لماذا يخلط المتلقون بين كتاب نصوص الأغاني؟
محمد عبد الوهاب الشيباني
مطلع يناير 2025، وقبل دقائق من إحياء فعالية الذكرى الأولى لرحيل الشاعر الكبير أحمد الجابري في البيت اليمني للموسيقى والفنون، قال لي أوس الأرياني (منسق الفعالية) إن كلمات أغنية (هربوا جا الليل) ليست للجابري، كما أوردت ذلك في ورقتي التي ستقدم للفعالية بعد وقت قصير، ومن المستحسن عدم عرض الأغنية؛ لأنه، في إعداده لمجمل الأغاني التي ورد ذكرها في الورقة، والتي يهيئها للعرض المصاحب، وجد أنها للشاعر د. سعيد الشيباني، بحسب أحد تسجيلات قناة عدن الثانية، وأراني المقطع المصور. فبدأت أشك في معلوماتي، فكان أن اتصلنا بالعزيز ياسر الشوافي لإفتائنا في الأمر، خصوصًا أنه أحد المقربين من الراحل، فأكد أنها للجابري فعلًا. وحين عدت إلى البيت مساءً، رجعت إلى ديوان الجابري (عناقيد ملونة)، فوجدتها في الديوان تحت اسم (أغنية للحصاد)، وتقول بعض أبياتها (التي لحنها وغناها الفنان أحمد بن أحمد قاسم):
“والله ما أروِّح إلَّا قا هو ليل
واعشي واصبح وابن عمي الليل
فرحتي يا رب قا ذرينا الحَبّ والجهيش في آب
هَرِّبوا جا الليل
المطر يسكب مو يُفيد نصرُب والذئاب تقرُب
هَرِّبوا جا الليل”.
ولسعيد الشيباني هو الآخر قصيدة للحصاد، كُتبت على ذات بنى وإيقاعات المهاجل الفلاحية الشعبية في ريف الحجرية، وقام بتلحينها وأدائها الفنان أحمد قاسم أيضًا، وتقول بعض أبياتها:
“اليوم والله واليوم دايم
قا صربوا الدُخن والذُرة قايم
يا فرحتي اليوم نحو التهايم
كفرحة الجيش بين الغنايم
واليوم والله واليوم دايم
يا رب بارك واسقِ الجرايب
واجلِ الهم بين الحبايب
الصبح ضوى والليل آيب
والذيب والشاة قاهم قرايب”.
مثل هذه الحالة صادفتها كثيرًا، حيث يتم نسب كلمات بعض الأغاني إلى غير شعرائها؛ بسبب عدم التدقيق والاعتماد على تداولات مغلوطة، وتكون النماذج في نصوص شعراء من ذات المشارب الثقافية واللهجوية هي الأكثر عرضة لهذه الإرباكات.
أتذكر في العام 2006 استضفنا، في منتدى الجاوي الثقافي بصنعاء، الشاعر سعيد الشيباني لتقديم مادة اقتصادية في مرحلة ما بعد انتخابات 2006 الرئاسية؛ لكونه خبيرًا اقتصاديًا معروفًا. وقد استحسن بعض الأصدقاء استضافة أحد الفنانين الشبان من أصدقاء المنتدى لتأدية أغانٍ من كلمات الشاعر، كنوع من الترحيب بالضيف. وحين غنى (عدن.. عدن)، قال د. سعيد إن كلمات الأغنية للشاعر أحمد غالب الجابري وليست له. أغلب الحاضرين، ومنهم الفنان، تفاجؤوا، وظنوها لوقت طويل أنها للشيباني.
وكثيرًا ما يخلط المتلقون بين نصوص الشاعرين سعيد الشيباني وعبد الله سلام ناجي، وخصوصًا تلك التي أداها الفنان فرسان خليفة، مثل أغنية (طير الحمام قم رتل الأغاني)، وأغنية (نجم الصباح بكر سحر يلالي)؛ فتنسب الأولى لابن سلام، وهي للشيباني، مثلما تنسب الثانية للشيباني، وهي لابن سلام.
هناك أغنية ثالثة تغترف من بئر المهاجل الريفية لمواسم الزراعة في منطقة الحجرية، كتب كلماتها الشاعر القرشي عبد الرحيم سلام، بنفس التقنية التي اشتغل عليها سابقوه، وأداها الفنان الراحل محمد مرشد ناجي، ويخلط الكثيرون في صاحب كلماتها الأصلي، والتي تقول بعض أبياتها:
“وامحل أورد يا وريداني
بالأمل والجد تمسح أحزاني
والطريق اليوم خطوة.. خطوة يا إخواني
يا شقاة اليوم
علو علوا السوم
غطوا جِمش النوم
خيرنا داني”.
التفسير الوحيد لظاهرة الخلط هذه يتصل بانعدام التوثيق الدقيق الذي يصاحب تسجيل وبث الأغاني، إذ كانت تعرض الأغنية بصوت الفنان وصورته دون الإشارة إلى اسم الشاعر (كاتب النص)، ولا اسم الملحن، وإن ارتبطت معظم الأغاني باسم الفنان نفسه كملحن أيضًا. يضاف إلى ذلك أن المرجعيات اللهجوية التي يكتب بها بعض شعراء الأغنية المعاصرين، وتأدية الأغاني من ذات الفنانين، تزيد من نسبة هذا الخلط.
وحتى اليوم أيضًا، هناك من يخلط من المتلقين بين نصوص شعراء الحمينية المعروفين، فتنسب نصوص للقاضي عبد الرحمن الآنسي، وهي لولده أحمد عبد الرحمن، مثل قصيدة (يا غصن لابس قميص أخضر مشجر وطاس)، وقصيدة (حبيب شأ خالف العُذال)، كما يذهب صاحب كتاب (شغر الغناء الصنعاني) د. محمد عبده غانم، والسبب هو التناقل الشفوي للنصوص والحضور الطاغي للقب.
وهو ما ينطبق أيضًا على انتساب قصيدة لأحمد بن محمد عبد الله شرف الدين، وهي لوالده، وهناك قصيدة للقاضي عبد الرحمن الآنسي (الحذر لا يدفع المقدور) تنسب للشاعر بن شرف الدين، وهي في الأصل قصيدة معارضة كتبها الآنسي ردًا على قصيدة (الصبر حصن الفتى والسور)، بسبب تشابه معمار النصين القريب.
كما أن هناك نصوصًا صوفية لشعراء غير يمنيين، مثل ابن سناء الملك، وابن الفارض، وابن النبيه المصري، نُسبت، بحكم التداول اللحني في اليمن، إلى متصوفة يمنيين مختلفين.
Comments are closed.