مسافة بين الشعارات والواقع: أين المشروع الوطني لثورة (26) سبتمبر في سلوك قيادات الفنادق؟!
محمد علي اللوزي:
لم يهزم أحد ثورة 26 سبتمبر كما هزمتها ما تسمى بـ”الشرعية”، ومعها تلك القيادات السياسية والحزبية التي حولت التعددية من وسيلة لبناء الدولة وصون السيادة الى سوق للمساومات والارتهان، ثم انتهت بها الحال الى متسكعين في فنادق فاخرة، يتنقلون بين العواصم وقاعات الفنادق، ويصدرون البيانات والخطابات فيما وطنهم ينزف، ويجعلون سيادته تتآكل، وقراره الوطني يصادر أمام أعينهم برغبتهم ورضاهم وبيعهم ذممهم ورهن ضمائرة للمهلكة العدو الذي لايسبقه عدو آخر لليمن منذ تأسست هذه المهلكة.
لقد منح هؤلاء التحالف الخارجي شرعية لممارسة ما لا يمكن لأي وطني أن يمنحه. “الشرعية” في تدمير الوطن، وانتهاك سيادته، وتحويل أرضه الى ساحة مفتوحة للحسابات الاقليمية والدولية. ثم يخرجون في كل مناسبة لإضاءة القناديل ورفع الشعارات ودبج الخطب وأغاني سبتمبرية (دمت ياسبتمبر التحرير) والاحتفال بثورة قامت أصلا ضد الاستبداد والوصاية والإرتهان ومن أجل السيادة والاستقلال فكانوا خونة هذا المبداء بإمتياز، وكأن الكلمات تستطيع أن تمحو ما فعلته السياسات أو أن تخفي حقيقة أن من يتحدثون باسم الجمهورية والثورة قد ساهموا في اضعاف الدولة التي يفترض أنهم يدافعون عنها.
أي احتفال هذا الذي لا يملك أصحابه أن يقدموا للشعب منجزا وطنيا واحدا، ولو بسيطا ومتواضعا، يثبت أنهم حافظوا على شيء من أهداف الثورة ومبادئها؟ وأي وطنية تلك لتي لا تظهر إلا في الخطب والمهرجانات، بينما القرار السياسي مرهون، والأرض محتلة، والمؤسسات منهكة، والمواطن يدفع ثمن حرب طويلة لم يكن له قرار في اشعالها ولا في استمرارها؟
لقد رهنت هذه القوى،جزءاً كبيرا من أهداف ومبادئ ثورة 26 سبتمبر لحسابات الخارج، وتحولت من قوى يفترض أن تحمل مشروع الدولة الوطنية الى أطراف تبحث عن شرعيتها من خارج الحدود وتستمد حضورها من ولائها المطلق للرياض. ومن هنا لم تعد القضية مجرد خلاف سياسي أو اختلاف في البرامج، بل أصبحت أزمة في معنى الوطنية نفسها.. الوطنية التي لايمكن أن تكون شعارات ترفع في المناسبات، أنها استقلال في القرار، وحماية للأرض، وصون لكرامة المواطن، ورفض لتحويل اليمن الى ورقة في صراعات الأخرين ومنحهم صك ندمير منجزات وطن. والأخطر من ذلك أن بعض هذه القيادات اختزلت الجمهورية في شرعية سياسية، واختزلت الشرعية في اعتراف خارجي، ثم اختزلت الاعتراف الخارجي في تبعية سياشية مطلقة وإهانة للشرعجية غير مسبوقة، حتى أصبح الوطن نفسه هو الحلقة الأضعف لديهم في هذه المعادلة. وهكذا جرى التعامل مع السيادة وكأنها تفصيل قابل للتفاوض، ومع الاستقلال وكأنه شعار قديم يمكن استبداله بالحماية الخارجية والخيانة الوطنية، ومع إرادة اليمنيين وكأنها أمر ثانوي أمام إرادة القوى التي تمسك بمفاتيح التمويل والدعم والقرار.
إن ثورة 26 سبتمبر لم تقم لكي يستبدل اليمنيون وصاية بوصاية، ولا لكي تنتقل البلاد من حكم مغلق الى واقع تصبح فيه إرادة الخارج شرطاً لممارسة السياسة. جوهر الثورة، في معناها الوطني، هو بناء دولة يمتلك شعبها قراره، ويحكمها القانون، وتصان فيها كرامة الإنسان، وتكون فيها السيادة ملكا لليمنيين لا منحة من أي عاصمة خارجية. ومن المؤلم أن تتحول ذكرى الثورة، بعد كل ما قدمه اليمنيون من تضحيات، الى مناسبة للاحتفال الشكلي بينما تتراجع مضامينها في الواقع. فالثورات لا تقاس بعدد القناديل التي تضاء، ولا بعدد الخطب التي تلقى، ولا بطول البيانات التي تصدر في المناسبات، وإنما بما يبقى من أهدافها في حياة الناس وفي مؤسسات الدولة وفي استقلال القرار الوطني.
إننا لاننسى ابان قيام الثور ومن أول لحظة (سبع سنوات) من الحرب على تطلعات اليمنيين وحقهم في البناء والتغيير والذي عملت المملكة على وأد أنبل ثورة واجهاض أجمل حلم فكانت تسدد الضربات على المسار السبتمبري وتشتري الخونة والمرتزقة كما هو حال اليوم وظلت حتى الوقت الراهن تعادي الثورة وأهدافها ومكاسبها فهل يعقل الشرعجيون أن 26سبتمبر ليست مجرد رقم في تقويم سياسي، بل ذاكرة ثقيلة بما حملته من شهداء وجرحى ودمار ونزوح ومعاناة وانقسام، وما تركته من جراح لم تندمل بعد. وكل من شارك في صناعة هذا الواقع أو أطال أمده مطالب أخلاقيا وسياسيا بأن يجيب اليمنيين عن سؤال بسيط: ماذا تحقق للوطن مقابل كل هذا الثمن؟ وأين هو المشروع الوطني الذي كان يفترض أن تكون الحرب وسيلة للوصول إليه؟
أما أن تظل القيادات ذاتها تتكرر الخطابات نفسها، وتحتفل بالثورة نفسها، وتستحضر تضحيات الشهداء نفسها، ثم تتجاهل ما آل اليه الوطن من تمزق وارتهان وتحولها الى أدوات رخيصة في يد النظام السعودي، فذلك لا يصنع وطنا ولا يحفظ ثورة. بل يحول ذكرى الثورة الى طقس احتفالي منفصل عن جوهرها والى مغالطة مهما دبجت الأقلام العميلة الجمل وجادت قريحتها بالكذب.
لقد حان الوقت لكي يميز اليمنيون بين من يحمل اسم الثورة ومن يحمل أهدافها، وبين من يتغنى بالجمهورية ومن يدافع فعلاً عن استقلال القرار الوطني، وبين من يرفع علم اليمن في المنصات ومن يعمل على حماية اليمن في الواقع ويسجل أنصع صفخات الصمود والبسالة. فالوطنية ليست بطاقة تعريف سياسية، ولا وظيفة في حكومة، ولا مقعدا في حزب، ولا اقامة مريحة في فندق، وإنما موقف ومسؤولية وتضحية وانحياز واضح لمصلحة الوطن قبل مصالح الخارج.
ولذلك ستظل ثورة 26 سبتمبر أكبر من الذين يحاولون احتكار اسمها أو المتاجرة بذكراها. وستبقى أهدافها معيارا أخلاقيا ووطنيا يمكن من خلاله محاسبة كل من أدعى تمثيلها. ومن لا يستطيع أن يقدم للشعب منجزاً واحداً يدل على دفاعه عن السيادة والاستقلال والعدالة والدولة، فعليه على الأقل أن يتوقف عن تقديم نفسه بوصفه وريثا لنضال لم يحافظ على مبادئه.
أن هؤلاء هم،زنادقة السياسة. يرفعون رايات الثورة ثم يفرغونها من مضمونها، ويتحدثون عن السيادة فيما القرار مرتهن، ويتغنون بالاستقلال فيما الوطن يدفع ثمن صراعات الخارج، ويستحضرون الشهداء في المناسبات ثم يتركون تضحياتهم معلقة بلا مشروع وطني.
وما تحتاجه اليمن اليوم ليس مزيدا من الخطب، بل استعادة المعنى الحقيقي للجمهورية.. دولة مستقلة القرار، مصونة السيادة، يحكمها اليمنيون، وتكون مصالح شعبها فوق مصالح الاحلاف والوصايات والحسابات والعملات والارتهانات ورهن القرار السيادي لدولة دأبت على عداء اليمن وثورته وأثببت تاريخيا أنها أشد عداوة لـ26 سبتمبر فهل يكف الخونة عن هذيانهم واحتفالاتهم المزورة؟! أم سيظلون يتمسكون بتلابيب العملات المختلف الوانها حتى يحين موعد محاسبتهم على استمرائهم للخيانة ومن معهم من مأحوري الأقلام؟!
Comments are closed.