محمد اللوزي: في الـ(رياض).. هل ضاقت مساحة الخلاف الفقهي واتسعت للترفية؟
تقرير لقناة الجزيرة يتحدث عن مفارقة تثير كثيرا من الاسئلة حول معايير التعامل مع المقدسات والثوابت الدينية في المملكة العربية السعودية. فبينما يجري تقديم بعض المظاهر الفنية والترفيهية المثيرة للجدل باعتبارها جزءا من الانفتتاح والتحديث، يظل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف موضع رفض ومنع وتجريم في الخطاب الديني الرسمي، وكأن الاحتفاء بذكرى مولد خير البشر اصبح فعلا اشد خطرا على الدين والمجتمع من ممارسات اخرى لا تخلو من اساءة الى الرموز والمقدسات.
المفارقة هنا ليست في وجود الفن والترفيه من حيث المبدأ، فلكل مجتمع حقه في تنظيم مجاله الثقافي والفني، وانما في ازدواجية المعايير حين تصبح بعض المظاهر التي تمس الحس الديني مقبولة او مسكوتا عنها تحت عنوان الانفتاح، بينما يضيق المجال امام مناسبة دينية ارتبطت في وجدان ملايين المسلمين بمحبة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستحضار سيرته واخلاقه وتعاليمه.
ومن بين المشاهد التي اثارت الجدل ما يرد في التقرير من ظهور فنانة وهي تجلس على العلم السعودي الذي تتضمن رايته عبارة التوحيد: لا اله الا الله محمد رسول الله. وهنا يبرز السؤال بصورة اكثر الحاحا اذا كانت العبارة المكتوبة على العلم ذات دلالة دينية وعقدية عظيمة، فكيف يمكن الجمع بين قدسية مضمونها وبين التعامل معها باغتبارها مجرد خلفية او جزء من عرض فني؟ وهل يصبح احترام الرمز الديني انتقائيا بحسب المناسبة والشخص والمكان؟
والاشد اثارة للجدل هوتوظيف الايات القرآنية في بعض العروض الغنائية المصحوبة بالموسيقى والمؤثرات الفنية. مرة اخرى لا يتعلق السؤال بتحريم الفن أو الموسيقى على اطلاقه، فهذا باب فقهي له تفصيلاته واختلافاته، وانما يتعلق بالسؤال عن معيار احترام النص القرآني نفسه. هل يجوز ان يتحول النص المقدس الى مادة في عرض ترفيهي بينما يجري في الوقت نفسه التشدد تجاه ممارسات ديني. اخرى ينظر اليها المسلمون باعتبارها تعبيرا عن محبتهم للنبي وتعظيم سيرته؟
ثم تأتي المفارقة الاكبر عندما تتسع مساحة الحفلات والعروض الفنية والترفيهية في بلاد الحرمين، ويجري تقديم ذلك للعالم باعتباره عنوانا للانفتاح والتحول الاجتماعي، بينما يظل الاحتفال بالمولد النبوي محل رفض شديد في الخطاب الديني الرسمي، بل ويقدم احيانا بصورة توحي بانه من اخطر مظاهر الانحراف الديني.
وهنا لا بد من طرح السؤال الذي يتجاوز حدود المولد نفسهكيف يمكن ان تكون هناك مساحة واسعة لمظاهر ترفيهية وفنية يراها كثير من المسلمين متعارضة مع قيمهم الدينية، بينما لا تكون هناك مساحة للاختلاف الفقهي في مسألة المولد؟
فالاحتفال بالمولد النبوي ليس مسألة هامشية في الوعي الاسلامي المعاصر، بل هو مناسبة تحضر في وجدان قطاعات واسعة من المسلمين في بلدان متعددة، ويجري فيها تدارس السيرة النبوية والصلاة على النبي وذكر شمائله واخلاقه والتذكير برسالته. وقد يختلف العلماء في الحكم على بعض صور الاحتفال به، لكن تحويل الخلاف الفقهي الى اتهام ديني شامل او تصوير كل من يحتفي بالمولد باعتباره مرتكبا لجريمة لا تغتفر هو انتقال من مساحة الاجتهاد الى مساحة الاقصاء.
والاشكالية الاكبرتظهر عندما تتغير القواعد تبعا للعنوان الذي تحمل تحته الممارسة. فإذا كان الشعار هو المحافظة على العقيدة وصيانة المقدسات، فينبغي ان يكون المعيار واحدا على الجميع. واذا كان الشعا ر هو الانفتاح الثقافي والترفيه، فلا ينبغي استخدام الخطاب الديني بصورة انتقائية لقمع مناسبة دينية يشارك فيها ملايين المسلمين، بينما تفتح الابواب امام مظاهر اخرى اشد استفزازاللحس الديني لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
إن القضية في جوهرها ليست معركة بين الدين والفن، ولا بين المحافظة والانفتاح، بل معركة مع ازدواجية المعايير. فالمجتمع يستطيع أن يناقش الفن والموسيقى والاحتفالات، ويستطيع العلماء أن يختلفوا في مسائل المولد وغيره، لكن ما يصعب تبريره هو أن يصبح المعيار الديني صارما في موضع، ومرنا بصورة لافتة في موضع آخر، بحسب ما تقتضيه التحولات السياسية والثقافية.
لقد كان الخطاب الديني في السعودية لعقود طويلة يقدم نفسه باعتباره الحارس الصارم للتوحيد ومحاربا للبدع والمظاهر التي يراها مخالفة للدين. لكن التحولات الأخيرة أفرزت واقعا جديدا، أصبح فيه الترفيه والحفلات والعروض الفنية جزءا من المشهد العام بصورة غير مسبوقة. ومن الطبيعي أن يطرح الناس سؤالا مشروعا اذا تغيرت حدود المسموح والممنوع في المجال الثقافي والاجتماعي، فلماذا لا يتغير أيضا التعامل مع بعض المناسبات الدينية التي تختلف حولها المدارس الإسلامية، بدلا من ابقائها في خانة التجريم والاتهام؟
إن احترام المقدسات لا ينبغي أن يكون انتقائيا، كما أن الانفتاح لا ينبغي أن يتحول إلى انتقاء سياسي لما يسمح به وما يمنع. فالقرآن لا ينبغي أن يكون مادة للزينة حين يخدم المشهد الفني، ثم تصبح المناسبة الدينية التي يشارك فيها المسلمون تعبيرا عن محبتهم لنبيهم تهمة تستحق الادانة.
وفي النهاية، تبقى المفارقة صارخة. كيف يمكن أن تتسع مساحة الترفيه الى هذا الحد في بلاد الحرمين، بينما تضيق مساحة التعبير الديني في مناسبة مثل المولد النبوي؟ وكيف يمكن أن يقدم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره تجاوزا للثوابت، في الوقت الذي يجري فيه التساهل مع ممارسات يرى فيها كثير من المسلمين تجاوزا أكثر وضوحا للثوابت نفسها؟
إن المشكلة ليست في الاختلاف، فالاختلاف سنة بشرية ومجال الاجتهاد واسع، وانما المشكلة حين يتحول الاختلاف الى اداة لفرض معيار واحد على الناس، ثم يجري التخلي عن ذلك المعيار عندما يتعلق الأمر بمظاهر أخرى تفرضها التحولات السياسية والاجتماعية.
ومن هنا فان السؤال الحقيقي ليس. من يحتفل بالمولد ومن لا يحتفل به؟ بل هل نريد معيارا دينيا واخلاقيا ثابتا يحترم المقدسات في كل الظروف، ام نريد معايير متغيرة تتبدل بحسب السياسة والمشهد الثقافي ومتطلبات المرحلة؟
فحين يصبح الانفتاح مبررا لكل شيء، بينما يصبح الاحتفاء بسيرة الرسول موضع تضييق وتجريم، فان المفارقة لا تعود مجرد مفارقة ثقافية، بل تتحول الى سؤال عميق عن طبيعة الخطاب الديني وحدود توظيفه في المجال العام، وعن الكيفية التي يعاد بها تعريف الحلال والحرام والمقبول والمرفوض وفقا لموازين تتغير من مرحلة الى اخرى.
وهنا تستحضر الاية الكريمة معناها التحذيري: ﴿الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا﴾. فليس كل ما يقدم تحت عناوين الحداثة والانفتاح تقدما بالضرورة، كما ان ليش كل ما يوصف بالبدعة او التخلف يستحق هذه الاوصاف. والمطلوب هو معيار واحد احترام الدين، وصيانة المقدسات، واحترام عقول الناس، وترك مساحة الاجتهاد والخلاف بعيدا عن لغة التخوين والتجريم والاقصاء.
فالاسلام دين واسع، والامة الاسلامية اكبر من قراءة واحدة، ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست ملكا لمدرسة أو دولة أو مؤسسة. ومن حق المسلمين أن يختلفوا في وسائل التعبير عن محبتهم لنبيهم، لكن ليس من حق أحد ان يحول اختلافه الفقهي الى وصاية مطلقة على مشاعر المسلمين وعقائدهم ومناسباتهم الدينية.
Comments are closed.