د. سامي عطا : سياسات ترامب تلوذ بقاعدة الإرباك!

هل تساءلت يومًا لماذا تبدو تصريحات بعض الزعماء متناقضة للغاية؟ هل هي مجرد عشوائية، أم أن هناك منهجية خفية وراء هذه الفوضى؟ في عالم السياسة المعاصر، برزت استراتيجية مثيرة للجدل تُعرف في علم السياسة بـ”قاعدة الإرباك” (If you can’t convince them, confuse them)، وهي قاعدة نبه لها الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان في خطاباته الانتخابية عام 1948، ليس ليتبناها، بل ليفضح بها خصومه من الحزب الجمهوري. واليوم، يبدو أن الرئيس دونالد ترامب قد أعاد إحياء هذه الخدعة القديمة، محولًا إياها إلى أداة رئيسية في سياسته المحلية والخارجية.

 

تعود جذور هذه المقولة “القاعدة” إلى ما هو أقدم من ترومان، حيث وردت في كتابات إنجليزية تعود إلى عام 1919. وفي أربعينيات القرن الماضي، استُخدمت هذه المقولة لنقد الأساليب البلاغية لأدولف هتلر نفسه. وعندما أطلقها ترومان في خطابه الشهير في 18 سبتمبر 1948، كان يصفها بأنها “خدعة سياسية قديمة” يتبعها خصومه الجمهوريون: “إذا لم تستطع إقناعهم، فأربكهم. لكن هذه المرة لن تنجح”. وهكذا، فإن ترومان لم يكن يتبنى هذه القاعدة، بل كان يحذر منها ويفضحها.

ويبدو أن ترامب اليوم يسير على نفس الطريق الذي سار عليه أسلافه الجمهوريون، حيث يعتمد على “الإرباك المقصود” كاستراتيجية متعمدة. فقد أكد الدكتور عبد الرحيم علي، رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط بباريس، أن “التضارب في خطابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأركان حربه ليس عفويًا، بل تكتيك مدروس بعناية لتوجيه رسائل متباينة لمختلف الأطراف”. وهذا ما يفسر تصريحاته المتناقضة حول الحرب على إيران، حيث تتراوح تصريحاته بين التهديد والتفاوض، وبين الحسم والتردد.

 

تتعدد الأمثلة على هذه الاستراتيجية في سياسة ترامب. ففي الحرب على إيران، أصدر “تصريحات متناقضة بشأن الأهداف والنطاق ومدة العمل العسكري ضد إيران، مما يعكس محاولاته لجذب انتباه مختلف الفئات”. وفي حرب الـ12 يومًا في يونيو المنصرم أعلن ترامب أن الولايات المتحدة “دمرت بالكامل” قدرة إيران على إنتاج الأسلحة النووية، ثم قال بعد ثوانٍ إن الهجوم كان ضروريًا “لأنهم كانوا على بعد أسبوعين من امتلاك سلاح نووي”. هذه التناقضات ليست مجرد أخطاء، بل هي جزء من استراتيجية متعمدة لإرباك الخصوم والحلفاء على حد سواء.

لطالما حذر مفكرون كبار من مخاطر هذه الاستراتيجية. فقد وصفت الفيلسوفة حنة آرندت كيف أن الكذب المنظم يمكن أن يصبح أداة للسلطة، مشيرة إلى أن “عندما يجد أولئك الذين يُكذب عليهم أن حياتهم أصبحت أسوأ بسبب الأكاذيب، فإنهم يتوقفون عن تصديق الأكاذيب”. كما انتقد اللغوي نعوم تشومسكي كيف تستخدم وسائل الإعلام لنشر الدعاية والتضليل، واصفًا ذلك بـ”صناعة الموافقة” (Manufacturing Consent).

 

أما إدوارد برنايز، رائد العلاقات العامة، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن “التلاعب الواعي والذكي بالعادات والآراء المنظمة للجماهير هو عنصر مهم في المجتمع الديمقراطي”. لكنه حذر أيضًا من أن “أولئك الذين يتلاعبون بهذه الآلية غير المرئية للمجتمع يشكلون حكومة غير مرئية هي القوة الحاكمة الحقيقية لبلدنا”. وهذه النظرة تتفق مع ما يصفه الباحثون اليوم بـ”خرطوم الأكاذيب” (Firehose of Falsehood)، وهي استراتيجية دعائية تهدف إلى إغراق الجمهور بسيل من المعلومات المتضاربة والكاذبة، مما يجعل من المستحيل تقريبًا تمييز الحقيقة.

ولم تكن قاعدة الإرباك وليدة العصر الحديث، بل تعود جذورها إلى استراتيجيات سياسية قديمة. ففي روما القديمة، استخدم القادة مثل يوليوس قيصر تكتيك “فرق تسد” (Divide and Impera) لإضعاف خصومهم.

وفي العصر الحديث، نجد أن الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون استخدم استراتيجية “الجنون” (Madman Theory) لإرباك خصومه وجعلهم يعتقدون أنه قادر على اتخاذ قرارات غير عقلانية. أما اليوم، فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة مثالية لنشر هذا الإرباك، حيث يمكن للزعماء توجيه رسائل متناقضة لمختلف الجماهير في الوقت نفسه.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: فهل تنجح استراتيجية الإرباك على المدى الطويل؟ تشير الدلائل إلى أن هذه الاستراتيجية محكوم عليها بالفشل. فكما قال ترومان قبل أكثر من سبعين عامًا: “لكن هذه المرة لن تنجح”. الإرباك السياسي لا يحتاج إلا إلى أكاذيب ومخاتلات ومراوغات، وسرعان ما تنكشف عند الخصوم والرأي العام. وعندما يصبح الإرباك هو القاعدة، يخسر الجميع: السياسيون يفقدون مصداقيتهم، والمواطنون يفقدون ثقتهم في مؤسساتهم، وتصبح السلطة نفسها في خطر.

لعل أهم ما يمكننا تعلمه من هذه القصة هو أن الحقيقة مهما بدت صعبة، هي دائمًا أفضل من الإرباك. فكما قال جورج أورويل: “في زمن الخداع العالمي، فإن قول الحقيقة هو عمل ثوري”. وعندما يختار الزعماء الإرباك بدلًا من الإقناع، فإنهم يخونون ثقة شعوبهم ويقوضون أسس مجتمعاتهم.

لذا على الناس أن يكونوا يقظين، وأن يتمسكوا بالحقيقة، مهما حاول السياسيون إرباكهم.

Comments are closed.

اهم الاخبار