الإذلال: حين يصبح العُنف وهماً بالنصر
تقدم روكسان إيوبن في كتابها «مدفوعون للركوع: الإذلال في السياسة المعاصرة» (منشورات جامعة برينتسون) تشريحاً فلسفياً وسيكولوجياً لآليات العنف الاستعراضي، مبيّنةً كيف يتحول طقس إذلال الخصم من انفعال لحظي عابر إلى بنية هيمنة هيكلية تعيد رسم صورة القوة.
تكتسب هذه المقاربة ثقلها التحليلي عبر تفكيك آليات إنتاج السلطة من خلال الصورة، حيث يُوظف الألم الإنساني للأسير كرسالة سياسيّة مشفّرة تخاطب جمهور الأتباع، لتعويض أزمة الغياب الحاد للفاعلية التاريخية والأصالة السياسية.
لدى تقاطعه مع جدلية «السيد والعبد» الهيغلية، يتيح تحليل إيوبن فهماً يتجاوز المشهدية البصرية لظاهرة عنف الإسلام السياسي نحو الإمساك بجوهر التبعية الكامنة في صميمه. يشترط التأسيس الهيغلي لاكتمال وعي «السيد» بسيادته، انتزاع اعتراف من «العبد»، لكن طلب إثبات الاستقلال من ذاتٍ جُرِّدت منه سلفاً لا يمنح الاعتراف المنتزع بالإكراه اليقين المنشود.
يفكك هذا المنظور المعضلة الوجودية للفاعل الراديكالي، إذ يدرك في عمق لاوعيه السياسي، افتقار انتصاراته الميدانية للقوة الذاتية الأصيلة أو التفوق الحضاري، مرجعاً إياها إلى تقاطعات استخباراتية وديناميكيات حروب الوكالة المدارة من عواصم بعيدة.
يدفع هذا الإدراك المأساوي بالفاعل الوظيفي نحو استجلاب «الاعتراف» بشتى السبل العنيفة، مستخدماً القوة المفرطة لترميم هشاشة سيادته المستعارة.
وهكذا يُصنع النصر «أدائياً» في اللحظة التي يُجبر فيها الخصم-النموذج على الركوع أمام الكاميرات، محيلاً الافتقار العميق لمقومات الدولة العضوية إلى «مشاهد سيادة استعراضية» تغدو فيها الشاشات الرقمية فضاءً بديلاً من المؤسسات الغائبة، وتكون فيها مقاطع الإعدامات المصوّرة بعناية سينمائية مصحوبة بالملابس البرتقالية والاستعراضات بالغة القسوة، كقناع مسرحي كثيف يرمي إلى طمس حقيقة ارتهان هذا الفاعل لمراكز القوى العالمية.
يتحول الإذلال في هذا النمط البصري إلى آلية سيكولوجية معقدة لإنتاج وهم امتلاك «سلطة أن تُحيي وتميت»، ما يسهم في تضخيم الذات الراديكالية ومنحها شعوراً موقتاً بالتحكّم المطلق في مصائر الآخرين، مستنداً إلى استعارات ذكورية مكثفة تربط ممارسة السلطة الباطشة بتحقيق الفحولة السياسية. لكنها فحولة تحيل العنف الانتقامي إلى انتصار أجوف بمجرد انكشاف اعتمادها الكلي على أدوات الدعم الخارجي وتوجيهات غرف العمليات، لتغدو مجرد محاولة مستميتة لإقناع الذات المهزومة داخلياً بواقعية هذا النصر المزيف وجدارته التاريخية.
ولهذا، يظل المنتصر مفتقراً باستمرار إلى ضحية جديدة تلعب دور العبد المُنكسر ليتشرب وهم «سيادته» وينتشي بلحظة تفوقه العابرة. وبمجرد انطفاء أضواء الكاميرات، يعود هذا الكيان المتورم انتشاءً بالدم ليعانق قيوده الوظيفية مجدداً، راضخاً كلياً لمعادلات القوى المحركة لمساره، ومجسّداً مأساة كيانات عاجزة عن إنتاج سيادة عضوية ومكتفية باجترار مشاهد إذلال للعزّل تمنحها وهماً بالخلود وسط بحر من الارتهان المطلق.
Comments are closed.