موعد مع الحشد الاعظم .. المولد النبوي يوحّد الساحات ويشعل موجة تحشيد عارمة

 الوحدة:

لم يعد المولد النبوي الشريف مناسبة تنتظر يومها المحدد حتى تبدأ مظاهر الاحتفال؛ فمنذ منتصف شهر صفر، أخذت المدن والقرى والأحياء تستعد للمناسبة، فيما تحولت مؤسسات الدولة والسلطات المحلية والقطاعات الاجتماعية والثقافية والتربوية إلى ورش عمل مفتوحة لإعداد برنامج واسع يمتد من العاصمة صنعاء إلى المديريات والعزل والقرى.

إنها مناسبة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، وتتحول فيها ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى مساحة واسعة للتعبير عن الفرح والانتماء واستحضار السيرة النبوية.

وفي الخطاب الرسمي، لا تُقدَّم المناسبة باعتبارها احتفالاً عابراً، بل محطة سنوية لاستحضار الرسول وسيرته وقيمه ومواقفه.

وفي هذا السياق، يقول قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي: «إن إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف هو إحياء لذكرى أعظم نعمة أنعم الله بها على البشرية»، مؤكداً أن المناسبة تمثل فرصة لاستلهام الهداية والقيم التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وهكذا، فإن المشهد الذي يتشكل في الشوارع والساحات والمدارس والمؤسسات ليس وليد أيام قليلة، وإنما نتيجة مسار يبدأ مبكراً ويتسع تدريجياً، حتى يصل إلى ذروته في الثاني عشر من ربيع الأول.

شبكة احتفالات

في الخطاب الرسمي في صنعاء، لا يبدو الاحتفال فعالية مركزية منفردة، وإنما مساراً متدرجاً يبدأ بالأنشطة المحلية والأمسيات والفعاليات الثقافية، ويتسع يوماً بعد آخر، قبل أن يبلغ ذروته في الاحتفال المركزي.

وتكشف الاستعدادات الجارية لذكرى المولد النبوي الشريف 1448هـ عن محاولة واضحة لإعادة إنتاج المناسبة على امتداد المجتمع كله: مؤسسات حكومية تضع خططها، ووسائل إعلام تستعد للمواكبة، وسلطات محلية تنسق الفعاليات، وقطاعات نسائية وشبابية وتربوية وثقافية تدخل على خط التحضير، فيما تتكفل الأحياء والقرى والمجالس الاجتماعية بجانب واسع من الحضور الشعبي.

وخلال الأيام الأخيرة، لم تهدأ عجلة التحشيد، بل ازدادت اتساعاً. ففي أمانة العاصمة استمرت الأمسيات والندوات في مديريات الأمانة، بينما تواصلت الفعاليات في محافظة صنعاء في بني حشيش والحيمة الداخلية وجحانة وغيرها.

وفي الحديدة استمرت الأمسيات في المديريات، كما دخلت مؤسسات حكومية وقطاعات خدمية في برنامج الاحتفاء.

وهكذا تبدو الصورة من بعيد كأنها احتفال واحد، لكنها في الحقيقة شبكة واسعة من الاحتفالات الصغيرة التي تتجمع تدريجياً لتصنع المشهد الكبير.

التحشيد الرسمي

منذ وقت مبكر، بدأت مؤسسات الدولة في صنعاء التعامل مع المولد النبوي باعتباره مناسبة تحتاج إلى إعداد مؤسسي واسع.

ولم يقتصر الأمر على جهة واحدة، بل امتد إلى قطاعات الإعلام والتربية والأوقاف والسلطات المحلية والمؤسسات الحكومية والهيئات المجتمعية.

فوزارة الإعلام دشنت الخطة الإعلامية الخاصة بإحياء ذكرى المولد النبوي للعام 1448هـ، في اجتماع موسع شاركت فيه المؤسسات والوسائل الإعلامية الحكومية والخاصة، بهدف وضع آليات التغطية والمواكبة والمهام التنفيذية للمرحلة المقبلة.

هذه الخطوة تكشف أن الحضور الإعلامي للمناسبة لا ينتظر يوم الاحتفال، بل يبدأ منذ مرحلة التحضير، لتتحول الأسابيع السابقة إلى مادة إعلامية متواصلة ترصد الفعاليات والأنشطة وتتابع حركة الاستعداد في المحافظات.

وتتوزع المهمة بين الأخبار والتقارير والصور والفلاشات والمواد التلفزيونية والإذاعية والحملات الإلكترونية، بما يجعل المناسبة حاضرة في وسائل الإعلام قبل أن تصل إلى ذروتها الجماهيرية.

وفي الوقت نفسه، تتحرك السلطات المحلية في المحافظات والمديريات لإعداد البرامج الخاصة بها، وتنسيق الفعاليات، ومتابعة مشاركة القطاعات المختلفة.

قناة المولد تفتح نافذة فضائية جديدة والشاشة تلتحق بالساحات لمواكبة الحراك المتصاعد والفعاليات المتواصلة

وهنا يظهر التحشيد الرسمي بوصفه عملية متدرجة تبدأ من المركز، لكنها لا تتوقف عنده.

مهرجان الرسول الأعظم

وفي صنعاء، افتتحت الدورة الـ13 من مهرجان الرسول الأعظم للإبداع الفني والثقافي، متضمنة مسابقات في الإنشاد والشعر وعروضاً فنية ومسرحية تستحضر السيرة النبوية ومحطات من حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وشهد اليوم الأول إقبالاً وتفاعلاً جماهيرياً، فيما قدمت لوحة «نور الله» مشاهد من السيرة والغزوات وفتح مكة، إلى جانب مشاركات إنشادية وتمثيلية وفلاشات فنية. ويواصل المهرجان، الذي شكل على مدى 12 عاماً منصة للمبدعين، فعالياته ومسابقاته ضمن موسم الاحتفاء بالمولد النبوي.

التربية

القطاع التربوي يحتل موقعاً خاصاً في التحضير للمولد، باعتباره أحد أكثر القطاعات اتصالاً بالمجتمع.

وخلال الأيام الأخيرة، استمرت الأنشطة التربوية في مديريات محافظة صنعاء، ومنها الطيال وهمدان وبني حشيش، حيث نظم القطاع التربوي فعاليات ثقافية مرتبطة بالمناسبة.

كما بدت المدارس الحكومية والأهلية في محافظة صنعاء جزءاً واضحاً من المشهد، مع استمرار الأنشطة المرتبطة بالمولد منذ منتصف شهر صفر.

وهنا تظهر إحدى أهم خصائص التحشيد الرسمي للمولد: فهو لا ينتظر يوم المناسبة، بل يبدأ قبلها بأسابيع، ويحول الفترة السابقة إلى سلسلة من الفعاليات التي تهيئ المجتمع للموعد المركزي.

فالمدرسة لا تصبح مجرد مكان للتعليم، وإنما مساحة لنشاط ثقافي أو إنشادي أو إذاعي أو احتفالي، فيما يدخل الطلاب في أجواء المناسبة من خلال البرامج والفعاليات.

وبذلك يصبح القطاع التربوي جسراً يصل المناسبة إلى جيل جديد، ويجعل الاحتفال جزءاً من البيئة المدرسية قبل الوصول إلى الساحات.

وفي هذا الاتجاه، أقر لقاء تحضيري برئاسة وزير التربية والتعليم والبحث العلمي حسن الصعدي البرامج والأنشطة التربوية الخاصة بالمناسبة، مؤكداً ضرورة الإعداد الجيد لمختلف الفعاليات، وقال: «ضرورة الإعداد والتحضير الجيد لمختلف برامج وأنشطة وفعاليات إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف للعام الهجري 1448هـ بما يليق بعظمة المناسبة ويجسد حب اليمنيين وتعلقهم بالرسول الأعظم».

ولم يقف حديث الوزير عند الجانب الاحتفالي، إذ حث على أن تتضمن الفعاليات إحياء السيرة النبوية ومواقفه، قائلاً: «والتحشيد للمشاركة في الفعاليات والأنشطة التحضيرية للمولد النبوي الشريف وصولاً للفعالية المركزية».

وفي فعالية وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي قال الصعدي إن المناسبة تستحضر «ميلاد خير البرية من أخرج الله به الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية»، فيما أكد وزير الصحة والبيئة الدكتور علي شيبان حرص الشعب اليمني على الاحتفاء بالمولد والاقتداء بالنبي في الأقوال والأفعال.

صنعاء في قلب الموجة الأحياء والمديريات والمحافظات تتحرك تدريجياً باتجاه المشهد الجماهيري الأكبر

أما نائب وزير التربية والتعليم والبحث العلمي الدكتور حاتم الدعيس، فذهب إلى ربط المناسبة بما يسميه الخطاب الرسمي الهوية الإيمانية والثقافية، معتبراً أن إحياءها أصبح «مظهراً من مظاهر الهوية الإيمانية والثقافية وتعبيراً عن محبة راسخة لرسول الله واعتزازاً بالقيم التي جاء بها».

الجامعات

ولا تتوقف المشاركة عند المدارس.

فالجامعات والمؤسسات التعليمية العليا تدخل هي الأخرى في برنامج الاحتفاء، عبر الندوات والفعاليات الثقافية والأنشطة الطلابية.

وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة لأنها تضيف فئة الشباب والطلاب إلى المشهد، وتمنح المناسبة بعداً ثقافياً وفنياً يتجاوز الشكل التقليدي للأمسيات الخطابية.

كما أن الأنشطة الثقافية والفنية المرتبطة بالمولد تفتح المجال أمام الشعر والإنشاد والفنون والمنافسات، وهو ما يظهر أيضاً في مهرجان الرسول الأعظم للإبداع الفني والثقافي، الذي يتضمن مسابقات في القرآن والشعر والإنشاد للكبار والأشبال.

وهكذا لا يُبنى الحشد فقط على الدعوة إلى الساحات، وإنما يجري خلق موسم ثقافي كامل يسبق الاحتفال المركزي.

قناة المولد

ومن أبرز المستجدات التي طرأت على المشهد إطلاق قناة المولد النبوي الفضائية، لتكون منصة إعلامية مخصصة لمواكبة أجواء المناسبة وفعالياتها، وتقديم برامج واستوديوهات خاصة بالمناسبة، فيما أعلنت القناة عن محتوى متنوع يواكب الفعاليات.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تضيف بعداً جديداً إلى عملية التحشيد الإعلامي؛ فالمناسبة لم تعد حاضرة فقط في الأخبار والتقارير التي تنقلها وسائل الإعلام المختلفة، وإنما أصبح لها منبر فضائي مخصص يواكب موسم المولد وفعالياته.

وأعلنت منصة مهرجان الرسول الأعظم أن «قناة المولد النبوي» ستكون نافذة خاصة بالمناسبة، في رحلة إعلامية تمتد من 17 صفر إلى 30 ربيع الأول، بما يجعلها جزءاً من موسم المولد لا مجرد قناة تبث خلال يوم الاحتفال المركزي.

وبذلك تنتقل المناسبة من الساحة إلى الشاشة، وتصبح الفعاليات المحلية قابلة للوصول إلى جمهور أوسع خارج المكان الذي تقام فيه، وهو ما يعزز الحضور الإعلامي للمولد بالتوازي مع اتساع الحراك الميداني.

وتكتسب القناة أهميتها تحديداً من توقيت ظهورها؛ إذ تأتي في وقت تتسع فيه دائرة الفعاليات، لتوفر شاشة متخصصة تتابع هذا الحراك وتجمع تفاصيله المتفرقة في مشهد إعلامي واحد.

أمانة العاصمة

العاصمة صنعاء هي مركز الثقل في الاحتفال المركزي، ولذلك تبدو فيها ملامح التحضير أكثر وضوحاً.

لكن اللافت أن التحضير لا يبدأ من الساحة المركزية، وإنما من المديريات والأحياء.

ففي الأيام الأخيرة شهدت مديرية السبعين أمسيات احتفالية، كما أقيمت في شعوب أمسيات وندوة ثقافية، وتواصلت الأنشطة في مديرية معين وبقية الأحياء والمديريات.

هذه الفعاليات المتعددة تكشف أن صنعاء نفسها تتحرك عبر شبكة من الأنشطة المحلية التي تسبق المشهد المركزي.

فكل مديرية تدخل في البرنامج، وكل حي يتحول إلى نقطة نشاط، وكل فعالية تضيف جمهوراً جديداً إلى المناسبة.

وفي النهاية تتجمع هذه الدوائر حول الفعالية المركزية التي تمثل الذروة الجماهيرية.

المحافظات

ومن الخطأ النظر إلى احتفال المولد باعتباره حدثاً صنعانياً فقط.

فالفعاليات تتوزع على محافظات عدة، وتظهر الأخبار اليومية اتساع رقعة النشاط في الحديدة وإب والبيضاء وحجة والمحويت ومحافظات أخرى، إلى جانب محافظة صنعاء وأمانة العاصمة.

وفي الحديدة، استمرت الأمسيات الاحتفالية في المديريات، فيما نظمت فروع المؤسسة العامة للاتصالات والهيئة العامة للبريد وشركة تيليمن والوحدة التنفيذية للمشاريع أمسية خاصة بالمناسبة.

وفي البيضاء نظم فرع البنك المركزي اليمني فعالية خطابية بالمناسبة.

ويتسع نطاق التحشيد لإحياء المولد النبوي الشريف في إب وذمار وحجة والضالع، مع انتقال الفعاليات من مراكز المحافظات والمديريات إلى العُزل والجامعات والمنابر، بالتزامن مع اقتراب الموعد المركزي.

في إب، امتدت الفعاليات إلى عُزل ومديريات عدة، فيما شهدت جامعة جبلة للعلوم الطبية والصحية ومستشفاها الجامعي فعالية خطابية وثقافية بالمناسبة، إلى جانب استمرار الأنشطة في المخادر والمشنة وفرع العدين والسبرة وغيرها.

أما ذمار، فبرز فيها مسار العلماء والخطباء؛ إذ عقد مكتب الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد لقاءً موسعاً للعلماء والخطباء والمرشدين، بالتزامن مع فعاليات مؤسسية ورياضية، بما يعكس تعدد مسارات التحشيد في المحافظة.

وفي حجة، يتخذ الحراك بعداً تنظيمياً ودينياً متزامناً، مع لقاءات لعلماء وخطباء المحافظة، إلى جانب استمرار الفعاليات في المديريات، بما يدفع المحافظة تدريجياً نحو الاستعداد للفعالية المركزية.

وتقدم الضالع نموذجاً أكثر وضوحاً لانتقال التحشيد من الفعالية المحلية إلى تجهيز الساحة؛ فقد شهدت عزلة ضوران بمديرية الحشاء فعالية خطابية، كما أقيمت أمسيات في مربع قاع الأحذوف، وشاركت قطاعات تربوية ونسوية ومؤسسات حكومية في أنشطة بالمناسبة.

والضالع دخلت مرحلة التحضير الميداني للفعالية المركزية؛ إذ جرى في مديرية دمت تفقد أعمال تجهيز وتسوية ساحة «الرسول الأعظم» المخصصة للمهرجان الاحتفالي بالمولد.

ولا يقتصر الحراك على المحافظات المذكورة؛ ففي المحويت تواصلت الفعاليات التربوية والثقافية، وشهدت مديرية جبل المحويت مسيراً وعرضاً طلابياً بالمناسبة، فيما تتواصل الأنشطة في صعدة، بينها فعاليات ووقفات في غمر، وأخرى لمكتب الصحة ومركز التأهيل الحركي. وفي الحديدة تتواصل الأمسيات في المديريات، بينما شهدت حجة أمسيات وفعاليات متعددة، إلى جانب مبادرة للإفراج عن عدد من السجناء المستحقين بمناسبة المولد. كما تستمر الأنشطة في الضالع وتعز ومأرب، بما يؤكد اتساع خارطة الاحتفاء وتوزعها على المحافظات والمديريات والعزل.

وهذا الانتشار الجغرافي يمنح المناسبة طابعاً واسعاً، ويجعل الاحتفال المركزي في صنعاء خلاصة لحراك بدأ في مناطق كثيرة.

العلماء والمنابر

لم تعد التحضيرات لإحياء المولد النبوي الشريف تقتصر على المؤسسات الحكومية والسلطات المحلية والفعاليات الشعبية، بل دخل العلماء والخطباء والمرشدون بصورة أكثر وضوحاً على خط التعبئة، بالتزامن مع اتساع الفعاليات ودخول شهر ربيع الأول واقتراب موعد الاحتفال المركزي.

وفي أحدث مشاهد هذا الحراك، تتواصل الأمسيات والفعاليات في أمانة العاصمة والمحافظات، فيما تتحول اللقاءات الخاصة بالعلماء والخطباء إلى محطات لتنسيق الخطاب الديني والإرشادي وحشد المشاركة في الفعاليات المرتبطة بالمناسبة.

ففي الحديدة، عُقد لقاء موسع لعلماء وخطباء المحافظة، جرى خلاله بحث التحضيرات لفعاليات المولد، وتعزيز دور العلماء والخطباء في توجيه المجتمع ومواكبة الأنشطة المرتبطة بالمناسبة.

وقال نائب رئيس الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد العلامة الدكتور فؤاد ناجي إن إحياء المولد يمثل «مناسبة إيمانية لتجديد الارتباط بمنهجه، واستلهام قيمه وأخلاقه في مختلف شؤون الحياة»، معتبراً أن المناسبة تجسد الهوية الإيمانية وتعزز التلاحم المجتمعي.

أما أمين عام رابطة علماء اليمن العلامة طه الحاضري، فأكد أن العلماء يحملون مسؤولية بيان الحقائق وتعزيز الوعي، داعياً إلى استثمار المناسبة في «تعزيز القيم الإسلامية، وترسيخ روح المسؤولية والعمل لخدمة المجتمع».

بدوره، قال مسؤول وحدة العلماء والمتعلمين بمحافظة الحديدة الشيخ علي صومل إن المرحلة الراهنة تضع على عاتق العلماء والخطباء «مسؤولية مضاعفة في توحيد الخطاب الديني، وتعزيز الوعي والبصيرة، وترسيخ قيم التماسك والتكافل».

وفي كلمة العلماء، ركز الشيخ محمد عاموه على الجانب القيمي للمناسبة، معتبراً مولد الرسول محطة لاستحضار «القيم المحمدية في الرحمة والعدل والصبر والثبات»، والدعوة إلى جعل المناسبة فرصة لترسيخ المحبة والتآخي والتكافل بين أبناء المجتمع.

دخول العلماء والخطباء بهذا الشكل يضيف إلى التحشيد مساراً مختلفاً عن النشاط الحكومي أو الشعبي؛ فالمنابر والمساجد تتحول إلى وسيلة للوصول إلى جمهور واسع بصورة يومية، وربط المناسبة بالسيرة النبوية والقيم الدينية.

وفي لقاء علماء وخطباء الحديدة، جرى التأكيد صراحة على أن اللقاءات تمثل منطلقاً لتنسيق الجهود الإرشادية والتوعوية خلال المرحلة المقبلة، بما يعزز حضور المنابر في خدمة المجتمع وإنجاح فعاليات المولد.

تحشيد شعبي

إذا كان التحشيد الرسمي يرسم الإطار العام، فإن التحشيد الشعبي هو الذي يمنح المناسبة شكلها اليومي.

ففي الأحياء والقرى لا تحتاج المناسبة إلى منصة مركزية ضخمة حتى تبدأ.

يكفي أن تتزين الشوارع، وأن ترفع الرايات، وأن تبدأ الأمسيات والفعاليات، وأن يجتمع أبناء الحي، لتبدأ عجلة الاحتفال بالدوران.

وخلال الأيام الأخيرة ظهرت أمثلة عديدة على هذا النوع من النشاط.

في بني حشيش، تواصلت الأمسيات الثقافية في أكثر من موقع. وفي جحانة أقيمت أمسية ثقافية بالتنسيق بين وحدة العلماء والمتعلمين والتعبئة.

الحشد لا يولد في يوم واحد موجة تتشكل من مئات الفعاليات وتتجه تدريجياً نحو الساحة المركزية

وفي الحيمة الداخلية نظمت السلطة المحلية والتعبئة والقطاع التربوي فعاليات مركزية وأمسيات.

وفي مديرية الجبين بمحافظة ريمة، دشنت فعاليات المولد بمسير وتطبيق قتالي، في صورة تكشف كيف تمتد الفعاليات إلى أشكال مختلفة من النشاط المحلي.

هذه التفاصيل الصغيرة هي جوهر التحشيد الشعبي.

فالمناسبة لا تنتظر دعوة واحدة من مركز المحافظة، بل تتشكل من عشرات ومئات المبادرات المحلية التي تتقاطع في موعد واحد ورمز واحد.

الأمسيات

الأمسيات الثقافية والخطابية واحدة من أكثر الأدوات انتشاراً في التحضير للمولد.

فهي تجمع بين الكلمة والإنشاد والشعر والحديث عن السيرة النبوية، ويمكن تنظيمها في مدرسة أو مسجد أو حي أو مجلس اجتماعي.

والميزة الأساسية لهذا الشكل أنه قابل للتكرار والانتشار، ولا يحتاج إلى الإمكانات التي تحتاجها الفعاليات المركزية.

ولهذا يمكن أن تقام عشرات الأمسيات في المديريات خلال الفترة نفسها، بحيث يتحول النشاط المحلي إلى موجة متواصلة.

تظهر في الأخبار الرسمية سلسلة من الأمسيات في صنعاء والمحافظات، بما يؤكد أن النشاط لا يتجه إلى الانحسار، وإنما يتصاعد كلما اقترب موعد المناسبة.

النساء

الحضور النسائي يمثل مساراً موازياً في عملية التحضير.

فالنساء يشاركن في الفعاليات الخاصة والأنشطة الثقافية والاجتماعية، وتتحول المناسبة من الساحة العامة إلى الأسرة والحي.

وهذا النوع من المشاركة مهم لأنه يجعل الاحتفال حاضراً داخل المنزل أيضاً.

فالزينة والإنارة والرايات والأنشطة الأسرية تضيف بعداً آخر للمناسبة، وتجعلها جزءاً من الحياة اليومية قبل يوم الاحتفال المركزي.

كما أن تنظيم الفعاليات النسائية يوسع قاعدة المشاركة، بحيث لا تبقى المناسبة مرتبطة بالفعاليات العامة فقط.

الزينة

ربما تكون الزينة أكثر مظاهر المولد التصاقاً بالحياة اليومية.

فالمناسبة لا تظهر فقط في الساحات، وإنما في الشوارع والأحياء والمنازل والمحلات والمساجد.

وفي التجارب السابقة شملت خطط المحافظات تنفيذ ما عُرف بإعلام الشارع، من لافتات وشعارات وزينة وأعلام، بالتوازي مع تجهيز الساحات وإقامة الفعاليات.

وهذا الجانب يمنح المولد بعداً بصرياً شديد الوضوح.

فالمدينة التي تتزين قبل المناسبة بأيام تبدو وكأنها تدخل تدريجياً في أجواء الاحتفال.

شارع بعد شارع، وحارة بعد حارة، حتى يصبح المشهد العام مختلفاً عن الأيام العادية.

الأطفال

لا يقتصر التحشيد الشعبي على الكبار.

فالأطفال والشباب حاضرون في المسابقات الثقافية والإنشاد والفعاليات المدرسية.

وتبرز هنا مسابقات مهرجان الرسول الأعظم التي تشمل تلاوة القرآن والشعر والإنشاد للكبار والأشبال، بما يفتح المجال أمام المواهب الصغيرة للدخول في المشهد.

وهذا الجانب مهم من الناحية الثقافية، لأن الاحتفال لا يكتفي باستدعاء الماضي، وإنما ينتج أنشطة ومواهب جديدة مرتبطة بالمناسبة.

فالطفل الذي يشارك في الإنشاد، والشاب الذي يقدم قصيدة أو عملاً فنياً، لا يظهر بوصفه متفرجاً، بل يصبح جزءاً من عملية إنتاج الاحتفال.

الرياضة

ومع اتساع برنامج الفعاليات، تدخل الأنشطة الرياضية أيضاً ضمن موسم المولد.

فقد شهدت بعض المحافظات تنظيم بطولات رياضية مرتبطة بالمناسبة، وهو ما يخرج الاحتفال من الشكل التقليدي للفعالية الخطابية.

الرياضة تدخل على الخط، كما يدخل الفن والشعر والإنشاد والمسابقات.

وبذلك يصبح الموسم أكثر تنوعاً، ويستقطب فئات مختلفة من المجتمع.

المؤسسات

الحضور الرسمي لا يقتصر على الوزارات والسلطات المحلية.

فالمؤسسات الحكومية نفسها أصبحت تنظم فعالياتها الخاصة.

ودخل مجلس النواب على خط التحشيد للمولد النبوي، بإقامة فعالية خطابية في صنعاء بحضور رئيس المجلس يحيى علي الراعي، أكد خلالها نائب رئيس المجلس عبدالرحمن حسين الجماعي أهمية إحياء المناسبة واستلهام قيم الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قائلاً: «إننا اليوم نحتفي بمولد النبي الكريم ونستلهم أعظم الدروس في التضحية والفداء من خلال الاقتداء بالقيم التي جاء بها»، داعياً إلى المشاركة في الفعالية المركزية في 12 ربيع الأول. وبذلك ينضم المجلس إلى سلسلة المؤسسات الرسمية التي ترفع وتيرة الاستعداد للمناسبة.

وفي الحديدة، على سبيل المثال، شاركت مؤسسات وقطاعات خدمية في أمسية احتفالية بالمناسبة، فيما شهدت البيضاء فعالية في فرع البنك المركزي اليمني.

وهذا يوضح مدى انتشار البرنامج.

مؤسسة حكومية هنا، جامعة هناك، مدرسة في منطقة أخرى، مديرية تقيم أمسية، ومحافظة تنظم فعالية مركزية.

كل ذلك يصب في البرنامج العام للمناسبة.

من القرية

يمكن قراءة عملية التحشيد كلها باعتبارها دوائر متتابعة.

الدائرة الأولى هي المنزل والأسرة.

ثم الحي والقرية.

ثم المديرية.

ثم المحافظة.

ثم العاصمة.

وهذا التدرج يفسر لماذا تبدأ المناسبة قبل موعدها بفترة طويلة.

فلو انتظر الجميع يوم الاحتفال المركزي لبدأ التحضير متأخراً، أما عندما تبدأ الفعاليات في القرى والمدارس والمساجد والمؤسسات منذ وقت مبكر، فإن يوم المولد يصبح خاتمة لمسار طويل.

وهذه الفكرة حاضرة بوضوح في خطاب قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي الذي يربط الإحياء الشعبي بالمشاركة الواسعة، ويخاطب اليمنيين باعتبارهم أصحاب حضور مميز في هذه المناسبة.

وفي توصيفه للمشهد الجماهيري قال: «لقد أقمتم أكبر احتفال في الأرض لأعظم وأرقى إنسان، فرحاً وابتهاجاً بنعمة الله وفضله ورحمته».

وفي عبارة أخرى خاطب الحاضرين قائلاً: «حضور شعبنا اليوم لا مثيل له على الأرض حباً لرسول الله في يوم مولده المبارك».

وبين القرية والساحة تتشكل هذه الصورة تدريجياً؛ فالاحتفال المركزي لا يلغي الفعاليات الصغيرة، وإنما يستند إليها.

إلى الساحة

الحشد الكبير لا يحدث فجأة.

وراءه سلسلة طويلة من التفاصيل الصغيرة: الإعلان عن الموعد، تحديد أماكن التجمع، التواصل مع أبناء المديريات، تجهيز الساحات، توفير الخدمات، تنظيم حركة المشاركين، وتنسيق التغطية الإعلامية.

ولهذا فإن الاجتماعات التي تعقدها اللجان المختلفة قبل المناسبة ليست مجرد إجراءات شكلية.

إنها محاولة لتحويل الرغبة في الاحتفال إلى حركة جماهيرية منظمة.

وفي هذا السياق، تصبح الفعاليات المحلية جزءاً من عملية إعداد الحشد المركزي، لأنها تبقي المناسبة حاضرة في المجتمع طوال الفترة السابقة.

وهنا يتقاطع التحضير التنظيمي مع الخطاب القيادي؛ فقد دعا قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي إلى الخروج الكبير والمليوني لإحياء ذكرى المولد، وقال: «أدعو شعبنا العزيز في كل المحافظات إلى الخروج الكبير والمليوني وغير المسبوق على الإطلاق، إحياءً لذكرى المولد النبوي الشريف».

وبذلك تصبح الساحة نتيجة طبيعية لمسار طويل من التعبئة والتحضير والفعاليات المحلية.

الهوية الإيمانية

إلى جانب البعد الاحتفالي، يحتل مفهوم الهوية موقعاً بارزاً في الخطاب الرسمي للمناسبة.

فالجهات المنظمة تقدم المولد باعتباره فرصة لاستعادة السيرة النبوية وربط الأجيال بها وتعزيز ما تصفه بالهوية الإيمانية.

وفي الفعاليات التربوية والثقافية والمحلية يتكرر الحديث عن الاقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستحضار قيمه.

وهذا يفسر حرص الجهات المنظمة على عدم حصر المناسبة في الإنشاد والاحتفال، بل إدخال المحاضرات والندوات والبرامج الثقافية والتعليمية ضمن جدولها.

وفي الاجتماع التحضيري للقطاع التربوي، أكد وزير التربية والتعليم والبحث العلمي حسن الصعدي أهمية الاستفادة من المناسبة في تعزيز الوعي، وإبراز ارتباط اليمنيين برسول الله والاقتداء به في مختلف المجالات.

وقال الصعدي إن المطلوب هو «إحياء سيرته العطرة ومواقفه الجهادية والتحول التاريخي الذي أحدثه في واقع الأمة في كافة مناحي الحياة».

وبذلك يقدم الخطاب الرسمي المولد باعتباره مناسبة لإعادة استحضار السيرة، وليس مجرد مناسبة زمنية تتكرر كل عام.

التكافل

ولا يتوقف الحراك الشعبي عند الأناشيد والزينة.

فالخطاب المصاحب للمناسبة يربط الاحتفاء بالسيرة النبوية أيضاً بقيم الإحسان والتكافل وتلمس احتياجات الفقراء.

وهذا يمنح المناسبة بعداً اجتماعياً يتجاوز الاحتفال الرمزي.

فالأسرة التي تقدم مساعدة، والمجلس الذي ينظم مبادرة، والحي الذي يتعاون في تجهيز فعالية، كلها أشكال تجعل المناسبة أقرب إلى حياة الناس اليومية.

وفي مجتمع يعيش ظروفاً اقتصادية وإنسانية صعبة، يمكن لهذا الجانب أن يكون من أكثر عناصر الاحتفال تأثيراً على المستوى الاجتماعي.

كما أن استحضار السيرة النبوية في الفعاليات يجعل الحديث عن التكافل والتراحم والإنفاق ومساعدة المحتاجين جزءاً من الرسالة الاجتماعية للمناسبة، إلى جانب الأبعاد الدينية والثقافية والجماهيرية.

الحشد الأعظم

عندما يحين موعد الاحتفال المركزي، ستتجه الأنظار إلى الساحات وحجم المشاركة والصورة الجماهيرية التي ستخرج من صنعاء والمحافظات.

لكن قراءة المشهد من الساحة وحدها لا تكشف كامل الصورة. فالجزء الأكبر من التحضير يجري مسبقاً في القرى والعزل والأحياء والمدارس والمؤسسات والمجالس الاجتماعية.

هناك تبدأ المشاركة، وتتسع دوائرها، وتتحول المناسبة من موعد ينتظر إلى موسم حاضر في تفاصيل الحياة اليومية.

ومن الدعوة إلى الأمسية، ومن المدرسة إلى المؤسسة، ومن المديرية إلى المحافظة، تتجمع مسارات متعددة باتجاه الفعالية المركزية.

ولهذا فإن «الحشد الأعظم» لا يبدأ لحظة وصول المشاركين إلى الساحة؛ بل يبدأ قبل ذلك بكثير، مع أول فعالية وأول أمسية وأول استعداد محلي.

وبهذا المعنى، تبدو الفعالية المركزية خلاصة لمسار بدأ من القاعدة واتسع تدريجياً عبر المؤسسات والمجتمع والمحافظات، قبل أن يلتقي في الساحات في الثاني عشر من ربيع الأول.

رسالة إلى العالم

تتجه هذه المسارات المتعددة نحو لحظة الذروة الجماهيرية، استجابة للدعوة التي وجهها قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي للخروج المليوني الكبير، مؤكداً أن هذا الحضور يمثل “احتفالاً لا مثيل له على الأرض تعبيراً عن التمسك بالرسول الأعظم وقيمه”.

“إن الحشد الأعظم لا يبدأ حين تتجمع الجماهير في الساحات المركزية، بل يتشكل خطوة بخطوة؛ من الحارة والقرية والمدرسة، حتى غدت اليمن ترسم مشهدية إيمانية وجماهيرية تتسمر أمامها أنظار العالم.”

 

 

Comments are closed.

اهم الاخبار