د. علي الرحبي: من يبكي على مكة وباع فلسطين؟

في مشهد يتكرر كلما ضاق الخِناق على الرياض، خرج المتحدث باسم التحالف السعودي، تركي المالكي، ليزفّ للعالم خبراً مفاده أن الدفاعات الجوية السعودية اعترضت “مسيّرة حوثية” كانت في طريقها إلى مكة المكرمة، وأنها “محاولة عدائية وإرهابية” لاستهداف “مهبط الوحي وأرض الرسالة” . وبينما هرعت وسائل الإعلام السعودية إلى تضخيم الحدث، وتبارت منظمة التعاون الإسلامي وبعض العواصم في إدانة “الاعتداء الآثم” ، كان السؤال المشروع الذي يفرض نفسه: أين الدليل؟

لا صورة للمسيّرة المزعومة، ولا مقطع فيديو لعملية الاعتراض، ولا حتى بيانات رادار أو صور أقمار صناعية تثبت أن طائرة واحدة حلّقت في تلك الأجواء. كل ما قُدّم هو بيان مكتوب من رجل واحد، تحوّل إلى “حقيقة” بمجرد نشره. وفي المقابل، خرجت أنصار الله بسرعة لتنفيذ ما هو معتاد في مثل هذه المواقف: نفي قاطع، ووصف للرواية السعودية بأنها “كذبة ممجوجة استُهلكت سابقاً”.

لكن المشكلة ليست في النفي اليمني، فالطرفان في حالة حرب، ومن حق كل منهما أن يقدّم روايته. المشكلة الحقيقية تكمن في أن النظام السعودي يريد من العالم الإسلامي أن يصدّقه لمجرد أنه قال، بينما هو نفسه لم يقدّم أي دليل مادي على ادعائه. بل إن تفاصيل الرواية نفسها تحمل تناقضاً يفضحها: فقد قيل إن الاعتراض جرى “جنوب مكة” على مسافة 25 إلى 30 كيلومتراً من الحرم، وأنه لم تصدر إنذارات للسكان لأن الاعتراض وقع “خارج النطاق الجغرافي للسكان” . فكيف لطائرة مسيّرة، وهي بطبيعتها بطيئة ومنخفضة الطيران، أن تعبر مئات الكيلومترات من الأراضي اليمنية والسعودية دون أن تُرصد إلا في اللحظة الأخيرة قبل مكة؟ وكيف لمنظومة دفاع جوي تمتلك أحدث أنظمة “الباتريوت” و”ثاد” أن تعجز عن تقديم دليل واحد على اعتراض هدف واحد؟.

ثم إن السؤال الأكبر: لماذا هذه الضجة الهستيرية حول “استهداف مكة” بالذات؟ ولماذا يصرّ النظام السعودي على استدعاء قدسية الحرمين الشريفين في كل مرة يريد فيها حشد التأييد ضد خصومه؟ الجواب بسيط ومخزٍ في آن: لأن النظام السعودي يعرف أن أوراقه السياسية والأخلاقية محروقة، وأنه لم يعد يملك أي رصيد حقيقي في وجدان المسلمين، فيلجأ إلى استغلال المقدسات كورقة أخيرة.

هذا النظام نفسه هو الذي لم يراعِ حرمة مكة حين قرّر أن يستقبل العاهرات ويقيم المراقص والخمور على بعد كيلومترات من الكعبة. وهو نفسه الذي أهدى كسوة الكعبة المشرفة إلى مجرم مثل جيفري إبستين، وسلّم مفتاح باب الكعبة لممثلة مصرية، في مشاهد لا تليق بأقدس بقعة على وجه الأرض. فكيف لمن يبيع قدسية الحرمين في المزادات الشخصية أن يتصدّر المشهد اليوم مدافعاً عن حرمة مكة

والأدهى من ذلك كله أن النظام السعودي الذي يتباكى اليوم على “تهديد” مكة لم يحرّك ساكناً عندما كانت غزة تُقصف ليلاً ونهاراً، ولم يفتح ممراً واحداً لإيصال الغذاء والدواء لأطفالها الذين يموتون جوعاً وعطشاً. بل الأكثر من ذلك، فتح النظام السعودي الطرق البرية لكسر الحصار الذي فرضته القوات اليمنية على إسرائيل، وعمل على إدخال البضائع إلى الكيان الصهيوني عبر شاحنات سعودية تعبر معبر الملك الحسين الحدودي، في خطوة وثقتها وسائل الإعلام العبرية نفسها ووصفتها بأنها “حل” إسرائيلي لتفادي الحصار اليمني. بينما شعب فلسطين في غزة يُباد ويُجوَّع، كان النظام السعودي يحرس حدود إسرائيل الاقتصادية ويسهّل لها الممرات البرية.

هذا هو الجلاد الذي يذرف دموع التماسيح على مكة. كيان قائم على القتل، وسفك الدماء في شعوب المنطقة قتل أكثر من مائتي ألف من اليمنيين بين شهيد وجريح منذ 2015، ويحاصر مطار صنعاء ويمنع الأدوية واللقاحات عن مرضى الفشل الكلوي والسكري، ثم عندما يرد اليمنيون على العدوان ويضربون مواقع أرامكو ومنشآته النفطية، يصرخ ويستغيث بمشاعر المسلمين.

إن من يريد أن يستغل قدسية مكة لتمرير رواياته الكاذبة، عليه أولاً أن يقدّم الدليل. وإلا فإن كلامه يبقى مجرد دعاية حرب، وابتزازاً سياسياً، ومحاولة يائسة لاستدرار عطف العالم الإسلامي بعد أن خسر كل شيء. وعلى الشعوب المسلمة ألا تنجرف وراء كل بيان سعودي، وأن تتذكر دائماً: من يبيع فلسطين لا يمكن أن يحمي مكة.

Comments are closed.

اهم الاخبار