مركز “آفاق اليمن” يطلق كتاباً حول “الصهيونية العربية” ومآلات القضية الفلسطينية
الوحدة:
في تدشين فكري وسياسي لافت، أطلق مركز “آفاق اليمن للأبحاث والدراسات” بالعاصمة صنعاء، أولى إصداراته البحثية بعنوان: “الصهيونية العربية ومآلات القضية الفلسطينية”، في فعالية فكرية تناولت أبعاد الظاهرة وتداعياتها السياسية والإعلامية والثقافية عقب معركة “طوفان الأقصى”، بحضور جمع من السياسيين والدبلوماسيين وأعضاء مجلس الشورى والباحثين.
ويقدم الكتاب (153 صفحة موزعة على 6 محاور) قراءة تفكيكية وممنهجة للظواهر الناشئة في المنطقة العربية، بمشاركة نخبة من الباحثين، مسلطاً الضوء على أدوار التطبيع واختراق السرديات.
ظاهرة تتجاوز التطبيع
وفي فعالية التدشين، أكد رئيس مجلس أمناء مركز “آفاق اليمن”، الدكتور هاني عبادي المغلس، أن ظاهرة “الصهيونية العربية” تستدعي الرصد والتفكيك العلمي، خصوصاً في ظل المحاولات المستميتة لتقديم المشروع الصهيوني كمدخل للاستقرار والتنمية.
وأوضح المغلس أن الإصدار لا يستهدف تصنيف الأفراد، بل يسعى لبناء مقاربة تحليلية لظاهرة تتداخل فيها الأدوات السياسية والإعلامية والاقتصادية، محذراً من خطورة إعادة تشكيل الوعي والسرديات بما يخدم أهداف العدو الصهيوني، ومؤكداً أن فهم هذه الظاهرة يستلزم استحضار جذورها التاريخية الممتدة للمشاريع الاستعمارية.
د. المغلس: تفكيك “الصهيونية العربية “ضرورة لمواجهة التطبيع الناعم
معركة الوعي والأمة
من جانبه، يؤكد الكاتب والباحث الفلسطيني، الدكتور محمد البُحيصي، أن المعركة التي يخوضها اليمن اليوم تتجاوز الحدود الجغرافية، لتشكل مواجهة مباشرة مع المشروع الصهيوني وأدواته، مؤكداً أن الدفاع عن هذا الخيار يمثل “أوجب الواجبات”.
وقال إن الحرب في اليمن لا ينبغي، وفق قراءته، اختزالها في مواجهة بين أطراف يمنية، بل يجب النظر إليها ضمن سياق إقليمي أوسع، مشيراً إلى أن الجغرافيا والأسماء لا تغير، بحسب تقديره، طبيعة الصراع الذي تواجهه صنعاء.

وأشار البُحيصي إلى أن اليمن يقود معركة ذات طابع تاريخي استثنائي تتجاوز محطاتها أهمية المعارك التاريخية الكبرى؛ لكونها تأتي في لحظة انكفاء عربي، بينما تقف صنعاء كـ”أمة مفردة” تصد الهجمة الشرسة لأدوات المشروع الصهيو- أميركي..
وفي حديثه عن الكتاب، رأى البُحيصي أنه يمثل جزءاً من «معركة الوعي»، ويهدف إلى كشف بنية ما يسميه «الصهيونية العربية» وأدواتها، خصوصاً في المجال الإعلامي.
د. البُحيصي: معركة صنعاء وجودية ولا تُختزل في صراع محلي
واعتبر الإصدار باكورة مهمة في معركة الوعي، داعياً لتوسيع دائرة النشر وتوحيد الخطاب الإعلامي في مواجهة الحرب الشاملة.
ودعا البحيصي إلى توسيع دائرة نشر الكتاب، ولا سيما بين العاملين في الشأن العام، باعتباره يتناول أسئلة متكررة حول مفهوم “الصهيونية العربية” وطبيعة أدوارها في المنطقة.
كما شدد على أهمية توحيد الخطاب الإعلامي في مواجهة المشروع الذي يراه مستهدفاً القضية الفلسطينية واليمن، معتبراً أن المرحلة الراهنة، لا تحتمل الحياد، وأن المعركة ليست عسكرية فحسب، وإنما تشمل أبعاداً سياسية واقتصادية وقيمية وإعلامية.

مسارات الصهيونية العربية
في المحور الأول، “الصهيونية العربية والموقف من طوفان الأقصى”، يعود الباحث والدبلوماسي عبد الله صبري، إلى جذور التحول في العلاقات العربية الإسرائيلية، متتبعاً مساراً بدأ -وفق قراءته- من الاعتراف والسلام والتعامل التجاري، وصولاً إلى التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي.
ويربط صبري التحول بمحطات تاريخية عدة، بدءاً من المسار الذي اتخذته مصر في عهد الرئيس أنور السادات بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، وصولاً إلى اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
ثم ينتقل إلى اتفاق أوسلو عام 1993 ومعاهدة وادي عربة عام 1994، قبل أن يصل إلى اتفاقيات «أبراهام» التي دشنت مرحلة جديدة من العلاقات العربية الإسرائيلية منذ عام 2020.
ويرى السفير صبري عضو مجلس أمناء مركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات، أن هذه المحطات تعكس انتقال التطبيع من إطار العلاقات السياسية إلى مساحات أوسع تشمل الاقتصاد والثقافة والإعلام.
صبري : “طوفان الأقصى” كشف تغلغل التيار الصهيوني العربي بالمنطقة
أما «طوفان الأقصى»، فيعتبره محطة كاشفة لما يصفه بوجود تيار عربي متغلغل ومؤثر في النقاش العام، يرى أن من وظائفه إعادة صياغة صورة الصراع وموقع القضية الفلسطينية فيه.
شرعنة الاحتلال
الباحث طالب الحسني تناول في المحور الثاني «مدلول التطبيع وتطبيقاته الاستراتيجية الإسرائيلية»، محاولاً تقديم تعريف لما يسميه «الصهيونية العربية» على المستويين الشعبي والرسمي.
وبحسب الحسني، يرتبط المفهوم شعبياً بالمواقف التي تؤيد إسرائيل أو تتنكر لحقوق الفلسطينيين، بينما يشمل رسمياً، وفق تعريفه، الأنظمة والجهات التي تقيم علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل وتعترف بها ككيان شرعي.
الحسني: التطبيع استراتيجية إسرائيلية عابرة للسياسة نحو الاقتصاد والأمن
ويربط الحسني التطبيع، في المقابل، باستراتيجية إسرائيلية أوسع من مجرد إقامة علاقات دبلوماسية، تشمل المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتستفيد من التحولات التي تفرضها الحروب وموازين القوة في المنطقة.
ومن هذه الزاوية، يصبح التطبيع، وفق القراءة التي يقدمها، مساراً متعدد المستويات لا تقف حدوده عند الاتفاقيات السياسية.
الإعلام شريك
إلى الإعلام، انتقل المحور الثالث مع الباحث والإعلامي عبد الحافظ معجب، الذي قدّم دراسة بعنوان «الإعلام العربي المعادي للمقاومة في غزة.. دراسة في تحليل المضمون، قناة الحدث نموذجاً».
ويقول معجب إن دراسته راجعت أكثر من 100 مادة إعلامية، اختيرت منها عينة بحثية من 40 مادة، شملت نشرات وتقارير ومقابلات وبثاً مباشراً، خلال الفترة بين أكتوبر 2023 إلى أكتوبر 2025.

ووفق النتائج التي عرضها الباحث، استخدمت القناة تسمية «الجيش الإسرائيلي» في كامل العينة، في مقابل استخدام تسميات وصفها بأنها تختزل المقاومة في توصيفات ذات طابع أمني، إضافة إلى اعتماد ملحوظ على المصادر والمتحدثين الإسرائيليين.
معجب: التغطية الإعلامية لـ”الحدث” تتماهى بنيوياً مع السردية الإسرائيلية
ويخلص معجب إلى وجود ما يسميه «التقاءً بنيوياً» بين أنماط من التغطية الإعلامية والسردية الإسرائيلية، معتبراً أن معركة غزة كشفت أهمية اللغة الإعلامية في تشكيل صورة الصراع لدى الجمهور العربي.
وهنا، ينتقل الكتاب من سؤال التطبيع السياسي إلى سؤال أكثر اتساعاً: كيف تُصنع الرواية التي يرى الجمهور من خلالها الحرب والمقاومة والاحتلال؟
تحولات بعد أوسلو
من جهتها، تطرقت الباحثة زينب الموسوي إلى تحول السلطة الفلسطينية من مشروع لبناء الدولة إلى كيان يؤدي أدواراً وظيفية تتركز في إدارة الصراع والتنسيق الأمني.
وأكدت الباحثة أن الانقسام أضعف الجدار الداخلي ويسّر للمحيط الإقليمي التراجع عن الثوابت، مشيرة إلى أن معركة “طوفان الأقصى” وضعت السلطة أمام أزمة مشروعية حادة في ظل الانفصال الشديد عن تطلعات الشارع المقاوم.
الموسوي: “طوفان الأقصى” وضع السلطة الفلسطينية أمام أزمة مشروعية حادة
التحول الجيوسياسي
وفي ذات السياق، اعتبر الباحث فؤاد النقاش أن اتفاقية “كامب ديفيد” (1978) مثلت نقطة التحول المحورية التي أحدثت أوسع خرق في الموقف العربي ومهدت لموجات التطبيع.

وأوضح أن التيار الصهيوني العربي تجاوز صيغة “الأرض مقابل السلام” إلى اتفاقيات أبراهام القائمة على “السلام مقابل الازدهار”، معتبراً أن موقف القاهرة الرافض لتهجير أهل غزة يُحسب لها كون التهجير يمثل خطراً وجودياً على الأمن القومي المصري.
النقاش: “كامب ديفيد” أحدثت الخرق الأكبر نحو مسار التطبيع
أما الحرب على غزة، فيصفها بأنها اختبار المواقف العربية تجاه القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أهمية الموقف المصري الرافض لتهجير سكان القطاع، لما يحمله التهجير من تداعيات على فلسطين والأمن الإقليمي.
الشراكة الاقتصادية
واختتم الباحث أحمد داود المحور السادس بتتبع تحولات السياسة الإماراتية من الحظر التاريخي للنفط إلى الشراكة المفتوحة.
وأبرز داود أنه عقب الحظر الملاحي الذي فرضته صنعاء على السفن المرتبطة بالعدو الإسرائيلي في البحر الأحمر وإفلاس ميناء إيلات، تم تفعيل “الجسر البري” (دبي – السعودية – الأردن – إسرائيل) كبديل للتفادي الخسائر الملاحية.
داود: الجسر البري والتجارة بالمليارات يكشفان قفزة التحالف الإماراتي – الإسرائيلي
وأشار الباحث إلى قفز حجم التبادل التجاري بين أبوظبي والاحتلال من 189 مليون دولار عام 2020 إلى أكثر من ملياري دولار خلال عامي 2023 و2024، في تأكيد واضح على تقديم المصالح الاقتصادية والأدوار الوظيفية على دماء الشعب الفلسطيني.
Comments are closed.