صيفان الحجيري : 26 سبتمبر.. فجرٌ لا ينبغي أن يغيب
في الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، لا نستعيد يومًا عاديًا من أيام التاريخ، بل نستعيد لحظةً مجيدة فارقةً في تاريخ اليمن؛ لحظةً خرج فيها اليمن من عتمة ليلٍ طويل إلى نور فجرٍ جديد، أُعلن فيها الثوار حق الإنسان اليمني في الحرية والحياة، وأن يعيش عزيزًا في وطنه، يرى بلاده تمضي نحو المستقبل بدلاً من أن تظل أسيرةً لحاضرٍ أثقله الجهل والتخلف والفقر والحرمان.
لم يكن اليمن بلدًا ينقصه التاريخ؛ فقد امتلك من الحضارة والأصالة ما لم يملكه غيره. غير أن التاريخ وحده لا يُطعم جائعًا، ولا يداوي مريضًا، ولا يفتح مدرسةً لطفل، ولا يمنح الإنسان أمنًا وكرامة. وكانت المأساة أن بلدًا عريقًا بأرضه وشعبه وحضارته قد أثقلته مظاهر الجور والفاقة والمرض والجهل والخوف، حتى بدت الحياة نفسها وكأنها قد ضاقت على اليمنيين وضاقت بهم.
ثم جاء السادس والعشرون من سبتمبر.
جاء لا ليضيف فصلًا جديدًا إلى كتاب السياسة فحسب، بل ليوقظ سؤالًا أكبر وأعمق: أيحق لليمن أن يعيش كما يليق به أرضًا وإنسانًا وتاريخًا؟
وجاءت الإجابة فعلًا ثوريًا فتح الطريق أمام ميلادٍ جديد؛ ميلادٍ تكون فيه الدولة شأنًا عامًا، والتعليم حقًا لا امتيازًا، والتنمية ضرورةً لا ترفًا، والمواطنة أساسًا للعلاقة بين الإنسان والدولة. ميلادٌ يظل فيه اليمن وطنًا واحدًا موحدًا، تتسع أرضه لجميع أبنائه، تتساوى فيه كرامتهم وحقوقهم.
ومن هنا، فإن ثورة 26 سبتمبر ليست مجرد شاهدٍ نضعه على قبر حكمٍ مضى، ولا ذكرى نستحضرها في مناسبةٍ عابرة، وإنما هي قيمةٌ وطنية، ومسؤوليةٌ متجددة، وتحدٍّ دائم يدعونا إلى مواصلة البناء والتجديد والتحديث في شؤون الحياة كلها.
فقيمة سبتمبر لا تُقاس بما نقوله عنه، وإنما بما نفعله من أجل اليمن، وبما ننجزه وفاءً للتضحيات التي قدمها أولئك الأبطال الذين حلموا بوطنٍ أفضل، وبذلوا أرواحهم فداءً له ولشعبه:
فالحرية التي لا تحمي كرامة الإنسان تظل ناقصة.
والجمهورية التي لا تُقيم دولةً عادلةً تظل اسمًا بلا مضمون.
والتعليم الذي لا يفتح للطفل آفاق المستقبل لا يؤدي رسالته.
والتنمية التي لا تنعكس على حياة الناس وتُحسّن أوضاعهم تظل أرقامًا وحبرًا على ورق.
ولهذا، فإن الوفاء لسبتمبر لا يكون بمجرد التغني به، وإنما بتحويل قيم ومبادئ الثورة إلى عملٍ حاضرٍ ومسؤوليةٍ مستقبلية؛ وأن نلتقط من ذلك الفجر قبسًا يضيء ولا يحرق، ونارًا من العزم تطفئ اليأس، وتنير الطريق، وتُعيد إلى الإنسان اليمني ثقته بأن هذا البلد—مهما أثقلته الحروب والصراعات والمحن—قادرٌ على أن ينهض من جديد.
إن السادس والعشرين من سبتمبر يعني أن اليمن لم يُخلق ليكون هامشًا في كتاب التاريخ، وأن شعبه لم يُخلق ليعيش رهينةً للفقر والخوف والاستبداد، وأن حق اليمنيين في حياةٍ حرةٍ كريمةٍ وآمنة ليس حلمًا مؤجلًا، بل مسؤوليةٌ حاضرة تتجدد كل يوم مع كل جيل.
إن ثورة 26 سبتمبر ينبغي أن تتحول من ذكرى إلى عهد، ومن احتفال إلى مسؤولية، ومن ماضٍ نرويه إلى مستقبلٍ نصنعه؛ مستقبلٍ تكون فيه الدولة أقوى من الفوضى، والقانون أسمى من القوة، والمواطنة أوسع من الانتماءات الضيقة، والإنسان هو غاية التنمية ووسيلتها.
وفي ذكرى سبتمبر، لا نحتاج إلى استعادة الماضي فقط، بل إلى استعادة القدرة على الحلم والعمل؛ فالأوطان لا تنهض بالذكريات وحدها، وإنما تنهض حين تتحول القيم إلى مؤسسات، والأحلام إلى سياسات، والتضحيات إلى برامج ومسؤوليات، والإيمان بالمستقبل إلى عملٍ لا يتوقف.
رحم الله شهداء ثورة 26 سبتمبر، ورحم كل من ضحى من أجل اليمن وطنًا وشعبًا.
حفظ الله الوطن.
حفظ الله اليمن.
Comments are closed.