د. علي الرحبي :”دموع التماسيح “
ليس من شيم القتلة والمجرمين العويل، ولكن التاريخ السوسيولوجي للحروب يسجل دائماً أن أكثر السفاكين تبحراً في الدجل السياسي هم أولئك الذين يملكون خِزانات المال ووسائل الإعلام المأجورة، فتراهم يحرقون الأرض بمن عليها، فإذا ما ارتدت إليهم شرارة صنيعهم مَسُّوا العالم بدسائسهم وذرفوا دموع التماسيح استعطافاً لضمير دولي منتفع.
لقد أثبتت التجربة التاريخية للنظام السعودي في اليمن أنه يقتات على نكث العهود وتوظيف التضليل؛ فبعد سنوات طويلة شُنّت فيها أكثر من ربع مليون غارة جوية حصدت أرواح مئات الآلاف من المدنيين بين شهيد وجريح، واستُخدم فيها الحصار الجوي والبحري كسلاح تجويع شامل، يعاود هذا النظام اليوم نقض التهدئة والتصعيد الغاشم عبر استباحة جديدة للدم اليمني المهرق؛ حيث شن طيرانه أكثر من 120 غارة جوية مكثفة خلال أيام قليلة، توجها بجريمة وحشية استهدفت الإصلاحية المركزية في محافظة الجوف وخلّفت عشرات الشهداء والجرحى بين النزلاء والزوار في مشهد يُجسد القسوة بلا مواربة.
ولكن، ما إن مارست القوات المسلحة اليمنية حقها الطبيعي والمشروع في الرد الاستراتيجي لحماية شعبها، ووجهت ضرباتها الدقيقة إلى شرايين الطاقة العصبية في منشآت شركة “أرامكو” والمفاصل الاقتصادية والحيوية للعدوان، حتى استُبدل كبرياء البطش بصراخ الضحية المصنوعة؛ حيث استنفر الكيان السعودي أجهزته الدبلوماسية والاستخباراتية والإعلامية ليطوف بعواصم العالم متباكياً ومستصرخاً على خدش أصاب أنشطته النفطية، متجاهلاً أطنان اللهب التي صبّها على رؤوس الأبرياء في الجوف وصعدة وسائر المحافظات اليمنية.
إن المتبحر في فلسفة هذا السلوك يدرك أنه يعتمد استراتيجية “التضليل بالاستعطاف”، حيث يُسخّر النظام إمكاناته الهائلة لقلب الحقائق وتوجيه الأنظار نحو الخسائر المادية للشركات العابرة للقارات، طامساً دماء الأطفال والنساء تحت أنقاض السجون والمنازل. إنها دموع تماسيح مكشوفة لا تُذرف إلا عندما تشتعل أسواق النفط وتتأثر مصالح القوى المالية الغربية، بينما تُغيب المأساة الإنسانية التي يتكبدها شعب بأكمله جراء الحصار ونهب الثروات واحتلال الأراضي.
وهنا وجب التحذير الصريح والواضح لشعوب العالم ومنظماته الشريفة: إن هذا النظام الماكر الذي جعل من نكث المواثيق والتنصل من الالتزامات ديناً وسلوكاً متجذراً، لا يمكن الوثوق بشرعنته أو التعاطف مع تباكيه المصنوع. إن الاستمرار في التغاضي عن جرائمه مقابل فتات الصفقات الممالئة لا يمثل مشاركة في العدوان فحسب، بل يهدد قيم الإنسانية وأسس الأمن والاستقرار؛ فالكرامة اليمنية والسيادة الوطنية واستعادة الأراضي والموارد أضحت ثوابت راسخة لا تصدها الغارات ولا تُغيرها الدموع الزائفة المهرقة على أعتاب “أرامكو”.
Comments are closed.