د. علي الرحبي: العروس التي اختطفها المهر
لقد جاء الإسلام بمنهج واضح يدعو إلى التيسير لا التعسير. يقول الله تعالى:
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32].
فالآية الكريمة لم تجعل الفقر سبباً لمنع الزواج أو تأخيره، بل دعت المجتمع إلى المساعدة والتشجيع عليه، ووعدت بعون الله وتوفيقه.
وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم». :إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».
وهذا الحديث يضع معيار الاختيار الحقيقي في الدين والخلق، لا في حجم المهر ولا في قيمة الهدايا ولا في مظاهر التفاخر الاجتماعي.
ومن المؤسف أن بعض الأسر تنظر إلى الزواج بوصفه فرصة للكسب المادي أو مناسبة للتباهي أمام الأقارب والجيران، فتفرض مهوراً باهظة، وحفلات مكلفة، وولائم تفوق الحاجة، وتثقل كاهل العريس وأسرته بالديون لسنوات طويلة. والأخطر من ذلك أن بعض الفتيات يدفعن ثمن هذه الممارسات بتأخر الزواج، وقد يصل الأمر بالبعض إلى مراحل عمرية متقدمة دون زواج، رغم وجود شباب صالحين راغبين في الارتباط لكنهم عاجزون مادياً.
إن استمرار هذه الظاهرة لا يهدد الأفراد فقط، بل يهدد البناء الاجتماعي بأكمله. فكلما ازدادت الفجوة بين الرغبة في الزواج والقدرة عليه، ظهرت مشكلات اجتماعية ونفسية واقتصادية متعددة، منها العزوف عن الزواج، وتراجع معدلات تكوين الأسر، وتفاقم الضغوط النفسية على الشباب والفتيات.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على التيسير في الزواج، فقال:
«أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة».
فكلما كانت تكاليف الزواج أقل، كانت فرص الزواج أكبر، وكانت البركة أوسع، وكانت الأسرة أكثر استقراراً.
ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على الأسر وحدها، بل تشمل أيضاً مؤسسات الدولة والسلطات المحلية والقيادات الاجتماعية والعلماء والخطباء. فالمطلوب اليوم إطلاق مبادرات مجتمعية جادة لتخفيف تكاليف الزواج، وتشجيع الأعراس الجماعية، ونشر ثقافة الاعتدال، ومحاربة المظاهر الاستهلاكية التي لا يقرها الشرع ولا يفرضها العقل.
كما أن من حق المجتمع أن يناقش آليات تنظيم المهور والحد من المبالغة فيها من خلال توافقات مجتمعية ولوائح تنظيمية تراعي خصوصية كل منطقة، وتشجع الأسر على الالتزام بسقوف معقولة تتناسب مع الظروف الاقتصادية السائدة، بما يحقق مصلحة الشباب والفتيات ويحفظ كرامة الأسرة واستقرار المجتمع.
إن اليمن اليوم بحاجة إلى ثورة أخلاقية واجتماعية في مفهوم الزواج، ثورة تعيد الاعتبار لقيم البساطة والتكافل والتراحم التي عرفها المجتمع اليمني عبر تاريخه. فليست قيمة الفتاة في ارتفاع مهرها، ولا قيمة الشاب في حجم ما ينفقه على ليلة زفافه، وإنما القيمة الحقيقية في بناء أسرة مستقرة قائمة على المودة والرحمة.
أيها الآباء والأمهات،” إن تيسير الزواج لأبنائكم وبناتكم ليس تنازلاً عن المكانة الاجتماعية، بل هو استجابة لأمر الله ورسوله، ومساهمة في حماية المجتمع من التفكك والانحراف والضياع. وأيها المسؤولون وصناع القرار، إن معالجة أزمة الزواج ليست قضية اجتماعية هامشية، بل هي قضية ترتبط بالأمن الاجتماعي والاستقرار الأسري ومستقبل الأجيال القادمة.
فهل يدرك الجميع حجم المسؤولية قبل أن تتفاقم الأزمة أكثر؟ وهل نعود إلى روح الإسلام التي جعلت الزواج ميثاقاً سهلاً مباركاً لا صفقة مالية معقدة؟ الإجابة ليست في الخطب والشعارات، بل في القرارات والمواقف العملية التي تفتح أبواب الزواج أمام الشباب وتعيد الأمل إلى آلاف الأسر اليمنية.
Comments are closed.