د. ربيع شاكر المهدي*: القدرة الوطنية على صناعة المستقبل
أحيانًا لا نخسر عالمًا عندما يموت بل نخسره قبل ذلك بكثير يوم نعجز عن أن نمنحه سببًا للبقاء.
وأحيانًا لا نعرف قيمة العقل الذي كان بين أيدينا إلا عندما نراه يلمع في مختبرٍ خارج حدودنا ويُكتب اسمه في سجل إنجازٍ علمي لا يُحسب هذه المرة لوطنه الذي أنجبه بل لوطنٍ آخر عرف كيف يلتقطه ويحفظه ويمنحه البيئة التي يستحقها.
هذه الفكرة ظلت عالقة في ذهني منذ أن عرفت قصة عالم يمني في الفيزياء النووية وتكنولوجيا الطاقة قبل سنوات إنه د. حسن مريدي Hasan Maridi أستاذ جامعات (صنعاء وتعز والحديدة) وأحد العقول العلمية اليمنية النادرة التي كان يمكن أن يكون لها دور مهم في صناعة مستقبل اليمن.
لم تكن قصته قصة شخصية عادية وصلت إلى درجة علمية.
حصل على البكالوريوس عام 2004 والماجستير عام 2009 والدكتوراه عام 2014 في الفيزياء النووية وتكنولوجيا الطاقة من جامعة القاهرة بتقديرات امتياز وكان الأول على دفعته في البكالوريوس وحصلت رسالته للماجستير على جائزة أفضل رسالة علمية.
ثم واصل طريقه العلمي خارج اليمن فعمل أستاذًا مساعدًا في قسم تكنولوجيا الطاقة البديلة بجامعة فيلادلفيا في الأردن وباحثًا في معهد الأنوية الثقيلة بجامعة وارسو في بولندا وباحثًا في قسم الفيزياء بجامعة مانشستر في المملكة المتحدة وله دراسات وأبحاث في التفاعلات النووية للنوى الخفيفة والغريبة إلى جانب اهتمامه بأفكار تتصل بإنتاج الطاقة ولديه أولاد عباقرة يتمتعون بذكاء والدهم حتى أنه قال قال لي لم أكن أريد لأولادي أن يصبحو أذكياء مثلي حتى حتى لا يعانو ما عانيته.
لكن أكثر ما يؤلمني في هذه القصة ليس كل هذه الشهادات والإنجازات وإنما اللحظة التي اضطر فيها عالم بهذا المستوى إلى البحث عن سلة غذائية ولم يجدها.
هنا تتغير زاوية النظر إلى القصة كلها فلم يكن الرجل يطلب مختبرًا نوويًا متطورًا ولا ميزانية بحثية ضخمة ولا امتيازات استثنائية كان يبحث عن الحد الأدنى من الحياة له ولأسرته في بلد أنهكته الحروب وانقطاع المرتبات وتدهور الظروف.
وحين يصبح العالم الذي يفترض أن يبحث في أسرار النواة والطاقة ومستقبل التكنولوجيا منشغلًا بتأمين أبسط احتياجات أسرته.
غادر د. حسن مريدي اليمن وأصبح اليوم أحد العلماء النوويين في بولندا وحين حاولت إقناعه بالعودة لمعرفتي بحبه لليمن لم يكن جوابه طويلًا قال لي: “فات القطار” كلمات حملت في داخلي معنى أكبر من قصة عقل غادر وطنه.
بعض الخسائر إذا وقعت لا يمكن علاجها بقرار إداري متأخر فقد ينتظر الإنسان وطنه طويلًا لكن الوطن إذا تأخر كثيرًا قد يصل إلى لحظة لا يعود فيها الإقناع كافيًا فالوجع تجاوز ذلك بكثير .
يمكننا أن نعيد بناء مدرسة تهدمت ونستطيع أن تصلح طريقًا ونعيد تشغيل مصنع ونشتري جهازًا متقدمًا بل نستطيع أحيانًا أن تستورد التكنولوجيا نفسها لكنها لا نستطيع أن نعيد بسهولة العقل الذي كان يمكن أن يبتكر التكنولوجيا التي تنقل مجتمعنا إلى إلى الرفاه.
وهنا تحديدًا تقاطعت في ذهني قصة د. حسن مريدي مع خبر المغناطيس النووي العملاق الذي أنجزته الصين لتطوير وإنتاج الطاقة والمستخدم في منظومات الاندماج النووي فبينما كانت الصين تبني مغناطيسًا ضخمًا يمكن أن يكون جزءًا من منظومة علمية تسعى إلى السيطرة على بلازما تتجاوز حرارتها مئة مليون درجة مئوية كما ذكر وكنت أفكر في سؤال أكثر قربًا منا: كم عقلًا كان يمكن أن نصنع به أدوات المستقبل لكننا تركناه يغادر لأنه لم يجد أدوات الحاضر؟ هنا لا يعود المغناطيس مجرد إنجاز هندسي يل يصبح مرآة تكشف الفرق بين دولة تبني البيئة التي تحفظ العقل حتى يصنع المستقبل ودولة تخسر العقل أولًا ثم تبحث عن المستقبل بعد ذلك.
ومن هذه المفارقة بدأت فكرة موضوعي هذا فأنا لا أريد أن أتحدث عن المغناطيس الصيني باعتباره قطعة هندسية تزن مئات الأطنان ولا عن الرقم 42.02 تسلا كما قيل باعتباره مجرد رقم قياسي في عالم المجالات المغناطيسية بل أريد أن أتوقف عند ما هو أبعد من المغناطيس نفسه: كيف تفكر الدول التي تستعد للمستقبل؟ وماذا تفعل بعقولها قبل أن تسأل ماذا صنعت بها؟ ولماذا تستطيع دولة أن تنفق سنوات وعقودًا لبناء تقنية قد لا تظهر ثمارها التجارية الكاملة إلا بعد زمن طويل بينما تعجز دول أخرى عن حماية عالم يحتاج فقط إلى أن يجد ما يبقيه في وطنه؟ وهنا تبدأ القصة فالمغناطيس ليس القصة كلها والعلماء ليسوا مجرد موظفين والجامعة ليست مبنى والمختبر ليس غرفة مليئة بالأجهزة والتكنولوجيا ليست منتجًا يُشترى وينتهي الأمر فكل ذلك أجزاء من منظومة واحدة اسمها القدرة الوطنية على صناعة المستقبل.
قد تكون قصة د. حسن مريدي قصة عالم واحد لكنها بالنسبة لي ليست قصة رجل واحد إنها نموذج صغير لمشكلة أكبر: وطن يمكن أن يخسر عقلًا مهمًا بصمت ثم يستيقظ بعد سنوات ليجد أن العقل نفسه أصبح جزءًا من قوة علمية في بلد آخر وهنا كانت المفارقة التي دفعتني إلى كتابة هذا الموضوع:
الصين تبني اليوم أدوات قد تحتاجها البشرية غدًا ونحن ما زلنا نحتاج إلى أن نتعلم كيف نحافظ اليوم على العقول التي يمكن أن تبني لنا أدوات الغد.
وهنا تكمن المفارقة فأحيانًا لا يكون أهم ما في الاختراع هو ما يستطيع أن يفعله الآن وإنما ما يفتح الطريق إليه لاحقًا فالمغناطيس ليس القصة كلها وربما ليس أهم ما في القصة أصلًا.
القصة الحقيقية هي: كيف تفكر دولة في المستقبل وكيف تستثمر في أشياء قد لا تعطي ثمارها الكاملة إلا بعد سنوات أو عقود؟ الأمم التي تصنع أدوات المستقبل لا تنتظر أن يطرق المستقبل أبوابها إنها تصنع مفاتيحه قبل أن يصل.
فليست كل الأخبار العلمية متساوية في دلالتها فبعضها يخبرنا عن اختراع جديد وبعضها يكشف لنا عن اتجاه جديد في ميزان القوة بين الأمم.
والقوة اليوم لم تعد تُقاس فقط بما تملكه الدولة من مصانع أو أسلحة أو موارد طبيعية وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قدرة ثم تحويل القدرة إلى خيارات استراتيجية فالذي يملك مصنع السيارات قد يكون متقدمًا لكن الذي يملك تقنيات المحركات والمواد وأشباه الموصلات والبرمجيات والروبوتات والبطاريات يملك طبقة أعمق من القوة والذي يشتري الطاقة قد يمتلك قدرة اقتصادية أما الذي يطور تقنيات إنتاج الطاقة المستقبلية فإنه يقترب من امتلاك جزء من مستقبل الاقتصاد نفسه.
وهنا ينتقل مفهوم السيادة من معناه التقليدي إلى معنى أكثر عمقًا: السيادة ليست فقط أن تملك قرارك بل أن تملك القدرات التي تمنحك حرية اتخاذ القرار فالدولة التي تعتمد في غذائها أو دوائها أو طاقتها أو تقنياتها الحيوية على الآخرين قد تمتلك علمًا بالسيادة لكنها لا تمتلك بالضرورة أدوات السيادة.
ومن هنا تبدأ قراءة المغناطيس الصيني من زاوية مختلفة فالاندماج النووي ليس مجرد طاقة لأنه ليس فقط مجرد مصدر جديد للكهرباء وإنما أحد أكبر الرهانات العلمية على إعادة تعريف علاقة الإنسان بالطاقة وإذا نجحت البشرية في تحويله يومًا إلى مصدر تجاري واسع النطاق فإن تأثيره لن يتوقف عند قطاع الكهرباء بل يمكن أن يمتد إلى الصناعة والمياه والنقل والاقتصاد والأمن الاستراتيجي وإعادة تشكيل خريطة القوة العالمية فالطاقة ليست مجرد سلعة بل هي قدرة على إنتاج كل شيء تقريبًا.
ومن يمتلك مصدرًا أكثر وفرة واستدامة وكفاءة للطاقة فإنه لا يمتلك كهرباء أكثر فقط بل قد يمتلك قدرة أكبر على الإنتاج والتحلية والنقل والصناعة والبحث العلمي ولهذا فإن السباق على الطاقة المستقبلية ليس سباقًا تقنيًا محضًا بل هو في جوهره سباق على شكل العالم القادم.
وعندما تنجح الصين في تطوير تقنيات مغناطيسية بالغة التعقيد سواء في مجال الاندماج النووي أو في إنتاج مجالات مغناطيسية فائقة الشدة فإن الأهمية لا تكمن فقط في ضخامة المغناطيس أو في عدد وحدات “التسلا” التي سجلها وإنما في السؤال الأعمق الذي يطرحه هذا الإنجاز: ماذا يعني أن تصبح الدولة قادرة على صناعة الأدوات التي ستصنع بها تكنولوجيا المستقبل؟
والتسلا ورمزها T هي وحدة قياس كثافة التدفق المغناطيسي أو شدة المجال المغناطيسي فتسلا واحدة تساوي شدة مجال مغناطيسي يولد قوة مقدارها نيوتن واحد على سلك طوله متر واحد يمر به تيار كهربائي شدته أمبير واحد كما ذكر.
هنا تتجاوز القصة حدود المغناطيس لتدخل في صميم مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين.
فالمغناطيس العملاق المستخدم في منظومات الاندماج النووي ليس مجرد قطعة هندسية ضخمة وإنما جزء من منظومة علمية تسعى إلى السيطرة على بلازما تصل حرارتها إلى أكثر من مئة مليون درجة مئوية وحبسها بمجالات مغناطيسية شديدة القوة حتى لا تلامس جدران المفاعل إنه محاولة لتحويل شيء بالغ الفوضى والحرارة إلى شيء يمكن التحكم فيه وهذه في حد ذاتها استعارة عميقة لفلسفة الدولة الحديثة: تحويل التعقيد إلى نظام والطاقة الهائلة إلى قدرة قابلة للإدارة إن لم أكن أكن مخطئا بدقة هذه المفاهيم النووية باعتباره ليس مجالي وإنما في توضيح جوهر موضوعي لهذا اليوم ..
قيل بأن المغناطيس المقاوم حقق مجالًا مغناطيسيًا مستقرًا بلغ 42.02 تسلا ينتمي إلى عالم آخر من البحث العلمي حيث تصبح المجالات المغناطيسية القصوى أداة لاكتشاف سلوك المادة والظواهر الكمومية وتطوير تطبيقات متقدمة في علوم المواد والطب وغيرها.
وهنا يجب ألا نخلط بين الإنجازين فهما ليسا مغناطيسًا واحدًا لمهمة واحدة وإنما مساران علميان مختلفان يلتقيان في شيء أكبر بناء القدرة العلمية وهذه هي النقطة التي تستحق التأمل لأن الدولة التي تستطيع أن تبني مغناطيسًا بالغ التعقيد لا تكون قد أتقنت المغناطيس فقط إنها تكون قد راكمت معرفة في المواد والهندسة والتبريد والطاقة والتحكم والقياس والتصنيع وإدارة المشروعات العلمية الكبرى أي أن المنتج النهائي ليس سوى الجزء المرئي من جبل معرفي ضخم تحت سطحه.
وهنا يبدأ الفرق بين من ينظر إلى التكنولوجيا كمنتج ومن ينظر إليها كنظام فالإنجاز العلمي شيء والقدرة العلمية شيء آخر فقد تستطيع دولة أن تنجح في مشروع علمي استثنائي مرة واحدة لكن السؤال الأهم ليس: هل استطاعت أن تفعل ذلك؟ السؤال هو: هل تستطيع أن تفعله مرة أخرى وأن تطوره وأن تنتج جيلًا أفضل منه؟ هنا يظهر الفارق بين الإنجاز العلمي والقدرة العلمية.
الإنجاز قد يكون لحظة أما القدرة فهي منظومة فقد يكون الإنجاز نتيجة عالم استثنائي أو مختبر متقدم أو مشروع كبير لكن القدرة العلمية تحتاج إلى جامعات تنتج العلماء ومختبرات تتيح لهم التجريب وصناعة تستوعب نتائج البحث وتمويل طويل الأجل وسياسات تحمي المعرفة وسلاسل إمداد وبيئة تسمح بالفشل والتجربة وإعادة المحاولة ولهذا فإن أخطر ما في الدول المتقدمة ليس ما أنتجته حتى الآن وإنما قدرتها على إنتاج ما لم تنتجه بعد وهذه نقطة جوهرية في فهم القوة الحديثة.
الدولة القوية علميًا ليست التي تملك أفضل تقنية اليوم فقط وإنما التي تستطيع أن تجعل تقنية الغد ممكنة فالدول التي تفكر في المستقبل لا تنتظر التكنولوجيا حتى تنضج ثم تبحث عن كيفية الحصول عليها وإنما تستثمر في البنية العلمية والهندسية التي تمكنها من إنتاج التكنولوجيا وتطويرها وتجاوزها وهذا هو الفارق بين دولة تشتري التكنولوجيا ودولة تصنع شروط التكنولوجيا.
فالرقم 42.02 تسلا مهم والوزن الهائل للمغناطيس المستخدم في منظومات الاندماج النووي لافت لكن الأهم من الرقم والوزن هو ما وراءهما من مختبرات ومواد ومهندسين وعلماء وسلاسل توريد وقدرات تصنيع وخبرة تراكمية وتمويل طويل الأمد وإصرار على خوض مجالات لا تظهر نتائجها التجارية سريعًا.
وهنا يظهر أحد أهم دروس القوة في العصر الجديد فالقوة لا تبدأ من امتلاك المنتج النهائي وإنما من امتلاك القدرة على إنتاج الأدوات التي تنتج المنتج النهائي ومن يملك الأدوات لا يكتفي بالمشاركة في المستقبل بل يمتلك فرصة أكبر في تحديد قواعده.
الرشد ليس أن تكون الدولة قادرة على حل المشكلة عندما تقع فقط وإنما أن تمتلك من البصيرة ما يجعلها تبدأ في بناء أدوات الحل قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة فليس السؤال: ماذا نحتاج اليوم؟ بل: ماذا سيحتاج العالم غدًا وما الذي يجب أن نبنيه اليوم حتى لا نكون تابعين له غدًا؟ وهذا هو الفارق بين إدارة الحاضر وصناعة المستقبل فالمستقبل لا يصل إلينا جاهزًا وإنما تصنع الدول جزءًا منه بقرارات تتخذها قبل أن تصبح الحاجة إليها ملحة والدولة التي تنتظر ظهور الحاجة حتى تبدأ في بناء أدواتها تكون قد بدأت متأخرة أما الدولة التي تستشرف التحولات وتبني قدراتها قبل أن تتحول الاحتمالات إلى حقائق فإنها لا تكتفي بالتكيف مع المستقبل بل ترفع قدرتها على التأثير فيه وهنا يتحول الاستشراف من قراءة للمستقبل إلى استثمار فيه.
وهذا ما يجعل التجربة الصينية جديرة بالقراءة من زاوية أوسع من المنافسة بين الصين ودول أخرى فالمسألة ليست فقط من سجل رقمًا قياسيًا في المجال المغناطيسي؟ ولا: من صنع أكبر مغناطيس؟ وإنما: من يبني المنظومة العلمية التي تستطيع تحطيم الرقم القادم؟ هنا يكمن جوهر السباق الحقيقي فالسبق العلمي لا يحسمه إنجاز منفرد وإنما تراكم القدرة.
قد تصنع دولة جهازًا استثنائيًا مرة لكن الدولة التي تمتلك الجامعات والمختبرات والصناعة والتمويل والعقول وسلاسل الإمداد تستطيع أن تجعل الإنجاز الاستثنائي جزءًا من قدرتها الطبيعية على التجدد وهذا هو الفارق بين دولة تحقق إنجازًا ودولة تنتج الإنجازات.
ولذلك فإن الدول التي تستثمر في علوم الاندماج لا تراهن فقط على مفاعل مستقبلي إنها تراهن على موقعها داخل النظام العالمي عندما تتغير قواعد الطاقة وهنا يصبح المغناطيس رمزًا أكبر من حجمه إنه رمز لقدرة الدولة على تحويل العلم من معرفة نظرية إلى قدرة صناعية ومن القدرة الصناعية إلى قوة استراتيجية فالجامعات تنتج المعرفة والمختبرات تختبرها والصناعة تحولها إلى منتجات والدولة تحمي البيئة التي تسمح لها بالنمو ثم تتحول كل هذه العناصر معًا إلى قدرة وطنية وعندما تتكامل هذه الدائرة يصبح العلم جزءًا من الأمن القومي والاقتصاد والسيادة وهنا تحديدًا يظهر معنى الرشد الاستراتيجي: أن تبني الدولة قدرتها قبل أن تضطر إليها.
وهنا ينبغي أن نتعلم نحن أيضًا كيف نعيد تعريف الاستثمار في الدول النامية فليس الاستثمار فقط في الطرق والمباني والمشروعات التي تعطي نتائج سريعة وإنما كذلك في العقول والمختبرات والجامعات ومراكز البحث والتطوير والقدرات التقنية فالمبنى يمكن أن يُشيّد في سنوات أما القدرة العلمية فقد تحتاج إلى جيل كامل والطريق يمكن أن يُنجز بقرار أما المدرسة العلمية فتحتاج إلى تراكم ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله دولة تجاه مستقبلها هو أن تنظر إلى البحث العلمي باعتباره رفاهية يمكن تأجيلها إلى أن تتحسن الظروف لأن الدول لا تتحسن ظروفها العلمية بعد أن تصبح قوية بل تصبح أقوى لأنها بنت قدرتها العلمية قبل ذلك.
الدولة التي لا تنتج المعرفة ستظل تدفع ثمنها والدولة التي لا تصنع التكنولوجيا ستظل تشتريها والدولة التي لا تبني أدوات المستقبل ستجد نفسها مضطرة إلى استئجار المستقبل من الآخرين وهنا لا تعود المسألة مسألة اقتصاد فقط وإنما مسألة كرامة وطنية واستقلال قرار.
إن أعظم ثروة يمكن أن تمتلكها دولة ليست ما تحت الأرض فقط وإنما ما تستطيع عقول أبنائها أن تستخرجه من المستقبل فالثروات الطبيعية قد تنضب والأسعار قد تتغير والأسواق قد تنقلب أما الإنسان الذي يعرف كيف ينتج المعرفة ويحولها إلى قيمة فإنه يستطيع أن يعيد بناء ثروته مرة بعد أخرى ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي ليس فقط في الأشياء التي نمتلكها وإنما في القدرة على امتلاك أشياء لم توجد بعد وهنا تكمن أعظم قيمة في العلم.
ولذلك فإن الدرس الأهم من المغناطيس الصيني ليس أن الصين صنعت مغناطيسًا يزن مئات الأطنان ولا أنها وصلت إلى مجال مغناطيسي هائل بل الدرس الأهم أن هناك دولة تفكر في المستقبل باعتباره مشروعًا يُبنى منذ اليوم وهذه هي الدولة الذكية لا تنتظر المستقبل لتعرف ماذا حدث بل تستعد له قبل أن يحدث ولا تسأل فقط كيف نعالج أزمة اليوم وإنما تسأل كيف نبني قدرة تجعل أزمات الغد أقل خطورة ولا تقيس نجاحها فقط بعدد المشروعات التي أنجزتها وإنما بقدرتها على إنتاج المشروعات والأفكار والتقنيات التي لم يفكر بها الآخرون بعد.
فالمستقبل لا يكافئ الأكثر ثراءً دائمًا وإنما يكافئ الأكثر استعدادًا فقد يكون المغناطيس اليوم أداة لحبس البلازما أو استكشاف المادة لكنه يحمل لنا رسالة أكبر من الفيزياء نفسها: من يريد امتلاك طاقة المستقبل عليه أولًا أن يمتلك علم المستقبل ومن يريد امتلاك علم المستقبل عليه أن يبدأ ببناء أدواته منذ الحاضر.
وهنا يعود السؤال إلينا ماذا فعلنا بعقولنا التي كانت تستطيع أن تكون جزءًا من هذا المستقبل؟
كم عالمًا احتجنا إليه ولم نعرف قيمته إلا بعد أن أصبح بعيدًا؟
وكم عقلًا غادر الوطن لأننا تعاملنا مع حاجته إلى الحياة باعتبارها شأنًا شخصيًا بينما كان بقاؤه في الحقيقة شأنًا وطنيًا؟
لقد قال لي د. حسن مريدي: “فات القطار” وقلبه مليء بالوجع وقد تكون هذه العبارة موجعة لكنها ليست حكمًا نهائيًا على المستقبل فالقطار الذي فات في حالة قد لا يكون قد فات في كل الحالات لكن استدراك ما فات يبدأ من الاعتراف بأن العقل الوطني ليس موظفًا يُستبدل ولا رفاهية تؤجل ولا بندًا يمكن حذفه عندما تضيق الموارد إنه أحد أصول الدولة التي لا يمكن تعويضها بسهولة الدول التي لا تحمي عقولها اليوم ستبحث عنها غدًا في مختبرات العالم.
والدول التي لا تمول المعرفة اليوم ستشتري نتائجها غدًا بأضعاف ما كان يمكن أن تنفقه على إنتاجها.
والدولة التي لا تبني أدوات المستقبل ستجد نفسها مضطرة إلى استئجار المستقبل من الآخرين.
*سياسي يمني وباحث في بناء الدولة.
Comments are closed.