستطع السفر”.
Comments are closed.