د. ربيع شاكر المهدي : الهدن في الشرق الأوسط.. حين تتحول إلى جسور لحروب أكبر وتُمارس الإنسانية بمعايير انتقائية

 

ليست كل هدنة بدايةً للسلام كما أن توقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة توقف الصراع ففي كثير من مناطق العالم تمثل الهدنة فرصة لإعادة بناء الثقة وترميم الدولة وإطلاق مسارات المصالحة والتنمية أما في الشرق الأوسط فإنها تتحول إلى محطة انتقالية بين حربٍ انتهت وحربٍ أكثر تعقيدًا لم تبدأ بعد.

فالهدنة في هذه المنطقة لا تُقاس غالبًا بعدد الأيام التي يصمت فيها السلاح وإنما بمدى قدرة الأطراف على استثمار الزمن لإعادة تشكيل موازين القوة وهكذا يصبح الزمن نفسه موردًا إستراتيجيًا وتتحول الهدنة من أداة لاحتواء العنف إلى وسيلة لإدارته وإعادة إنتاجه في توقيت أكثر ملاءمة للأطراف.

لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الهدنة قد تكون جسرًا إلى السلام أو ممرًا إلى حربٍ أشد ضراوة ويتوقف ذلك على ما يحدث خلالها لا على إعلانها في حد ذاته.

ففي اتفاق دايتون عام 95 في البوسنة والهرسك لم يكن وقف إطلاق النار هدفًا نهائيًا بل كان بدايةً لمسار شامل شمل ترتيبات أمنية دقيقة وضمانات دولية وإعادة بناء المؤسسات الدستورية فتحولت الهدنة إلى سلام قابل للاستمرار.

وكذلك في اتفاق الجمعة العظيمة عام 98 في أيرلندا الشمالية لم يُنظر إلى وقف العنف باعتباره نهاية الأزمة بل بوصفه مدخلًا لدمج القوى السياسية في مؤسسات شرعية ومعالجة جذور الصراع التاريخية وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة.

في المقابل تقدم اتفاقية الهدنة الكورية عام 53 وكذلك اتفاقيات الهدنة العربية الإسرائيلية عام 49 نموذجًا مختلفًا إذ توقف القتال بينما بقيت القضايا الجوهرية معلقة فتحولت الهدنة إلى حالة طويلة من “اللا حرب واللا سلام” وأصبحت خطوط التماس مناطق استنزاف دائمة تنتظر تغير موازين القوى لتشتعل من جديد.

واليوم يتكرر هذا النمط بصورة أكثر تعقيدًا إذ تستغل الأطراف فترات الهدنة لإعادة تنظيم القوات وتعويض الخسائر وصيانة المعدات وتحديث الترسانات وتطوير المسيّرات والصواريخ وإعادة بناء التحصينات وتوسيع شبكات التمويل والتحالفات ومراجعة الخطط العملياتية وتحديث بنك الأهداف وفق دروس المعارك السابقة وبدل أن تصبح الهدنة استثمارًا في السلام تتحول إلى استثمار في الحرب القادمة.

هناك نوعان من وقف إطلاق النار:

الأول وقف إطلاق النار الإجرائي: ويُستخدم منصةً للانتقال إلى تسوية سياسية شاملة.

الثاني الوقف التكتيكي للنار: ويُراد منه التقاط الأنفاس وإعادة توزيع أوراق القوة قبل استئناف المواجهة.

ويبدو أن هدن الشرق الأوسط تنتمي إلى النموذج الثاني حيث تُدار الهدنة باعتبارها وسيلة لخفض التصعيد مؤقتًا لا مدخلًا لإنهاء الصراع ويمتد ذلك إلى طبيعة الوساطات الإقليمية والدولية نفسها إذ يلاحظ أن جانبًا كبيرًا منها يركز على احتواء الأزمة أكثر من معالجتها وعلى منع الانفجار الفوري أكثر من إزالة أسبابه البنيوية فتُعقد الهدن لإيصال المساعدات أو حماية الملاحة الدولية أو تخفيف الضغوط الإنسانية بينما تبقى الملفات السيادية وترتيبات الأمن الإقليمي وحدود النفوذ وآليات تقاسم السلطة والثروة خارج إطار الحل الحقيقي.

وتبدو المنطقة وكأنها تعيش في حالة استقرار مؤقت بينما تستمر في الواقع عملية تراكم بطيئة لعوامل الانفجار حتى تأتي لحظة يختل فيها ميزان القوى فتنهار الهدنة وتعود الحرب بصورة أكثر عنفًا واتساعًا.

إن الهدن المستدامة لا تُبنى على حسن النيات وحده بل تحتاج إلى ضمانات دولية فعالة وآليات رقابة وتحقق مستقلة وإرادة سياسية متبادلة لتقديم التنازلات وإطار مؤسسي يعالج جذور النزاع لا أعراضه فقط أما حين يغيب الضامن المحايد ويتراجع القانون الدولي أمام الاستقطاب وتُمارس الإنسانية بمعايير انتقائية فإن الهدنة تصبح مجرد هدنة زمنية لا تحولًا إستراتيجيًا.

إن أخطر ما في الهدن غير المكتملة أنها لا تنهي منطق الحرب بل تمنحه فرصة لإعادة التكيف فالصراعات الحديثة لم تعد تحسم في ميادين القتال وإنما في ساحات الاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والتحالفات وإدارة الزمن ومن يربح الزمن ينجح في إعادة ترتيب عناصر القوة قبل الجولة القادمة.

ومع دخول العالم مرحلة تتزايد فيها المنافسة بين القوى الكبرى وتتسارع فيها الثورة التكنولوجية وتتوسع فيها الحروب الهجينة فإن الهدن المقبلة قد لا تعني فقط إعادة بناء الجيوش بل إعادة بناء منظومات حرب أكثر تطورًا وأكثر قدرة على إطالة الصراعات.

ولذلك فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد بعدد اتفاقات وقف إطلاق النار التي تُوقّع بل بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على الانتقال من إدارة الصراع إلى هندسة السلام ومن تجميد الأزمات إلى تفكيك أسبابها ومن موازين الردع المؤقتة إلى منظومات أمن جماعي وتنمية وعدالة سياسية تُعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.

إن السلام ليس لحظة صمتٍ للبنادق بل مشروع حضاري يعالج جذور الخوف قبل مظاهره وكل هدنة لا تُغيّر بنية الصراع ولا تُنتج تسوية عادلة ومستدامة قد تؤجل الحرب لبعض الوقت لكنها تُراكم في الوقت نفسه أسباب انفجارها القادم ليكون أكثر اتساعًا وأشد ضراوة.

Comments are closed.

اهم الاخبار