معرفة نسوية مضادة للإبادة في إصدار جماعي
الوحدة|متابعات:
كيف يُقارَب موت الحياة واقتلاع شروط البقاء حين تبلغ آلة الاستعمار ذروة توحشها؟ وكيف تتواطأ خطابات «الحياد» والنسوية الليبرالية العالمية في طمس المرأة الفلسطينية وسلبها سياقها السياسي والتاريخي؟ من هذه الأسئلة الجذرية ينطلق كتاب «الإبادة الجماعية: مقاربة نسوية فلسطينية» الصادر عن مدى الكرمل في حيفا ومعهد دراسات المرأة في بيرزيت عام 2026، ليؤسس لمعرفة مضادة ترى في أصوات النساء وأجسادهن وأدوارهن خط مواجهة أول في وجه المحو الكولونيالي. والكتاب من تحرير أميرة سلمي، وهمت زعبي، ولينة ميعاري، وعرين هواري، ورامي سلامة.
في مستهل الكتاب، تؤسس أميرة سلمي لمنطق هذه المواجهة، إذ ترفض المقاربة النسوية اختزال المرأة الفلسطينية في أرقام صامتة، أو اقتلاعها من محيطها الأسري والمجتمعي لاستدرار تعاطف منظومات دولية متواطئة. وتطرح سلمي مفهوم «المرأة-الأم» بوصفه طاقة سياسية ووجودية في مواجهة ثقافة الإماتة الاستعمارية.
ويتجسد هذا الاشتباك في دراسة لميس فراج وأشرف أبو عرام حول مخيمات شمال الضفة الغربية، في جنين وطولكرم ونور شمس، حيث تكشف الدراسة أن تفكيك البنية التحتية في إطار الاستعمار الاستيطاني لا يستهدف الخدمات فحسب، بل يطال شروط الحياة وإمكان استمرارها. ومع تجدد التهجير وتجفيف مصادر الدخل، ترصد الدراسة الأعباء المتزايدة التي تتحملها النساء، بين عنف استعماري ينتزع منهن وسائل الإنتاج، وعنف أبوي محلي يعيد إنتاج التضييق الأسري تحت وطأة الفقر.
وفي قطاع غزة، تتناول دراسة جوانا جبارة تفكك منظومات الأبوة والأمومة تحت وطأة الإبادة، موضحة كيف تصادر قوات الاحتلال قدرة الأهل على حماية أطفالهم أو توفير الغذاء لهم، فيما تُلقى المسؤولية الأخلاقية كاملة على عاتقهم. وهكذا تتحول الوالدية إلى مساحة للعجز المستمر والحداد الاستباقي.
وتكشف الشهادات الواردة في الدراسة أن تبدل الأدوار، كخروج الأمهات لجلب المياه أو انخراط الآباء في إشعال النيران، لا يعكس بالضرورة تحررًا واعيًا من الأدوار التقليدية، بقدر ما يمثل مساواة قسرية في الضعف فرضها شح الموارد وظروف الإبادة.
وعلى مستوى الخطاب والتمثيل، تقدم إيمان بديوي قراءة نقدية لآليات المحو الخطابي، من خلال تحليل بيانات المنظمات الدولية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة. وتوضح كيف يُفصل العنف الواقع على الفلسطينيات عن جذره الاستعماري، ليُعاد تقديمه بوصفه «مأساة إنسانية» مجردة، في مقابل منح الرواية الإسرائيلية مركزية أخلاقية.
وفي مواجهة هذا المحو، تبرز بديوي الخطاب النسوي الفلسطيني بوصفه أداة مقاومة تستعيد الاعتبار للجسد المستهدف، وتربط بين العنف الجسدي والسياسات الاستعمارية التي تحركها هواجس ديمغرافية. وبهذا المعنى، لا يظهر الجسد الفلسطيني بوصفه ضحية سلبية، بل موقعًا لإنتاج المعرفة وبناء خطاب تحرري.
وتكتمل ملامح الكتاب عبر مجموعة من المقالات التي تتتبع تشكل الذاكرة وأشكال العنف وآثار الإبادة على النساء. تبحث بسنت الغنيمي في تشكل الذاكرة الجمعية النسائية في غزة، انطلاقًا من تفاصيل المعاناة اليومية وسبل أرشفتها، فيما تتساءل هداية شمعون عن حدود الكتابة بوصفها طوق نجاة يصل وجع المنفى بركام غزة.
أما سفانة أبو صافية، فتتناول أبعاد «الإبادة الإنجابية» من خلال استهداف أرحام النساء ومراكز الإخصاب، بوصف ذلك جزءًا من محاولة قطع امتداد المستقبل الفلسطيني. وتختتم مريم الخطيب هذا المسار بقراءة لجسد المرأة باعتباره مرآة تعكس فظاعة الحرب، وفي الوقت نفسه شهادة حية على الصمود ورفض الانكسار.
بهذه المقاربات المتعددة، لا يكتفي الكتاب بتوثيق العنف الواقع على النساء الفلسطينيات، بل يعيد وضع هذا العنف في سياقه الاستعماري والسياسي والتاريخي، ويقدم التجربة النسائية الفلسطينية بوصفها مصدرًا للمعرفة والمقاومة، لا مجرد مادة للرثاء أو التعاطف الإنساني المجرد.
Comments are closed.