غريبة الديار في حضرة الجارات

اعتماد منير

لم يعد الزواج شراكة بين قلبين فحسب، بل تحول في نظر بعض مجتمعاتنا إلى قضية جغرافية، فما إن يقرر شاب الارتباط بفتاة من خارج محافظته أو مدينته، حتى تبدأ محاكم التفتيش المجتمعية بالانعقاد، وتكون الجلسة الأولى والأقسى في مجالس النساء.

يبدأ الأمر في أحيان كثيرة قبل أن تطأ قدم العروس الجديدة عتبة المكان، إذ يسبقها جدار سميك من الشائعات والأحكام المسبقة في مجالس النساء. فتنتشر الأقاويل الملفقة: إحداهن تؤكد أنها “أكبر سنًا”، وأخرى تجزم بأن ملامحها خالية من الجمال، وثالثة تطلق وصفًا قاسيًا يتعلق بلون بشرتها أو شكلها، وكأن المجتمع قد نصب نفسه لجنة تقييم جمالي وإنساني صارمة لمن لم يرينها بعد.

لكن المفارقة العبثية والواقع الصادم يظهران جليًا يوم الزفاف؛ حين تتقاطر النساء لحضور العرس بعين الفاحص المتعجرف، لتنصدم عيونهن بواقع مغاير تمامًا لما تخيلنَ أو روجنَ؛ إذ يجدن أمامهنّ فتاة جميلة، لطيفة، ولا تشوبها شائبة، وراقت لزوجها الذي اختارها بقناعة كاملة، بل وحتى أهله المقربون رضوا بها وأحبوها. ورغم هذا السقوط لتلك الشائعات، لا يعتذر المجتمع عن ظلمه، بل يتحول صمت النساء الفجائي إلى همز ولمز جديد يترصد أي تفصيل عابر.

تتحول التفاصيل الصغيرة مثل طريقة طهي الأكل، أو نبرة الصوت، أو حتى اختيار الألفاظ، إلى مادة خصبة للملاحقة والتعييب المستمر. وكأن المطلوب من الفتاة ألا تكون إنسانة طبيعية تتعلم وتتأقلم، بل نسخة مكررة تمامًا ممن سبقنها في محيط العائلة، وإلا فإنها ستواجه عزلاً نفسياً وملاحقة لا تنتهي بنظرات الاستعلاء والنقد.

الخطير في الأمر أن هذا التنمر المستمر يترك شرخًا نفسيًا عميقًا، وخصوصًا عندما تجد الفتاة نفسها محاصرة بتعصب ونفور جماعي وهي بريئة من كل ما رُوّج عنها. وبينما يقف الشاب والأسرة المقربة راضين ومقتنعين تمامًا بهذا الاختيار، يظل المحيط الخارجي يمارس هواية النميمة والتدخل في حياة لا تخصه.

المجتمعات التي تختلق الأكاذيب لتبرير رفضها للاختلاف هي مجتمعات تعاني من انغلاق فكري. فالروابط الإنسانية الحقيقية تُبنى بالقبول والاحترام لا بالأسوار الحدودية والشائعات، وحان الوقت لندرك أن القلوب لا تتقيد بالخريطة، وأن الاحترام الحقيقي يبدأ حين نكف عن محاكمة الناس في غيبتهم.

 

 

Comments are closed.

اهم الاخبار