أنس القاضي: على طريق الانفجار!
تكمن خطورة المرحلة الراهنة في أن القضية اليمنية، التي برزت منذ عام 2011م، وتعقدت بصورة أكبر منذ عام 2015م، أصبحت خارج دائرة الاهتمام الدولي؛ فخلال السنوات الماضية برزت أزمات دولية وإقليمية جديدة استحوذت على اهتمام القوى الكبرى على حساب اليمن.
ومنذ عام 2023م، لم يعد يُنظر إلى اليمن بوصفه ساحة حرب وكارثة إنسانية تتطلب مساعدة، بل انكمشت صورته في المقاربات الدولية إلى دولة فاشلة مضطربة أمنياً يؤثر وضعها سلباً على تجارتهم التي تمر من البحر العربي والأحمر.
ولهذا فإن معظم القوى الخارجية المهتمة باليمن تتعامل اليوم معه انطلاقاً من مصالحها الأمنية والاقتصادية المباشرة، ولم تعد تنظر إليه بوصفه قضية سياسية تحتاج إلى حل متكامل يجب دعمه سياسياً واقتصادياً ورعاية مرحلة انتقالية فيه، بقدر ما تنظر إليه بوصفه ملفاً أمنياً ينبغي ضبط مخاطره.
وفي هذا السياق، تراجع الاهتمام بالقضايا التي تمس اليمنيين مباشرة؛ فمسائل الانتقال السياسي التي نشأت بعد عام 2011، والحرب مع السعودية، ومستقبل الوحدة اليمنية، واحتمالات انقسام البلد، ومسألة بناء الدولة اليمنية، والتسوية السياسية الشاملة، والأزمة الإنسانية والمعيشية، والرواتب، وإعادة الإعمار، هذه القضايا الجوهرية لم تعد تحظى بالأهمية السابقة في أجندة القوى الدولية التي ترعى التسوية اليمنية.
كما شهد الموقف السعودي تحولاً؛ فبدلاً من السعي إلى فرض تسوية شاملة وفق خارطة الطريق، أو مواصلة الحرب بهدف “استعادة الدولة” ــ حد تعبيرهم ــ، انصرف التركيز السعودي إلى الحفاظ على توازن قوى يمنع أي طرف يمني من تحقيق غلبة كاملة، مع الاستمرار في دعم سلطة قائمة في عدن تعتمد بدرجة كبيرة على الرعاية الخارجية دون حل حقيقي للأزمة الاقتصادية والخدمية في هذه المناطق؛ فأقصى ما يحققه الدعم السعودي هو وجود شكلي لحكومة تقدم نفسها بوصفها الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً، يُدعى قادتها إلى المؤتمرات الدولية ويحصلون على نفقات وبدلات سفر!
ويجري كل ذلك ضمن حالة من اللاسلم واللاحرب أبقت الأزمة اليمنية العامة معلقة، من دون تسوية نهائية ومن دون عودة إلى المواجهة الشاملة.
وفي ظل توقف العمليات العسكرية الكبرى منذ العام 2022م وتراجع مستوى التهديد المباشر للمملكة، لا تبدو الرياض مستعجلة لإحداث تغيير جذري في الوضع القائم، ما دام هذا الوضع يحقق قدراً من الاستقرار الأمني على حدودها ويحافظ على أدوات نفوذها داخل اليمن.
هذا الجمود يحمل مخاطر متزايدة على اليمن ومستقبله؛ فهناك أزمة متراكمة انفجرت في عام 2011م، ثم انفجرت مجدداً في عام 2014م، ثم انفجرت مجدداً في عام 2015م، وها هي تتراكم من جديد وتتهيأ لانفجار آخر، وكل انفجار، كما عايشناه، يعقد أزمة اليمن واليمنيين ويجعل من الحياة اليومية في البلد جحيماً.
ومن ثم فإن كسر حالة الجمود في الملف اليمني أصبح ضرورة ومطلوباً من كل اليمنيين لا صنعاء وحدها، سواء عبر مسار سياسي قادر على إنتاج تسوية حقيقية أو عبر تحولات عسكرية ضد السعودية تحرك الملف من جديد، لأن بقاء الوضع الراهن يعني الانفجار النهائي والانقراض الوطني.
Comments are closed.