د. مازن غانم: مطار صنعاء: “لبيك اللهم لبيك”.. نداء إلى مكة خلف بوابة موصدة

بعد أن أُحكمت القيود على أنفاس المرضى فأسلموا الروح على أعتاب الانتظار، وبعد أن شُتت شمل الأسر وتمزقت أواصرها خلف الحدود المغلقة، تطل اليوم أبشع صور الحصار وأكثرها قسوة: حرمان القلوب من قِبلتها، وتسييج الطريق إلى بيت الله الحرام.

إنه حصارٌ لا يغلق مطاراً فحسب، بل يؤجل أمنياتٍ عاشت أعماراً كاملة وهي تنتظر مكة.

في أعماق كل بيت يمني، تسكن قصة وجع صامتة، بطلها “صندوق قديم” مخبأ في زوايا الغرف، يفوح منه عطر الحنين والانتظار. بداخل هذا الصندوق، تقبع ثياب إحرام بيضاء، ناصعة كقلوب أصحابها، لكنها ظلت رهينة الأرفف لسنوات. هناك شيخٌ أتعبته الأيام، يخرج إحرامه كل ليلة، يلمسه بمرارة، ثم يهمس بكسرة قلب تزلزل الوجدان:
«اللهم لا تجعل كفني يسبق إحرامي»
لقد تحول مطار صنعاء الدولي، من بوابة للعالم إلى سدٍّ منيع يقف حائلاً بين التائبين وأشواقهم.

لم يعد المطار في عيون اليمنيين مجرد ورقة للمقايضة والابتزاز السياسي في أروقة المفاوضات، بل أصبح سكيناً يذبح ما تبقى من أحلام من وهنت عظامهم واشتعلت رؤوسهم شيباً.

إن هؤلاء المحاصرين لا يطلبون ترفاً ولا نزهة، بل يطلبون حقهم في “الرحيل بسلام”. يريدون صلاة ودمعة تُسكب عند مقام إبراهيم، وكلمة أخيرة بين الركن والمقام تقول:
“وصلتُ يا رب.. بعد دهرٍ من التعب.. فاقبلني”

إن تسييس حق العبادة وتسييج الطريق إلى بيت الله هو طعنة في خاصرة الاسلام والإنسانية قبل أن يكون انتهاكاً للقوانين. فأي قانون في الأرض يبرر حجز الأرواح التواقة للتطهر؟ وأي عدل يسمح بأن يتحول المطار إلى أداة ضغط تُقايض بها أعظم فريضة بشرية؟
ارفعوا الحصار عن مطار صنعاء.. افتحوا الطريق إلى الله.

Comments are closed.

اهم الاخبار