المقدسات الموسمية !

معن خليل

لم يحتج خبر استهداف مكة بطائرة مسيّرة إلى وقت طويل حتى يتحول إلى مادة للتحريض السياسي. استُحضرت قصة أبرهة وأصحاب الفيل، وارتفعت فجأةً لغة الدفاع عن مكة والكعبة والمقدسات، قبل أن يُستخدم كل ذلك في الهجوم على أنصار الله. لكن خلف هذا الاستنفار سؤال يصعب تجاهله: لماذا تستدعي بعض الحوادث كل هذه الحساسية تجاه المقدسات وحرمة المسلمين، فيما تمر حروب كاملة، بما خلّفته من قتلى ودمار وحصار، من دون استنفار مماثل؟

على مدى أكثر من إحدى عشرة سنة من الحرب والحصار على اليمن، قُصفت مدن وقرى، وقُتل مدنيون، ومات أطفال تحت الركام أو بفعل الجوع والمرض. ومع ذلك، لم تحظَ حرمة اليمنيين وبيوتهم وحياتهم بمقدار مماثل من الخطاب الأخلاقي والديني الذي نشهده اليوم.

وبعد سنوات من الحرب، يبدو أن المسألة تتجاوز الدفاع عن المقدسات إلى طريقة استخدام هذا الدفاع في الصراع السياسي. فالحرمة التي يُفترض أن تكون مبدأً ثابتاً تصبح، في الخطاب السياسي، شديدة الحضور عندما تخدم مواجهة خصم، وأقل حضوراً عندما تتعارض مع الحسابات والمصالح.

ولا تقتصر هذه الانتقائية على اليمن. ففي غزة، سقط أكثر من مئة ألف شهيد وجريح، وطاول التدمير الواسع المساجد والمعالم الدينية والتراثية، إلى جانب الأحياء والمنازل والبنى المدنية. وفي القدس، تتواصل الاقتحامات للمسجد الأقصى، فيما يتعرض الحرم الإبراهيمي في الخليل لاعتداءات وقيود متواصلة.

ومع ذلك، لا يبدو مستوى الاستنفار واحداً في كل هذه الحالات، وهنا تكمن المشكلة: ليست في الدفاع عن مكة، إذ لا خلاف على مكانتها وحرمتها، بل في المعايير التي تحدد متى تصبح المقدسات قضية تستوجب التعبئة، ومتى يتحول الاعتداء على البشر ودور العبادة والمدن إلى خبر آخر يمكن تجاوزه.

المقدسات والإنسان

لمكانة مكة والكعبة موقع لا يحتاج إلى مزايدة. لكن حرمة المكان لا يمكن فصلها عن حرمة الإنسان ودمه وكرامته. وهذه الفكرة حاضرة بوضوح في الموروث الإسلامي: تعظيم المقدسات لا يبرر التعامل بخفة مع حياة الناس، ولا يجعل دماءهم أقل شأناً في ميزان الأخلاق والدين.

من هنا، يسأل عن هوية المدافع إنّما عن مدى اتساق هذا الدفاع مع الموقف من الانتهاكات الأخرى. فإذا كان احتمال استهداف مكان مقدس كافياً لإطلاق عاصفة من المواقف والخطابات، ماذا عن سنوات الحرب على اليمن؟ وماذا عن عشرات آلاف الضحايا في فلسطين؟

المفارقة أن المقدسات، حين تدخل في الصراع السياسي، يمكن أن تتحول من قيمة جامعة إلى أداة فرز وتحريض. عندها، لا تعود المسألة مرتبطة بحرمة المكان بقدر ارتباطها بهوية الطرف الذي يُتهم بالمساس به. وهنا يظهر الفارق بين التعامل مع المقدسات باعتبارها قيمة ثابتة، واستخدامها كورقة سياسية تُرفع عند الحاجة ثم تتراجع عندما تتغير المصالح.

حرمة لا تتغير بتغيّر الخصوم

دم اليمنيين لم يكن أقل حرمة خلال سنوات الحرب والحصار. ودم الفلسطينيين ليس أقل حرمة اليوم. كما أن المساجد والمقدسات لا تتغير قيمتها بحسب هوية من يعتدي عليها أو موقعه السياسي.

على مدى أكثر من إحدى عشرة سنة من الحرب والحصار على اليمن قُصفت مدن وقرى وقُتل مدنيون ومات أطفال تحت الركام

لذلك، فإن الاعتراض على أي مساس بمكة لا يتناقض مع مساءلة الخطاب الذي يستحضر حرمتها بصورة انتقائية. بل إن اتساق الموقف يقتضي رفض المساس بها، وفي الوقت نفسه رفض استخدام مكانتها لإذكاء صراع بين المسلمين أو لتبرير خطاب سياسي يتجاهل ضحايا حروب أخرى.

المشكلة، في النهاية، ليست في رفع شعار الدفاع عن المقدسات، بل في تحويل هذا الشعار إلى أداة تعمل في اتجاه واحد. فالمعيار الذي يحترم حرمة مكة يفترض أن يرى أيضاً حرمة الإنسان اليمني والفلسطيني، وأن يرفض الاعتداء على الأقصى والحرم الإبراهيمي وسائر دور العبادة، بصرف النظر عن الحسابات السياسية. والمقدسات لا تحتاج إلى غيرة موسمية. وما يمنح الدفاع عنها صدقيته ليس ارتفاع الصوت عند اشتداد الخصومة، بل ثبات المعيار عندما تتغير هوية المعتدي والضحية.

 

المصدر: ” الأخبار” اللبنانية

Comments are closed.

اهم الاخبار