د. علي أحمد الرحبي: الوديعة والسيادة: قراءة في تحولات الدور المصري من الريادة القومية الى التبعية

تقتضي القراءة الاستراتيجية لسيادة القرار القومي تفكيك ظاهرة الارتهان المالي وأثرها المباشر على العقيدة العسكرية للدول العريقة؛ إذ إن اختزال الدور التاريخي للمؤسسات الدفاعية في حسابات التمويل المشروط والودائع المصرفية المؤقتة يمثل انحرافاً حاداً يمس جوهر الاستقلال الوطني1.

ويتجلى هذا الانحراف الجلي في الخطاب المتلفز الصريح أمام طلاب الكلية الحربية، حين أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر الكامل “لاتخاذ الإجراءات اللازمة” للدفاع عن السعودية، مؤكداً أن ذلك يأتي “تنفيذاً لتوجيهات الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان”2.

إن ورود مفردة “التوجيهات” بدلاً من أطر التحالف القومي أو اتفاقيات الدفاع المشترك المتكافئة، يضع عقيدة الدولة أمام أزمة بنيوية تُفرغ القوة السيادية من مضمونها التحرري، وتُحولها من أداة لحماية الأمن القومي الشامل إلى واجهة لوظائف أمنية مرهونة بتمديد الودائع البنكية وسد العجز المالي.

ينطوي السجل التاريخي للعلاقات بين القاهرة والرياض على تعارض هيكلي بين مشروعين إقليميين؛ مشروع ثورة 23 يوليو 1952 الذي قاده جمال عبد الناصر لدعم حركات التحرر العربي والأفريقي وبناء الدولة الوطنية المستقلة، وبين العقيدة الأمنية للرياض التي صُنفت تاريخياً ضمن استراتيجيات احتواء القومية العربية عبر التحالفات التقليدية^3.

وقد أثبتت المحطات الفارقة—بدءاً من الصراع في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي وصولاً إلى أزمات التمويل المعاصرة—أن أدوات الضغط والودائع البنكية لم تكن يوماً مجرد دعم اقتصادي مجرد، بل أداة جيوسياسية تُستخدم لإعادة رسم الأدوار الإقليمية للقاهرة وتجريد قرارها الاستراتيجي من استقلاليته المعهودة 4.وتنعكس خطورة هذا المسار الاستنزافي في المفارقة الحادة بين تحييد القوة العسكرية عن أداء دورها المباشر في حماية المقومات الجوهرية للأمن القومي العربي—كما هو الحال في الموقف المتردد تجاه التطورات المأساوية في فلسطين وغزة—وبين الاستعداد لإقحام القدرات العسكرية في صراعات إقليمية نائية ومغلقة. إن هذه المقايضة تعيد إلى الأذهان كلفة الانغماس الميداني في اليمن خلال الستينيات، حين أدت الاستنزافات المالية والعسكرية الممتدة إلى انكشاف الجبهة الدفاعية المباشرة عشية حرب 1967؛ مما يجعل من استدعاء تلك التجارب تحت مظلة التمويل المشروط خطأً استراتيجياً يُبدد رصيد المكانة القومية للدولة المصرية^5.إن الاستقرار الإقليمي واستعادة التوازن الحضاري لا يتحققان عبر طلب الودائع والقروض المشروطة من منظومات دأبت على ممارسة الهيمنة، بل عبر التحرر الكامل من التبعية السياسية والاقتصادية.

فالرياض والتحالفات القائمة على نفوذ المال السياسي لم تحترم عبر تاريخها سوى الكيانات الصلبة التي تفرض سيادتها الدفاعية وتقف بصلابة أمام أطماع الجوار. إن الكرامة القومية لا تُشترى بالمساعدات، والاستقلال الاستراتيجي لا يُباع بالودائع، والعودة إلى ثوابت التحرر والسيادة هي الضمانة الوحيدة لحفظ مكانة مصر التاريخية وصون كرامة مؤسساتها الدفاعية.

ختاماً: إن الدرس الذي يجب أن تستوعبه القاهرة، قبل فوات الأوان، هو أن الاستقلال لا يُشترى، وأن الكرامة لا تُقايض بأي وديعة. فالتاريخ يعلّمنا أن الأمم التي رهنت قرارها بالمال، خسرت قرارها وخسرت كرامتها معاً. ومصر التي ألهمت العالم بثورة يوليو، وحررت نفسها من الاحتلال، وقادت حركات التحرر في ثلاث قارات، ليست بحاجة إلى أن تكون شرطياً لمملكة لا تحترم إلا من يقف في وجهها.

إن استعادة مصر لدورها القيادي لا تتحقق عبر طلب الودائع والقروض المشروطة، بل عبر الاستقلال الاقتصادي التام، ورفض التبعية السياسية، والتلاحم مع الخيارات القومية التي تحفظ كرامة مصر ومكانتها بين الأمم. والسؤال الذي يطرح نفسه على القاهرة اليوم: هل يمكن بناء بدائل اقتصادية تُحرر القرار المصري من قبضة الودائع؟ أم أن الثمن سيبقى بنداً دائماً في ميزانية الكرامة؟

الهوامش:

1-محمد حسنين هيكل، سنوات الغليان: حرب الخليج وأسرار التداعي العربي (القاهرة: دار الشروق، 1992)، 45-52.

2-“كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية والكليات العسكرية المصرية (التلفزيون المصري، التغطية الإعلامية للخطاب الرئاسي17اكتوبر، 2026)

3-.Malcolm H. Kerr, The Arab Cold War: Gamal ‘Abd al-Nasir and His Rivals, 1958–1970, 3rd ed. (London: Oxford University Press, 1971), 112–20.

 

4-International Crisis Group, Egypt’s Economic Peril and the Price of Regional Alliances, Middle East Report No. 242 (Brussels: International Crisis Group, 2024), 14–19.

5-Helen Lackner, Yemen in Crisis: Autocracy, Neo-Liberalism and the Disintegration of a State (London: Saqi Books, 2019), 88–95.

Comments are closed.

اهم الاخبار