15 مليار دولار خسائر القطاع السمكي جراء العدوان والحصار وعسكرة البحر
الوحدة نيوز/ يدفع القطاع السمكي في ثمناً باهظاً جراء استمرار العدوان والحصار السعودي الإماراتي الأمريكي الإسرائيلي، الذي ألقى بظلاله المدمرة على مقومات الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، محولاً ثروة بحرية هائلة إلى قطاع يواجه أزمات عميقة وتحديات جسيمة على مدى 12 عاماً.
وفي الوقت الذي تحاول فيه قوى العدوان التنصل من مسؤوليتها عن جرائمها وحصارها غير المبرر، تكشف لغة الأرقام الرسمية عن كارثة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة؛ حيث أكد وكيل قطاع الثروة السمكية بوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، الدكتور فوزي الصغير، أن الخسائر التقديرية المباشرة وغير المباشرة للقطاع السمكي تجاوزت 15 مليار دولار.
شملت تلك الخسائر تدمير البنية التحتية، وتعطل عمليات الإنتاج والاصطياد، وضياع عوائد التصدير والمشاريع الاستثمارية التي تقدر بنحو ملياري دولار، فضلاً عن خسائر بمليارات الدولارات نتيجة أعمال الصيد الجائر والمنظم من قبل السفن الأجنبية في المياه الإقليمية اليمنية.
وأوضح الدكتور فوزي الصغير، أن الاستهداف الممنهج طال مختلف مكونات القطاع السمكي، حيث شمل قصف وتدمير موانئ الاصطياد ومراكز الإنزال ومختبرات الجودة ومنشآت التصدير، حيث تعرض نحو 11 ميناءً ومركز إنزال سمكي للقصف المباشر، من أبرزها ميناء الاصطياد بالحديدة.
ولم تقتصر الاعتداءات على المنشآت، بل امتدت لتطال أرواح الصيادين الأبرياء في عرض البحر؛ حيث أسفرت عن استشهاد أكثر من 272 صياداً وإصابة أكثر من 214 آخرين، لتتجاوز حصيلة الضحايا نحو 490 ما بين شهيد وجريح، مذكراً بدموية الجرائم البشعة كـمجزرة عقبان وكدمان في أكتوبر 2015م التي راح ضحيتها نحو 100 صياد.
وتضمنت الانتهاكات أعمال الاختطاف والاعتقال التعسفي والمضايقات؛ حيث سُجلت خلال الفترة (2015–2023) فقط نحو ألف و458 حالة احتجاز قوارب، و181 حالة اعتراض، و493 قارب تعرض للقصف المباشر، وتضرر 571 بحاراً، فضلاً عن تهجير نحو 50 ألف شخص من المناطق الساحلية وفقدان أكثر من 21 ألفاً و600 شخص لمصادر دخلهم الأساسية.
وعمدت قوى العدوان إلى عسكرة المياه الإقليمية اليمنية وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، مسخرةً الثروة السمكية لخدمة وتلبية احتياجات جنودها وقواتها المتواجدة في المنطقة، سيما القوات الأمريكية، في الوقت الذي تفرض فيه حصاراً مطبقاً يمنع الصيادين من أبناء البلاد من الوصول إلى قوتهم اليومي وممارسة أعمالهم، عبر ملاحقتهم واعتقالهم واستهدافهم المباشر لحرمانهم من مصادر رزقهم وتجويع الشعب اليمني.
ولم تكتفِ بذلك، بل عمدت البوارج الأجنبية وسفن الشركات المرتبطة بها إلى جرف الشعاب المرجانية وتدمير البيئة البحرية، وجرف المخزون السمكي، وترك المخلفات الضارة وتلويث المياه الإقليمية، فضلاً عن إباحة المياه اليمنية أمام أطماع الخارج؛ حيث سمحت أدوات العدوان والمرتزقة للسفن الأجنبية بممارسة أعمال الاصطياد الجائر وغير القانوني والمنظم، لتبقى الثروة البحرية عرضة للنهب والاستنزاف الممنهج.
وأدى الحصار المفروض وتدمير موانئ الاصطياد، إلى جانب انتشار المخاطر البحرية وغياب الخدمات الأساسية، إلى تراجع مأساوي في حجم الصادرات السمكية التي تمثل ثاني أكبر مصدر للصادرات الوطنية بعد النفط والغاز؛ حيث انخفضت الصادرات السمكية بنسبة بلغت 83.7 بالمائة، مسجلةً سبعة آلاف و521 طناً فقط في عام 2025م، مقارنة بـ 46 ألفاً و300 طن في عام 2014م، بعد أن كانت تستوعب الأسواق الخارجية أكثر من 60 بالمائة من الإنتاج، خصوصاً مملكة العدوان والشر السعودية.
ويواجه الاقتصاد الوطني مفارقة مريرة تتمثل في محاولة قوى العدوان والدول المرتبطة بها ومرتزقتها الدفع بكميات كبيرة من المنتجات البحرية المصنعة وتحديداً التونة المعلبة إلى السوق اليمنية للقضاء على المنتج المحلي ومنع توطين الصناعات، على الرغم من امتلاك اليمن واحدة من أغنى المناطق السمكية في المنطقة، الأمر الذي يعكس فجوة عميقة في الصناعات التحويلية المحلية وغياب الاستثمار الأمثل للقيمة المضافة.
وتحت وطأة الأزمات يعيش مئات الآلاف من الصيادين اليمنيين وأسرهم في ظل ظروف معيشية قاسية فرضها العدوان، محاصرين في دائرة مغلقة من الفقر والديون المتراكمة.
وقد أدى الارتفاع الجنوني لأسعار الوقود وصعوبة الوصول إلى مناطق الصيد وتشغيل قوارب الصيد ومستلزمات الإنتاج إلى تضاعف تكلفة رحلات البحر وعجز مالي كبير لآلاف الأسر التي تعتمد كلياً على البحر، وفي المقابل، تقلصت الدخول الشهرية لآلاف الصيادين بشكل دراماتيكي، لتقتصر على الحد الأدنى الذي لا يكفي لتغطية أبسط الالتزامات الشهرية واحتياجات المعيشة اليومية.
كما تراجع الدور الحيوي للجمعيات السمكية التي كانت تشكل لسنوات طويلة شبكة أمان اقتصادية واجتماعية للصيادين، وذلك نتيجة لأزمة السيولة وشح التمويل، مما فتح المجال أمام وسطاء السوق وتجار الجملة للسيطرة على سلاسل التوريد وفرض شروطهم الاحتكارية، جاعلين من الصياد الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للخسائر المالية.
ورغم حجم الأضرار الجسيمة، أشار الدكتور فوزي الصغير إلى أن القطاع السمكي يواصل أداءه وصموده؛ حيث بلغ إنتاج الصيد التقليدي في البحر الأحمر خلال عام 2025م نحو 39 ألفاً و549 طناً بقيمة 33 ملياراً و212 مليون ريال.
وشهد القطاع نقلة نوعية في العمل التنموي وفق منهج سلاسل القيمة، شملت تشكيل مجاميع إنتاجية، وتنفيذ مشاريع قروض ميسرة، وتمكين آلاف الصيادين، وتوفير القوارب والمحركات عبر الهيئة العامة للزكاة، إلى جانب إطلاق مشروع الصيد التعاقدي لتصريف كميات كبيرة من الأسماك ودعم استقرار الأسعار.
وفي جانب البنية التحتية، تم تأهيل ميناء الاصطياد بالحديدة وتعميق بوابته البحرية ورصف ساحاته، وإنشاء مبانٍ إدارية ومراكز إنزال، فضلاً عن إنجاز منظومة التحول الرقمي بإصدار آلاف رخص الصيادين والتصاريح الإلكترونية والبدء بالبيع بالوزن.
وعلى صعيد البحث العلمي، أنجزت الهيئة العامة لأبحاث علوم البحار والأحياء المائية أدلة علمية ودراسات جدوى لتطوير الاستزراع السمكي والصناعات التحويلية كتعليب الباغة وإنتاج مسحوق وزيت السمك.
وتبرز تجربة “جمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية” كنموذج رائد في تكامل العمل الحكومي والمجتمعي، من خلال توفير محطات الوقود ومصانع الثلج المخفضة التكلفة، وتفعيل وكالات التسويق بالمحافظات، وتنفيذ مبادرات بيئية كمشتل المانجو ومحطات المياه والخدمات الإنسانية والتعليمية.
وفي ظل هذه التحديات المعقدة، تؤكد الدراسات والتقارير الصادرة عن الإعلام الزراعي والسمكي أن القطاع السمكي لا يزال يحتفظ بإمكانات اقتصادية واعدة ومقدرات هائلة قادرة على قيادة قاطرة التعافي الاقتصادي وتحقيق الأمن الغذائي، متى ما توفرت البيئة الملائمة للعمل والاستثمار التي يحول استمرار العدوان والحصار دونها.
وتشدد وزارة الزراعة والثروة السمكية على ضرورة تحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته القانونية والأخلاقية في الضغط لوقف العدوان ورفع الحصار الشامل، ووقف الانتهاكات المستمرة بحق الصيادين، ودعم الجهود الوطنية الرامية إلى إعادة تأهيل موانئ الاصطياد ومراكز الإنزال، وتوفير التمويل الميسر للجمعيات والشباب، وتنشيط قطاع الصناعات التحويلية، فضلاً عن وضع حد لأعمال الصيد الجائر الأجنبي وعسكرة البحر من قبل العدوان ومرتزقته وأدواته، لاستعادة مكانة الثروة السمكية اليمنية في الأسواق الإقليمية والدولية.
Comments are closed.