سامي عطا: الحرب والسلام ورقة صراع أم ورقة نجاة أخيرة!

بادئ ذي بدء يمكن القول أن الحرب العدوانية على إيران يفصح عن مشهد سياسي يجمع بين المأساة والعبثية، يبدو أن الحرب لم تعد مجرد وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية، بل تحولت إلى أداة شخصية للهروب من الفشل والمحاكمة. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الرجلان اللذان يواجهان تهم فساد خطيرة وانهياراً في شعبيتهما، يجمع بينهما تشابه صادم، إذ أن كلاهما يلجأ إلى الحرب كستارة دخان سياسية، يُشعلانها ثم يُطفئانها وفقًا لمكاسبهما الشخصية الضيقة.

هذه الممارسة تُذكرنا بمقولة المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز ( 1780- 1831) الشهيرة بأن ” الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى “، لكن مع ترامب ونتنياهو، ينقلب المنطق: تصبح الحرب هي السياسة نفسها، والسياسة هي الحرب، ويصبح المواطنون الأبرياء رهائن في لعبة شطرنج قذرة من أجل البقاء الشخصي.

أوجه التشابه بين ترامب ونتنياهو يتمثل في ” رباط البقاء ” المشترك ، حيث يقف ترامب ونتنياهو وجهاً لوجه أمام ساحات القضاء. ونحن نتذكر هنا عبارة الفيلسوف الإيطالي نيكولا ميكافيلي ( الغاية تبرر الوسيلة )، فرغم مرور خمسة قرون إلاَّ أن هذا المبدأ ما زال حيّاً في ساحات السياسة.

ففي الولايات المتحدة، تمت إجراءات عزل ترامب مرتين في مجلس النواب؛ وهو نفسه يحذر حزبه الجمهوري من هذا الأمر  ” يجب أن تفوزوا في انتخابات التجديد النصفي، لأننا إذا خسرناها، سيجدون سببًا لعزلي “. وفي إسرائيل، وُجهت لنتنياهو تهم بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة منذ عام 2020. ولكن بدلاً من مواجهة العدالة، فضّل كلا الرجلين حرق العالم من حولهما ليبقيا في مقاعد الحكم.

وهذا ما أسماه بعض المحللين ” رباط البقاء ” ( The Survival Pact )، رباط يربط بين رجلين يخوضان معارك قانونية متوازية.

استراتيجية التهرب تحول الحرب إلى مطرقة قاضٍ

يُتهم نتنياهو على نطاق واسع باستخدام الحرب المستمرة كوسيلة لتأجيل جلسات محاكمته. حيث خلصت بعض التحليلات إلى أن ” الصراع أخر الإجراءات ” بشكل مقصود. كما يوجد اتهامات صريحة لنتنياهو بأنه يستغل الحرب كورقة للهروب من السجن.

ليست هذه مجرد صدفة، فقد سخرت صحيفة ” نيويورك تايمز ” وتسألت كيف تمكن نتنياهو من إقناع ترامب بخوض الحرب ضد إيران. لكن الفارق الحقيقي هنا يكمن في تعقيد الأداة الأمريكية. بينما يستخدم نتنياهو الاشتباك العسكري المباشر للحماية، يلجأ ترامب إلى سياسة ” التذبذب ” الأكثر تعقيداً.

آلة الربح جعلت ترامب أن يتذبذب بين الحرب والسلام ويستخدمها كبورصة للمقربين، إذ لا يريد ترامب من وراء ذلك التذبذب الاحتفاظ بالسلطة فقط، بل يستخدم تقلبات السوق لتحقيق أرباح لأقرب المقربين منه. كيف يعمل هذا ؟، عندما يوحي ترامب بأن الحرب قد انتهت، ترتفع الأسهم والأسواق ( حيث أن انتهاء الحرب يدفع المستثمرين إلى ضخ الأموال )؛ عندها يقوم المقربون ببيع أسهمهم التي اشتروها بأسعار منخفضة أثناء الحرب. ثم يُشعل الحرب مرة أخرى، وعندما تنخفض الأسعار يعيدون الشراء. وهكذا دواليك.

والأغرب من ذلك هو ما كشفته التحقيقات الصحفية مؤخراً. فقد لاحظ المحللون وقوع صفقات مشبوهة ومنسقة بدقة متناهية قبل دقائق أو حتى ثوان من قرارات ترامب الكبرى.

ففي حادثة وقعت في 23 مارس 2026، قام متداولون بمراهنات ضخمة على انخفاض أسعار النفط بقيمة حوالي 950 مليون دولار، تبعتها أوامر شراء لأسهم مؤشر S&P 500 بقيمة تجاوزت الملياري دولار. وبعد 16 دقيقة فقط، نشر ترامب على منصته ” تروث سوشيال ” إعلان وقف إطلاق النار مع إيران، مما أدى إلى انهيار سعر النفط الخام بنسبة 15% وارتفاع الأسهم بنحو 4%.

ببساطة، إنها عمليات تداول من الداخل ( Insider Trading ) بامتياز,لكنها تحدث على أعلى مستوى في الهرم السياسي. ولم تكن هذه الممارسات موجهة فقط لملء جيوب الأصدقاء؛ بل كان الهدف الأكثر إلحاحاً هو إنقاذ ترامب من العزل.

لقد تصاعدت دعوات عزل ترامب مع استمرار الحرب في إيران. وقد وضعت نتائج استطلاعات الرأي الحزب الجمهوري في موقف صعب. إذ يسيطر الديمقراطيون على تقدُّم بخمس نقاط في انتخابات التجديد النصفي المقبلة ، لكن هذه النسبة تقفز إلى 9 نقاط بين الناخبين الذين ” ملتزمون تماماً بالتصويت “.

وبالتالي، فإن سياسة التذبذب ، حيث تؤدي قرار وقف الحرب لإنعاش الأسهم  وإشعالها يؤدي إلى تعزيز الشعبوية ، ثم وقفها مرة أخرى لكسب الوقت ، ثم إشعالها لتهديد الناخبين. إنها دورة مغلقة من المصلحة الذاتية، لا مخرج منها إلا بإنهاء اللعبة.

وفي النهاية، لا يمكن للمرء إلاَّ أن يتساءل ، هل هناك حد للعب بالحرب والنار ؟ ما يفعله ترامب ونتنياهو ليس مجرد فساد سياسي، بل هو خيانة للثقة الإنسانية، حيث يتحول دماء الجنود والأبرياء إلى خانات في جدول بيانات للبورصة. مع اقتراب انتخابات نوفمبر 2026 الحاسمة، ستتحدد مصائر ليس فقط رجال السياسة هؤلاء، بل مصير مبدأ أساسي، فهل يمكن للسياسة والعدالة أن تنتصرا على الجشع والخوف ؟ أم أننا مقبلون على مرحلة جديدة من الشمولية المالية العسكرية والطغيان ؟ الأيام القادمة ستكون الفصل الأخير في هذه المأساة التي تهدد حياة الملايين.

 

 

 

 

Comments are closed.

اهم الاخبار