12 عاماً على ثورة 21 سبتمبر التي أخرجت اليمن من عباءة السفارات إلى قلب المعادلة الإقليمية
الوحدة:
في الذكرى الثانية عشرة لانطلاقها، تقف ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر 2014 شاهداً حياً على تحوّل تاريخي غير مسبوق في مسار اليمن السياسي والعسكري. فمن إسقاط وصاية السفارة الأميركية على القرار الوطني، إلى كسر الهيمنة الإقليمية، وصولاً إلى تحرير الساحل الغربي وباب المندب، رسمت هذه الثورة مساراً متكاملاً للسيادة الوطنية أعاد لليمن دوره الإقليمي وحضوره في المعادلة الدولية.
هذا التقرير يستعرض التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد على مدار 12 عاماً، مدعماً بشهادات وتحليلات سياسيين وباحثين، ليرصد كيف تحول اليمن من ساحة تُدار بالريموت كنترول الخارجي إلى رقم صعب في الملاحة والتوازنات الدولية.
لحظة فاصلة
في الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، كان اليمنيون على موعد مع لحظة تاريخية فارقة، حين وصلت قوى الثورة الشعبية بقيادة حركة أنصار الله إلى العاصمة صنعاء، لتطوي صفحة طويلة من التبعية والارتهان استمرت عقوداً.

قائد الثورة: أهم إنجازات الثورة إسقاط الوصاية الخارجية عن الوطن
لم تكن تلك اللحظة وليدة حدث سياسي عابر، بل جاءت تتويجاً لمسار نضالي تراكمي امتد من صرخة الشهيد حسين بدر الدين الحوثي في مران، مروراً بحروب صعدة الست (2004-2010)، وصولاً إلى ثورة فبراير 2011 وما تلاها من إحباطات ومؤامرات ملتفة على تطلعات الشارع.
التغيير الجذري
لم تكن ثورة 21 سبتمبر مجرد تغيير في وجوه السلطة أو تبديلاً شكلياً في التوازنات الحزبية الداخلية، بل كانت ثورة تحررية شاملة رفعت لواء التحرّر من الوصاية الخارجية واستعادة القرار الوطني المسلوب. وشكّلت حركة أنصار الله المدماك الأساسي في هذا المسار، إذ قادت الحركة، برؤية قائدها السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، التحرك الشعبي خطوة بخطوة نحو تحقيق أهدافه المتمثلة في تجريف شبكات الفساد، وإسقاط الهيمنة الأجنبية، وبناء أطر الشراكة الوطنية.

المشاط: لولا الثورة لكان التطبيع مع العدو الإسرائيلي أُعلن من اليمن
جمهورية السفارات
لا يمكن فهم القيمة الاستراتيجية لثورة 21 سبتمبر دون تشريح واقع “جمهورية السفارات” الذي كان سائداً قبل عام 2014. فقد عاش اليمن عقوداً تحت وطأة نظام وصاية مزدوج سلب الشعب قراره السياسي وحوّل المؤسسات إلى أدوات تنفيذية لأجندات خارجية.
كشفت الوثائق السرية التي جرى التحفظ عليها عقب انتصار الثورة عن مستويات صادمة من التدخل المباشر؛ إذ احتوت على توجيهات صريحة من السفير الأميركي الأسبق “جيرالد فايرستاين” للرئاسة اليمنية بنقل “وحدات مكافحة الإرهاب” من وزارة الداخلية إلى وزارة الدفاع، بجانب إصدار قرارات سيادية بتعيين قيادات عسكرية في مواقع حساسة مثل قوات العمليات الخاصة وهيئة الأركان.
لقد انتقل مركز صنع القرار فعلياً من دار الرئاسة بالسبعين إلى مقر السفارة الأميركية بشيراتون.
تفكيك الجيش
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير العسكري العميد مجيب شمسان أن التحرك الأمريكي منذ 2001 كان يهدف للسيطرة الكاملة على مفاصل الدولة اليمنية.
ويوضح شمسان، أن السفير الأميركي كان ينفذ زيارات ميدانية دورية للمعسكرات اليمنية للإشراف على تفكيك الجيش، مسجلاً تدميراً ممنهجاً لقدرات الدفاع الجوي والبحرية، واغتيال أكثر من 50 طياراً و23 مدرباً وملاحاً، فضلاً عن إسقاط وإخراج أكثر من 20 طائرة حربية عن الخدمة بين عامي 2004 و2012.

الحوثي: ثورة 21 سبتمبر تحوّل عميق أعاد صياغة الوعي والقيم والحرية
ولم تكن الوصاية الإقليمية أقل توغلاً؛ إذ امتد التدخل الخارجي لدرجة تسمية مدراء أقسام الشرطة في العاصمة صنعاء، وتشكيل أجهزة أمنية تُدار بإشراف أجنبي مباشر.
استباحة السيادة
ويدعم هذا التوصيفَ رئيسُ المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط، بتأكيده أن قوى النظام السابق “أسقطت كل الشرعيات، وأهدرت موارد البلاد، وأباحت سيادة الوطن”، مشيراً إلى أن اليمن كان يعيش حينها ذروة الانحدار الوطني.
“الجرعة النفطية”
وفي ظل هذا المشهد، جاءت “جرعة” المشتقات النفطية التي أقرتها الحكومة آنذاك لتكون الشرارة التي فجّرت الغضب المتراكم.
وفي هذا الإطار، يرى الباحث أنس القاضي، في منشور له على منصة “إكس”، أن المحرك الأساسي للأحداث تجسّد في حالة القهر الاجتماعي المتراكمة، والناتجة عن سياسات الإفقار وتفاقم الديون، فضلاً عن الفساد المرتبط بأجندات خارجية.
ثورة شعبية
انفجرت الإرادة الشعبية اليمنية في وجه منظومة الوصاية والتبعية؛ فلم تكن الثورة انقلاباً حزبياً ولا طائفياً، بل كانت تعبيراً عن إرادة شعبية قوية للتخلص من واقعٍ كان يعاني فيه الشعب أزماتٍ متلاحقة وحروباً وانتهاكاً مستمراً للسيادة الوطنية.
وفي هذا السياق، وُصفت الثورة بأنها “ثورة نظيفة لم تشبها الشوائب التي لدى الآخرين من الأدوات الخاضعة التي تعمل للعدو”، كما أكد قائد الثورة السيد عبد الملك الحوثي، مشيراً إلى أنها تميزت بأدائها الراقي وجلبت الأمن والاستقرار للوطن.

بزي: تحرير الساحل الغربي زلزال جيوسياسي هز منظومة أمن أمريكا وحلفائها
وأضاف في كلمة له بمناسبة ذكرى الثورة: “عندما حقق الله الإنجاز العظيم لهذا الشعب لم تكن هناك تصفية حسابات ولا إبادات جماعية”، موضحاً أن قادة تلك الأدوات المحلية كانوا في غاية الاطمئنان، وأن الثورة قدمت «مشروع السلم والشراكة، الذي حظي باعتراف دولي وإقليمي.
إسقاط الوصاية
من جانبه، يوضح عضو مجلس الشورى الدكتور عمرو معد يكرب الهمداني، أن 21 سبتمبر ثورة شعبية خالصة استهدفت تحرير القرار الوطني من الوصاية الخارجية.
ويضيف الهمداني أن الثورة جاءت لإسقاط مشاريع التقسيم والأقاليم المتناحرة التي أُُريد تمريرها عبر مؤتمر الحوار الوطني، وعملت على إعادة الاعتبار لأهداف ثورة 26 سبتمبر الخالدة في التحرر والعدالة الاجتماعية.

القاضي: القهر الاجتماعي وسياسات الإفقار كانا المحرك الأساسي للثورة
هروب الأمريكان
من أسرع الثمار المباشرة لانتصار الثورة، سقوط الهيكل الاستخباري الأجنبي في العاصمة. فمع ارتفاع شعارات التحرر أمام مبنى السفارة الأميركية، أدركت واشنطن أن أدواتها الميدانية سقطت بالكامل.
كانت السفارة تشكل ثكنة عسكرية مأهولة بأكثر من 120 جندياً من المارينز يسيطرون على جناح خاص بمطار صنعاء وقاعدة العند. ومع نهاية عام 2014، أغلقت السفارة أبوابها وغادر طاقمها بطريقة مهينة، تجلت في إتلاف الوثائق والمعدات والمغادرة العاجلة.
وقد عكس هذا الخروج الدراماتيكي حقيقة أن المشروع التحرري استطاع كسر هيبة التدخل المباشر، وتجريف البؤر الاستخبارية التي كانت تدير المشهد السياسي والأمني في اليمن.
محاولات فاشلة
أمام هذا التحول الاستراتيجي، سارعت القوى المتضررة في 25 مارس 2015 إلى شن تحالف عسكري واسع تحت اسم “عاصفة الحزم” برعاية أميركية-بريطانية. وعلى مدى سنوات، استُخدمت كافة أشكال القوة العسكرية والحصار الاقتصادي الخانق لإخضاع الإرادة الوطنية.
غير أن التبعات جاءت عكسية؛ إذ تحول الحصار والتحدي إلى فرصة لبناء القوة ذاتياً. فقد طورت القوات المسلحة اليمنية قدراتها الصاروخية وسلاح الجو المسير، لتنتقل من موقف الدفاع إلى فرض معادلات الردع في العمقين السعودي والإماراتي وعلى الممرات البحرية.

شمسان: التحرك الأمريكي منذ 2001 كان يهدف للسيطرة الكاملة على مفاصل الدولة
وعن هذه المرحلة، يؤكد الرئيس مهدي المشاط أنه “بعد سنوات من القتل والتدمير الممنهج والحصار الخانق، يقف اليمن اليوم أكثر صلابة وأشد بأساً لردع أي عدوان”، لافتاً إلى أن القيادة السياسية والقوات المسلحة نجحتا في وضع حد للتحكم الخارجي بمقدرات البلاد.
تحول يقلب التوازنات
شكل الـ 10 من سبتمبر 2026 محطة مفصلية جديدة في تثبيت أركان السيادة؛ حيث أنجزت القوات المسلحة عملية عسكرية واسعة أدت إلى استكمال السيطرة على الساحل الغربي لليمن وصولاً إلى قلب مضيق باب المندب.
ونجحت العملية في تطهير ست مديريات بمحافظتي تعز والحديدة على مساحة تتجاوز 5400 كيلومتر مربع، وتفكيك التحشيدات العسكرية المعادية المتمثلة في 7 فرق عسكرية تضم 38 لواءً، فضلاً عن تنفيذ 32 عملية تصدٍّ طالت الطيران الحربي والمعادي وإسقاط 9 طائرات.
تحرير الساحل الغربي
وفي قراءته للحدث، يرى الباحث المصري سامح عسكر، أن العملية أظهرت ثلاثة تحولات كبرى: امتلاك صنعاء لتقنيات ملاحية وهجومية عالية الدقة، وجود اختراق استخباري عميق لصفوف القوى الموالية للتحالف، والتفوق الميداني الحاسِم على امتداد مسرح المعركة.

د. الهمداني: 21 سبتمبر ثورة شعبية خالصة استهدفت تحرير القرار الوطني
بينما يعلق الخبير اللبناني في الشؤون الاستراتيجية الدكتور وسيم بزّي، مؤكداً أن تحرير الساحل الغربي.. زلزال جيوسياسي يهز منظومة أمن أمريكا وحلفائها”.
ويوضح بزّي أن العملية لا تقتصر على المكسب الميداني، بل تعيد صياغة معادلة الأمن في الخليج وغرب آسيا وموازين الصراع على الممرات البحرية، مع الإشارة إلى الحرص الذكي لصنعاء على إعلان استمرار الملاحة الدولية عبر باب المندب بصورة طبيعية لتفويت الفرصة على المخططات الأجنبية.
من الشعار إلى التطبيق
على مدى 12 عاماً، تجسدت السيادة الوطنية في مواقف سياسية وعسكرية صريحة، جعلت اليمن لاعباً أساسياً في قضايا الأمة.
وفي هذا الصدد، ينبه رئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط إلى أهمية التوقيت والتحول بالقول: “لولا الثورة لكان التطبيع مع العدو الإسرائيلي أُعلن من اليمن”.
موضحاً أن قرار اليمن اليوم في مناصرة غزة وقضايا الأمة الجوهرية يمثل التطبيق العملي الخالي من أي ضغوط أو وصاية أجنبية.
حرية واستقلال
ويصيغ عضو المجلس السياسي الأعلى محمد علي الحوثي هذا البعد مؤكداً أن ثورة 21 سبتمبر تحوّل عميق في مجتمعنا.. ثورة وعي وقيم وحرية واستقلال.
لافتاً إلى أنها لم تقتصر على الجانب العسكري، بل أيقظت الوعي المجتمعي وأعادت صياغة الثقافة الوطنية على أسس الحرية والكرامة.
وفي ذات السياق، يرى أكاديميون وسياسيون، مثل الدكتور حزام الأسد والدكتور عبد العزيز أبو طالب، أن الثورة أوقفت حالة الاستلاب السياسي. كما يؤكد عضو مجلس الشورى لطف الجرموزي أن اليمن أصبح مؤهلاً لبناء علاقات ندية مع المحيط الإقليمي. بعد أن نجح في الحفاظ على جغرافيا البلاد وسيادتها الوطنية وفرض معاملة ندية أمام دول العالم.

الجرموزي: اليمن أصبح مؤهلاً لبناء علاقات ندية مع المحيط الإقليمي
تحديات البناء
رغم النجاحات العسكرية والسياسية، تواجه ثورة 21 سبتمبر تحديات مركزية في ملف إدارة الدولة والتنمية:
المسار الاقتصادي: العمل الجاري لتوطين الصناعات الوطنية وتحقيق الحد الأدنى من الأكتفاء الذاتي والإنتاج الزراعي للتغلب على آثار الحصار الشامل.
الإصلاح المؤسسي: تنفيذ التغييرات الجذرية التي يشدد عليها الباحثون والأكاديميون، كالدكتور صادق مناع والدكتور محمد العاقل، لتطهير مؤسسات الدولة وتحسين كفاءة الإدارة العامة.
الجبهة الداخلية: مواجهة المحاولات الخارجية لإذكاء النعرات المذهبية والمناطقية، وتثبيت خيار الشراكة الوطنية لإنهاء الانقسام السياسي الذي تغذيه أطراف إقليمية.
مسار المستقبل
تؤكد الحقائق الميدانية والسياسية بعد اثني عشر عاماً أن ثورة 21 سبتمبر لم تكن حادثة عابرة في التاريخ اليمني الحديث، بل كانت نقطة تحول استراتيجية نقلت اليمن من خانة الارتهان والوصاية إلى الموقع الفاعل والمؤثر إقليمياً ودولياً.
إن الحفاظ على قرار سيادي مستقل، وبناء قوة ردع عسكرية، وتحرير المنافذ البحرية والبرية، يشكل القاعدة الأساسية لأي نهضة تنموية ومؤسسية مقبلة. وكما أشار مهدي المشاط، فإن “اليمن تسير باتجاه إنجاز الشرط الأساسي والجوهري في النهوض بالبلدان وبناء الدول الحقيقية”، لتظل هذه الثورة مشروعاً وطنياً مستمراً لحماية السيادة وصون كرامة الإنسان اليمني.
Comments are closed.