بين صرخة “العُر” وعدسة اليحيصي.. المحويت تُبهر العيون

المحويت/ اعتماد منير:

هنا في المحويت، حيث رائحة التراب المبلل وحفيف الأشجار هي من تقود خطاك. غمامٌ أبيض يزحف ببطء بين الجذوع العتيقة. هناك، تجد رئتيك تنفتح تلقائياً لتستقبل هواءً نقياً لم تعكره زحمة المدن؛ هواءٌ يحمل رائحة المطر، وبرودة الأرض.

​”والله المحويت مظلومة إعلامياً”، بهذه الكلمات المباشرة يبدأ مالك حديثه من أعلى نقطة في المحويت، وتحديداً من “قرية مسجد العر”. مالك، الذي يعيش في زحام صنعاء، عاد ليوثق جمال محافظته، جمالاً يراه يستحق تقديراً أكبر، معتبراً أن الأجواء فوق هذه المدينة “تفتح النفس والجو فعلاً خرافي”.

​تحت هذه القمة، تمتد مناطق “الريادي والظبرة”، وهي مساحات يراها مالك مظلومة في التغطية، خاصة عند مقارنتها بمحافظات أخرى. يقول بوضوح: “حتى إب جنة ما شاء الله وبنسير لها واصل، بس الفرق إن إب مشهورة أكثر من المحويت، فيها (إنستغراميين) ومشاهير مصورين، أما المحويت فالمصورين فيها قليل”.

​وهذا النقص في “الشهرة الرقمية” لم يمنع المحويت من أن تكون مقصداً سياحياً، حيث يؤكد مالك أن أبناء العاصمة صنعاء يقصدونها “عاني” خاصة في الأعياد. يأتون لغرض محدد وهو التخزين أمام هذه المناظر الممتدة، حيث تتحول تلك الشرفات الطبيعية إلى مجالس مقيل مفتوحة بين الضباب، في طقس اجتماعي يكسر روتين المدينة وضجيجها. بالنسبة لمالك، المحويت لا ينقصها الجمال، بل ينقصها فقط من ينقل هذا الجمال إلى الشاشات.

​بمجرد أن تقع عينك على حساب المصور عرفات اليحيصي، يجعلك تغير كل قناعاتك عن جغرافيا اليمن. الحساب ليس مجرد معرض صور، بل هو توثيق حيّ لزوايا لم تصلها قدماك من قبل؛ هنا شلالات تنحدر بقوة من قلب الصخور، وهناك مدرجات تلمع بلونها الأخضر يشدك ذاك الفيديو الذي يصور قمم الجبال وهي تسبح وسط غمام أبيض كثيف، ووجوه أطفال بعيون ملونة تحكي قصة نقاء أهل هذه البلاد. الصور هناك لا تنقل المنظر فقط، بل تنقل لك “رعشة” البرد ورائحة المطر وصوت الريح، في مشهد يجعل كل باحث عن “الترند” يقف عاجزاً أمام هيبة هذا الجمال المتربع فوق قمم المحويت.

​لم تكن مجرد لقطات عابرة، بل محاولة لإنصاف طبيعة المحويت؛ هكذا يختصر المصور عرفات اليحيصي حكايته مع مدرجات المحافظة وطبيعتها.

ففي الوقت الذي تسيطر فيه “إب” على المشهد السياحي رقمياً، اختار اليحيصي أن يراهن على جمالٍ ظل لسنوات خارج دائرة “الترند”. وحين سألناه عن السر في ذلك، لم يتحدث عن الشهرة، بل عن إحساسه بالمكان: “أشعر بطمأنينة ورغبة في أن يشهد العالم ما تراه عيناي”. هذا الدافع هو ما يجعله يوثق كل لحظة.

​ردود فعل المتابعين كانت المفاجأة؛ الكثير لم يصدق أن هذه المناظر الطبيعية في اليمن، ما حول اليحيصي إلى “دليل سياحي”؛ حتى أنه يتلقى استفسارات يومية عن تفاصيل الطرق وأفضل مواقع التنزه، ليجيب عليها بصدر رحب، طامحاً أن يزيح الستار عن جمال المحويت المنسي لتأخذ مكانها الذي تستحقه.

رائحة المحويت هي حالة شعورية تبدأ من عتب “مالك” في أعالي مسجد العر، وتنتهي بدهشة كل من وقعت عيناه على عدسة اليحيصي وغيره من المصورين.

إنها تلك “الرئة” التي تتنفس من خلالها اليمن جمالاً لم تلوثه ضوضاء الشهرة الرقمية بعد؛ حيث يلتقي طقس “المقيل” الاجتماعي بهيبة الضباب في مشهد يكسر روتين الحياة. لقد أثبتت المحويت أنها لا تحتاج إلى “ترند” لتثبت وجودها، بل تحتاج فقط إلى قلوبٍ تشعر بنقائها، وأعينٍ توثق سحرها الممتد من شلالات الصخور إلى عيون أطفالها التي تروي قصة بلادٍ تأبى إلا أن تظل جميلة. هي دعوة مفتوحة، ليست فقط لزيارة المكان، بل لاستعادة الدهشة في كل زاوية يمنية.

Comments are closed.

اهم الاخبار