عبد الرحمن مراد: أيُّ الأرواح تستحق أن تُستصرخ من أجلها الإنسانية؟

منذ أكثر من عقد من الزمان، واليمني يُحرم من حقه الطبيعي في السفر عبر مطار صنعاء، وتُهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، ويسقط الأطفال قتلى في كل بقعة من أرض اليمن، وتُثقل المقابر بأسماء لم تكتمل أعمار أصحابها، فيما يمرّ كثير من هذا الوجع في صمتٍ دوليٍّ وأخلاقيٍّ يكاد يجعل المأساة اليمنية خبرًا عابرًا لا يستحق التوقف.

لكن حين يُقتل فرد واحد، أو يتعرض مطار الرياض للقصف، تستنفر المنابر، وتتصدر البيانات واجهات المشهد، وتُستدعى لغة الإدانة والتحذير، وكأن العالم لا يكتشف فداحة الموت إلا حين يقترب من أبواب بعينها.

لسنا ضد أن يُدان استهداف المدنيين، ولا ضد أن تُصان المطارات، ولا ضد أن تُحمى الأرواح؛ بل نسأل: لماذا لا تكون هذه المبادئ واحدة في كل مكان؟

أليست حياة الطفل اليمني مساوية لحياة الطفل السعودي؟ أليس حق اليمني في السفر والأمان والعيش الكريم حقًا أصيلًا، لا منحةً سياسية ولا امتيازًا تمنحه موازين القوة وتسحبه؟ وبأي منطق يصبح الألم فاجعةً حين يصيب جهة، ويغدو رقمًا هامشيًا حين يصيب جهة أخرى؟

إن جوهر العدالة ليس أن نحزن حين يمسّنا الخطر، بل أن نعترف بحق الآخرين في الحياة حين يكونون هم الضحايا. وليست قيمة الضمير في ارتفاع صوته دفاعًا عن ضحايا دون غيرهم، وإنما في قدرته على أن يكون عادلًا حين تتعارض العدالة مع المصالح، وحين يكون الضحية يمنيًا لا يملك من القوة ما يفرض به حضوره على نشرات الأخبار.

المشكلة ليست في أن يُستنكر قصف مطار الرياض، بل في أن يصبح استنكار قصفه أعلى قيمةً من استنكار سنواتٍ من معاناة اليمنيين. وليست المأساة في أن يتحرك العالم من أجل ضحية، بل في أن يتعامل مع ضحايا آخرين وكأن موتهم أقل شأنًا، ووجعهم أقل استحقاقًا، وحقوقهم قابلةً للتأجيل.

نحن لا نطلب امتيازًا لليمن، ولا نطالب بصمت العالم أمام آلام الآخرين؛ نطالب فقط بألا تكون للإنسانية معايير متعددة، ولا للدماء أوزان مختلفة، ولا للكرامة خرائط تحدد أين تستحق أن تُصان وأين يمكن التغاضي عن انتهاكها.

فإذا كان موت الإنسان جريمة تستوجب الاستنكار، فإن جنسيته لا ينبغي أن تكون شرطًا لاستحقاق ذلك الاستنكار. وإذا كان أمن المطارات حقًا مشروعًا، فإن حق اليمني في السفر عبر مطاره حق مشروع أيضًا. وإذا كانت حماية المدنيين مبدأً إنسانيًا، فلا يجوز أن يتبدل المبدأ بتبدل هوية الضحية أو موقع الجاني.

إن العدالة التي لا ترى اليمني إلا حين يهدد الخطر مصالح الآخرين ليست عدالة مكتملة، والضمير الذي لا يستيقظ إلا حين يكون الضحايا من جهة بعينها ليس ضميرًا كونيًا، بل ضمير تحكمه انتقائية السياسة.

سيبقى السؤال قائمًا أمام العالم: هل نريد إنسانيةً تحمي الإنسان لأنه إنسان، أم إنسانيةً لا ترى في بعض البشر إلا أرقامًا، ولا تسمع أنينهم إلا حين يتردد صداه في عواصم الأقوياء؟

اليمني ليس أقل إنسانيةً من غيره، ودمه ليس أقل حرمةً، وحقه في الحياة والكرامة والسيادة ليس تفصيلًا يمكن للعالم أن يؤجله إلى إشعار آخر.

 

Comments are closed.

اهم الاخبار