سامي عطا: ” عندما تنهار العروش “.. لماذا لن تسقط صنعاء كما سقطت دمشق؟

سؤال الشرعية في زمن التحولات الكبرى

قبيل معارك الساحل الغربي الأخيرة، انطلقت ماكينة إعلامية واسعة تتحدث عن “تكرار سيناريو سقوط سوريا في اليمن ”، وكأن التاريخ يعيد نفسه في جغرافيا مختلفة. غير أن هذا الطرح يتجاهل فارقاً جوهرياً في طبيعة نشوء السلطة وشرعيتها في الحالتين. فالنظام السوري كان سلطة شرعية نخرها الفساد وأضعفتها حرب المواجهة مع إسرائيل، ثم جاءت الحرب الداخلية لتقوّضه ويسقط في نهاية المطاف. أما في اليمن، فنظام 7/7 سقط في 2011م، وجرى إنعاشه وإعادة تدويره بالمبادرة الخليجية، لكنه سقط مرة أخرى عبر ثورة 21 سبتمبر 2014م. وشن تحالف المملكة حربه العدوانية على اليمن بغية إعادة نظام فاسد وفاشل، فلم تزده الحرب إلاَّ فساداً وإفساداً للمجتمع. وفي خضم هذا الصراع أخذت تتشكل شرعية جديدة لأنصار اللَّه وشركائها من رحم المعاناة والحرب. ولذا فإن وضع اليمن يختلف جوهرياً عن وضع سوريا.

هذه المقارنة تفتح الباب أمام سؤال أعمق: كيف تنشأ شرعية الحكم ؟ ولماذا تنهار ؟ وهل يمكن اختزال شرعية أي نظام في الاعتراف الدولي أو في القوة العسكرية وحدها ؟ للإجابة على هذه الأسئلة، لا بد من العودة إلى الفكر السياسي الإنساني، من ابن خلدون إلى ماكس فيبر، ومن الماوردي إلى مكيافيلي، لفهم القوانين العميقة التي تحكم دورة حياة الدول.

 الشرعية ليست تاجاً يُمنح من الخارج

يُجمع معظم المفكرين، على اختلاف منطلقاتهم، على أن الشرعية في جوهرها ليست صفة يمنحها الحاكم لنفسه، ولا شهادة يصدرها المجتمع الدولي، بل هي بالأساس قناعة باطنية عند المحكومين بأن السلطة القائمة صالحة وتستحق الطاعة.

يعبّر ماكس فيبر عن هذا المعنى بدقة حين يقول إن “ النظام الحاكم يكون شرعياً عند الحد الذي يشعر مواطنوه أن ذلك النظام صالح ويستحق التأييد والطاعة ”. ويضيف فيبر أن أكثر أنواع التأييد استقراراً هو ذلك النوع المستمد من إيمان الأفراد بأن من واجبهم قبول وطاعة الحاكم. ويؤكد أنه “ بدون الشرعية ” يصعب على أي نظام أن يملك القدرة الضرورية على إدارة الصراع بالدرجة اللازمة لأي حكم مستقر لفترة طويلة.

وقبل فيبر بقرون، صاغ ابن خلدون هذا المفهوم بلغة البيعة والعقد. يقول في مقدمته: “ اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره ”. هذه العلاقة التعاقدية، كما يوضح عبد النور بن عنتر، “ تُفسخ إذا أخلّ أحد المتعاقدين بشروط العقد ”.

ويحدد فيبر ثلاثة مصادر للشرعية: التقاليد، والزعامة الملهمة (الكاريزمية)، والعقلانية القانونية. ويرى أن الشرعية الكاريزمية تقوم على شخصية الحاكم وصفاته وإنجازاته، بينما الشرعية القانونية العقلانية تقوم على الإيمان بقانونية القواعد والإجراءات وليس بشخص الحاكم.

وهنا يبرز فارق جوهري: الشرعية الدستورية لنظام 7/7 في اليمن كانت مستمدة من الخارج — من المبادرة الخليجية والقرارات الدولية — لا من قناعة شعبية حقيقية. أما الشرعية الثورية التي تتشكل اليوم في صنعاء، فهي شرعية كاريزمية تنشأ من رحم الحرب والمعاناة، وتستمد قوتها من الإنجازات الميدانية والخطاب الديني والاجتماعي. وهذا ما يفسر لماذا تمكنت حركة أنصار اللَّه وشركائها من فرض “ سلطة الأمر الواقع ” التي لا يتجرأ أحد على مخالفتها في المناطق التي تسيطر عليها.

الفساد — القاتل الصامت للشرعية

إذا كانت الشرعية قناعة باطنية، فإن الفساد هو العدو الأول لهذه القناعة. فحين يتحول الحكم إلى وسيلة لنهب الثروات وتوزيع المغانم على المقربين، تفقد السلطة مسوّغها الأخلاقي، ويتحول المواطن من شريك في العقد الاجتماعي إلى ضحية له.

يشير باحثون إلى أربع أزمات متداخلة تُفضي إلى انهيار الأنظمة غير الديمقراطية: أزمة الشرعية، وأزمة الفاعلية، وأزمة التضامن بين أفراد الطبقة الحاكمة، وأزمة السلطة والسيطرة. وعندما يعاني النظام من هذه الأزمات، ترتفع احتماليات انهياره ويصبح الانهيار أمراً لا مفر منه.

والفساد هو المحرك الأساسي لهذه الأزمات. فالنظام السوري كان “سلطة شرعية نخرها الفساد” قبل أن تأتي الحرب الداخلية لتقوّضه.

ويقارن مكيافيلي في كتابه المشهور “الأمير ” بين الحاكم الذي يعتمد على الخوف والحاكم الذي يعتمد على المحبة، محذراً من أن الاعتماد على القوة وحدها دون بناء شرعية حقيقية يفضي إلى انهيار سريع. وقد شجب مكيافيلي “الانشغال بالترف ” واعتبره سر انهيار الدول، وربط بين القوة والشرعية في معادلة دقيقة. وكما يقول المثل المأثور على لسان أوغسطين: “ إن السلطة بلا عدالة هي سرقة كبرى ”.

وفي اليمن، كان الفساد هو العامل الرئيسي في تقويض شرعية نظام 7/7. فاستخدام النظام “لأدوات غير شرعية” — من توظيف التنوع المجتمعي وصرعنته، إلى تعديل الدستور، وتفريخ أحزاب المعارضة، ومأسسة الفساد — أدى إلى تدهور شرعية الدولة وخلق حالة من الغضب الشعبي المتراكم الذي انفجر في 2011 ثم في 2014. وحتى السلطة التي يُفترض أنها “ شرعية دستورية ” في عدن، يصفها أستاذ العلوم السياسية الدكتور ناصر الطويل بأنها “ باتت مجموعة من المكونات المتناقضة ”، تعاني من “ هشاشة في الموارد ” و” فساد متفشٍ ”.

لماذا لن تسقط صنعاء كما سقطت دمشق؟

هنا يبرز جوهر الفرق. نظام الأسد كان سلطة قائمة بالفعل، تمتلك مؤسسات دولة عميقة الجذور تعود إلى عام 1970، لكنها استُنزفت عبر عقود من الفساد وحرب استنزاف طويلة مع إسرائيل، ثم انهارت تحت وطأة الحرب الأهلية. سقوطه كان سقوط بنية قائمة.

أما في اليمن، فنظام 7/7 سقط أصلاً في 2011، ثم “جرى إنعاشه وإعادة تدويره ” بالمبادرة الخليجية، أي أنه كان نظاماً معاد التصنيع يفتقر إلى الشرعية الشعبية الأصلية. وحين سقط مرة أخرى في 2014 عبر ثورة 21 سبتمبر، دخل اليمن في حالة من الفراغ لم يكن فيها نظام واحد يسقط، بل كانت هناك شرعية جديدة تتشكل من خضم الحرب.

هذه الشرعية الجديدة — التي يسميها أنصار الله “الشرعية الثورية ” — تستمد قوتها من مصادر مختلفة تماماً عن شرعية النظام السوري السابق. فهي شرعية كاريزمية بالمعنى الفيبري، تقوم على القيادة الملهمة والإنجاز الميداني، وليس على التقاليد أو القانون. وقد أثبتت هذه الشرعية قدرتها على البقاء والصمود في وجه حرب تحالف واسعة استمرت سنوات، بينما كان النظام السوري — رغم امتلاكه لجيش نظامي ومؤسسات دولة — ينهار في غضون أيام.

ويلخص “ رئيس ملتقى أبناء الجنوب” هذا الواقع بقوله إن سلطة صنعاء “ باسطة نفوذها على كل المناطق التي سيطرت عليها، ولا أحد يتجرأ أن يخالف لها رأياً، ومن تجرأ كان الرد سريعاً وحاسماً، وهي سلطة الأمر الواقع في الوقت الحاضر على الأقل”. أما سلطة عدن فهي “منحصرة في قصر معاشيق ”، وتعتمد بشكل كبير على دعم المجتمع الإقليمي والدولي، الذي “ لن يرسل أبناءه للدفاع عن الرئيس ”.

ابن خلدون ودورة حياة الدول

لا يمكن فهم هذه الديناميكية دون الرجوع إلى نظرية ابن خلدون في أطوار الدول. يرى ابن خلدون أن الملك “ غاية طبيعية للعصبية”، وأن الرئاسة لا تكون إلاَّ بالغلب، والغلب لا يكون إلاَّ بالعصبية. والعصبية، كما يوضح، “ظاهرة طبيعية في البشر تولد في العمران البدوي والقبيلة، وتقوى بترابط أفرادها وتماسكهم ”، وإذا وصلت قوتها إلى قوة الدولة، “ تأسس الملك الذي هو غاية لها ”.

لكن ابن خلدون لا يتوقف عند نشوء الدولة، بل يفسر أيضاً لماذا تنهار. يمر الملك بخمسة أطوار: من التأسيس والغلبة، إلى الاستبداد والانفراد بالمجد، ثم الفراغ والدعة، ثم القنوع والمسالمة، وأخيراً الإسراف والانحلال. والانحلال يأتي حين “ يتسع حال أهل الدولة، ويحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفاهية ”، فيدعوهم ذلك إلى “ السكون والدعة والترف ”، فتضعف العصبية وتنهار الدولة.

وهذا ما ينطبق على النظام السوري: فقد بدأ بعصبية حزب البعث والطائفة العلوية، وتأسس على قوة عسكرية صلبة، لكنه انتقل مع الزمن إلى طور الترف والفساد، حتى فقد عصبيته الداخلية وتضامن طبقة الحكم، فانهار. أما أنصار الله في اليمن، فهم في الطور الأول: طور التأسيس والغلبة، حيث العصبية الدينية والقبلية في أوج قوتها، والشرعية الكاريزمية في مرحلة التشكل. وهذا ما يمنحهم القدرة على الصمود والاستمرار، بخلاف نظام الأسد الذي كان قد استنفد أطواره كلها.

الشرعية قرار شعبي لا شهادة دولية

ما يغفله “ السيناريو السوري” المطبق على اليمن هو أن الشرعية ليست كائناً ثابتاً يُورَّث أو يُمنح، بل هي عملية تطورية متجددة، تتغير وتُكتسب وتُكرَّس، كما تضعف وتتآكل إلى أن تُفتقد. الشرعية الدستورية التي منحتها المبادرة الخليجية لنظام 7/7 لم تصمد لأنها لم تكن مستندة إلى قناعة شعبية حقيقية. والشرعية التي يحاول التحالف إعادة إنتاجها في عدن لم تجد لها جذوراً في الأرض. في المقابل، الشرعية الجديدة التي تتشكل في صنعاء من رحم الحرب والمعاناة، مهما اختلفنا مع محتواها، هي شرعية نابعة من الداخل، مستمدة من قدرة فعلية على الإدارة والحكم والصمود.

إن الدرس الأعمق الذي يقدمه الفكر السياسي من ابن خلدون إلى فيبر هو أن الشرعية لا تُستورد ولا تُفرض بقرار دولي، بل تنبت من تربة المجتمع، وتُسقى بدماء التضحيات، وتُختبر في لحظات الأزمة. وحين تفقد السلطة شرعيتها، فإنها تفقد مسوّغ وجودها، ولا ينفعها بعد ذلك لا تحالف دولي ولا غطاء قانوني. وهذا هو الفرق الجوهري بين دمشق وصنعاء: الأولى كانت تبني على شرعية استُنزفت حتى آخر قطرة، والثانية تبني شرعية جديدة من قلب الرماد.

Comments are closed.

اهم الاخبار