معادلة الحصار بالحصار.. 50 يوماً من شلل الملاحة والنفط السعودي

 الوحدة:

خمسون يوماً على دخول معادلة “الحصار بالحصار” حيّز التنفيذ، والبحر الأحمر لم يعد بالنسبة إلى السعودية مجرد ممر لنقل النفط والتجارة، بل ساحة اختبار لمدى قدرة الرياض على حماية أحد أهم مسارات صادراتها.

منذ إعلان القوات المسلحة اليمنية، في 20 يوليو، حظر الملاحة المرتبطة بالسعودية، دخلت حركة السفن في باب المندب مرحلة جديدة. ووفق بيانات ملاحة نقلتها رويترز عن شركة Kpler، تراجع متوسط عدد السفن العابرة للمضيق من نحو 50 سفينة يومياً قبل الحظر إلى 32 سفينة، بانخفاض يقارب 36%.

وفي موازاة ذلك، أظهرت بيانات تتبع الناقلات انخفاض صادرات الخام السعودي المرصودة في أغسطس إلى نحو 3 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى في البيانات التي تعود إلى بداية عام 2017. أما ميناء ينبع، أحد أبرز منافذ النفط السعودية على البحر الأحمر، فتراجعت صادراته المرصودة من نحو 3.7 ملايين برميل يومياً في يوليو إلى 2.25 مليون برميل في أغسطس، بانخفاض يقارب 39%.

لا تكفي هذه الأرقام وحدها للقول إن الحظر اليمني تسبب منفرداً في تراجع الصادرات السعودية، في ظل اضطراب أوسع طال أيضاً مضيق هرمز والتجارة النفطية الإقليمية. لكنها، في المقابل، تكشف أن المسار البحري السعودي لم يعد يعمل وفق المعادلة التي اعتادت الرياض عليها.

مأزق استراتيجي

أهمية باب المندب بالنسبة إلى السعودية لا ترتبط بحركة السفن التجارية فقط. فالممر البحري يمثل الحلقة الأخيرة في وصول صادرات النفط التي تنقلها المملكة إلى ساحل البحر الأحمر نحو الأسواق العالمية.

وعلى مدى سنوات، عملت الرياض على تعزيز موقع الساحل الغربي في منظومة تصدير النفط، مستفيدة من خط أنابيب شرق–غرب وموانئ أبرزها ينبع.

 

كان الهدف واضحاً: توفير طريق بديل للصادرات السعودية في حال تعرض الملاحة في الخليج ومضيق هرمز للاضطراب.

لكن هذه المعادلة تواجه اليوم اختباراً مختلفاً.

تراجع حركة السفن عبر باب المندب إلى 32 سفينة.. وصادرات النفط السعودي تسجل أدنى مستوياتها

فحتى إذا وصل النفط إلى ميناء ينبع عبر خطوط الأنابيب، يبقى وصوله إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية مرتبطاً بقدرة الناقلات على عبور البحر الأحمر وباب المندب.

وهنا تحديداً تظهر أهمية التحرك اليمني.

من 50 سفينة إلى 32

الرقم الأكثر دلالة حتى الآن يأتي من حركة الملاحة نفسها.

نحو 50 سفينة كانت تعبر باب المندب يومياً في المتوسط قبل الحظر، مقابل 32 سفينة بعد دخوله حيّز التنفيذ.

أي أن الحركة انخفضت بنحو 36%.

ولا يعني ذلك توقف الملاحة في المضيق، لكنه يعني ارتفاع مستوى المخاطر بالنسبة إلى شركات الشحن والناقلات التي بات عليها أن تضع في حساباتها احتمال الاستهداف، وارتفاع كلفة التأمين، وإطالة الرحلات، أو اللجوء إلى طرق بديلة.

في عالم التجارة البحرية، لا يحتاج الممر إلى الإغلاق الكامل حتى يتحول إلى عبء اقتصادي؛ يكفي أن تصبح كلفة استخدامه أعلى من كلفة الالتفاف عليه.

وهذا ما يجعل باب المندب في قلب الحسابات السعودية الجديدة.

ينبع.. الرقم الأكثر حساسية

تبدو الصورة أكثر وضوحاً عند الانتقال من حركة السفن إلى النفط.

بحسب بيانات تتبع الناقلات، تراجعت صادرات ميناء ينبع من نحو 3.7 ملايين برميل يومياً في يوليو إلى نحو 2.25 مليون برميل في أغسطس.

أي انخفاض يقترب من 39%.

وبالتوازي، هبطت صادرات الخام السعودي المرصودة إلى نحو 3 ملايين برميل يومياً في أغسطس، وهو مستوى هو الأدنى منذ بداية عام 2017.

لكن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى قدر من الحذر، لأن بيانات تتبع الناقلات تقديرية، ولأن اضطرابات هرمز والبحر الأحمر تداخلت في التأثير على حركة صادرات الطاقة.

مع ذلك، فإن تزامن انخفاض الصادرات مع تصاعد المخاطر البحرية يمنح الأرقام دلالة لا يمكن تجاهلها.

الحداد: الحصار حرم السعودية من فرص اقتصادية استثنائية

السعودية ليست بلا خيارات.

فالمملكة تملك شبكة من خطوط الأنابيب والموانئ، ويمكنها إعادة توجيه جزء من صادراتها، كما تستطيع الناقلات استخدام مسارات أطول عند الحاجة.

لكن البديل له كلفته.

الرحلة الأطول تعني استهلاكاً إضافياً للوقود، ووقتاً أطول، وارتفاعاً في أجور النقل والتأمين، فضلاً عن الحاجة إلى إعادة تنظيم جداول التسليم والعقود.

وتشير “رويترز” إلى لجوء بعض ناقلات النفط إلى إطفاء أجهزة التتبع أثناء رحلاتها من ينبع، في مؤشر على صعوبة رصد التدفقات البحرية بدقة في ظل الظروف الحالية.

وهكذا، تتحول المسألة من سؤال: «هل تستطيع السعودية تصدير النفط؟» إلى سؤال آخر أكثر تعقيداً:

كم ستكلفها عملية تصديره؟

الحظر يضرب الفرصة لا النفط فقط.

ويرى الخبير الاقتصادي رشيد الحداد أن الحظر البحري حرم السعودية من فرص اقتصادية مهمة، وضيّق هامش المناورة أمامها للاستفادة من تداعيات الحرب الأميركية على إيران وأزمة مضيق هرمز.

وبحسب الحداد، كانت السعودية قد رفعت، قبل دخول الحظر حيز التنفيذ، صادراتها النفطية عبر المسار الجنوبي للبحر الأحمر إلى أكثر من 4.3 ملايين برميل يومياً، مستفيدة من خط أنابيب “شرق–غرب”، إلى جانب تصدير كميات تجارية من المشتقات النفطية والغاز المنزلي.

ويشير إلى أن بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية أظهرت بلوغ القيمة الإجمالية للصادرات السلعية نحو 115 مليار ريال، أي ما يعادل 30.66 مليار دولار، خلال شهر مارس، مع نمو الصادرات النفطية بنسبة 37.4%.

ويقول الحداد في منشور على صفحته في “فيسبوك” أن استمرار الحظر الملاحي حال دون مواصلة الرياض الاستفادة من هذه الفرصة، بعدما كانت أمام إمكانية لزيادة صادراتها النفطية، ورفع حصتها في الأسواق الأوروبية والآسيوية، والحفاظ على عملائها، والاستفادة من ارتفاع أسعار النفط في ظل استمرار أزمة مضيق هرمز.

أما على مستوى التداعيات المباشرة، فيقدّر الحداد أن صادرات الغاز والبترول السعودي إلى الأسواق الآسيوية تراجعت بأكثر من 70%، بالتوازي مع انخفاض حاد في صادرات المنتجات النفطية، وتداعياته على سوق الغاز المنزلي.

ويضيف أن إغلاق جنوب البحر الأحمر أمام الملاحة السعودية حمّل الرياض خسائر كبيرة، وقدّر هامش الأرباح المفقود خلال الربع الثاني من العام الجاري بنحو 32 مليار دولار، وأرجع ذلك إلى تعطل الطريق الأقصر الذي يربط الموانئ السعودية على البحر الأحمر بالموانئ والمصافي الآسيوية.

ووفق الحداد، كانت الموانئ الآسيوية تستقبل ما بين 3 و5 ملايين برميل يومياً من النفط الخام السعودي، فيما أدى اضطراب هذا المسار إلى تعقيد قدرة الرياض على الوفاء بالتزاماتها تجاه عدد من العملاء والمشترين الآسيويين.

وتتضاعف أهمية هذه التداعيات، وفق الحداد، بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد السعودي بصورة كبيرة على عائدات النفط والغاز، معتبراً أن هذه العائدات تمثل الركيزة الأساسية للمالية العامة السعودية.

وهكذا، لا تقتصر كلفة الحظر البحري، وفق هذه القراءة، على السفن التي مُنعت من العبور، بل تمتد إلى هامش المناورة الذي كانت الرياض تراهن عليه في إعادة توزيع صادراتها، وإلى كلفة تأمين الطريق البديل للوصول إلى الأسواق.

“البديل” الأكثر كلفة

وفي ذات السياق، يرى الباحث الاقتصادي اللبناني يعرب خير بك أن مشكلة السعودية لا تنحصر في إيجاد بديل لمضيق هرمز.

فخطوط الأنابيب تستطيع نقل النفط إلى البحر الأحمر، لكن النفط يحتاج بعد ذلك إلى ناقلات وممر بحري للوصول إلى الأسواق.

وبالتالي، فإن الحظر اليمني يضعف جزءاً من الميزة التي سعت السعودية إلى بنائها خلال السنوات الماضية عبر تنويع منافذ التصدير.

 خير بك: الرياض أمام مأزق اقتصادي واستراتيجي في ظل إغلاق المنافذ

بحسب خير بك، فإن الرياض أمام معادلة مترابطة: هرمز، وخطوط الأنابيب، وموانئ البحر الأحمر، وباب المندب. وأي خلل في إحدى حلقات هذه المنظومة ينعكس على بقية الحلقات.

ومن هنا، لا يبدو أن بناء خطوط إضافية أو توسيع القدرة التصديرية وحده يكفي لحل المشكلة، طالما أن الممر البحري نفسه يبقى تحت ضغط أمني.

معادلة تتجاوز البحر

في الوقت الذي تعجز السعودية عن اتخاذ موقف ينهي الحصار أو القبول بشروطها لرفعه، تحاول الرياض، عبر خطابها الإعلامي، التقليل من تأثير الحظر البحري، وإظهار حركة موانئها وصادراتها بصورة طبيعية، في مسعى لنفي التداعيات الاقتصادية واللوجستية للعمليات اليمنية.

في المقابل، تنظر صنعاء إلى الحظر بوصفه أداة ضغط تتجاوز استهداف السفن إلى استنزاف المنظومة الاقتصادية واللوجستية المرتبطة بالسعودية.

أنعم: الضغط البحري يستهدف رفع كلفة الملاحة ومخاطرها على السعودية

ويقول محمد طاهر أنعم، مستشار المجلس السياسي الأعلى، في تغريدة بمنصة “أكس”، إن استمرار بعض عمليات التصدير لا يعني انتفاء تأثير الحصار، مشيراً إلى أن الضغط البحري يستهدف رفع كلفة النقل والتأمين، ودفع الناقلات إلى تغيير مساراتها.

وهنا تكمن جوهرية المعادلة التي تطرحها صنعاء: فالمطلوب، وفق هذا الطرح، ليس بالضرورة وقف حركة كل السفن في البحر الأحمر، وإنما جعل الملاحة المرتبطة بالسعودية أكثر كلفة ومخاطرة، وتحويل استمرارها إلى عبء اقتصادي ولوجستي متزايد.

9 ناقلات و48 سفينة

منذ إعلان قرار حظر الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية في 20 يوليو، استهدفت العمليات العسكرية اليمنية سفناً نفطية سعودية، بالتوازي مع منع سفن أخرى من مواصلة رحلاتها عبر الممرات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي.

وبحسب ما أعلنته القوات المسلحة، شملت الحصيلة خلال شهر واحد استهداف تسع سفن نفطية سعودية، بينها خمس في البحر الأحمر، وثلاث في خليج عدن والبحر العربي، إلى جانب منع 48 سفينة نفطية من العبور وإجبارها على العودة؛ منها 34 سفينة في البحر العربي والمحيط الهندي، و14 سفينة في البحر الأحمر.

9 ناقلات سعودية استُهدفت و48 سفينة مُنعت من مواصلة رحلاتها

وتؤكد بيانات متحدث القوات المسلحة، العميد يحيى سريع، أن الحصار مستمر، وأنه ليس أمام النظام السعودي من خيار سوى رفع الحصار وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بما يشمل رفع الحصار، وإنهاء العدوان، ودفع المرتبات، ورحيل المحتلين، وترك ثروات الشعب اليمني للشعب كله.

تضليل إعلامي

وفي محاولة للتغطية على حجم الأضرار، تلجأ وسائل الإعلام السعودية إلى التقليل من تداعيات الحظر، وهو ما اعتبره محمد طاهر أنعم، مستشار المجلس السياسي الأعلى، سلوكاً مشابهاً للتعاطي الإسرائيلي إبان إغلاق ميناء أم الرشراش (إيلات)، مؤكداً أن الضغط التراكمي على شبكات النقل والتأمين هو الرهان الحقيقي الذي يعري الخطاب الإعلامي للعدو.

وبذلك، تدخل المعادلة البحرية مرحلة مختلفة: لم يعد السؤال فقط عمّا إذا كانت السفن ستعبر باب المندب، بل كم ستدفع الرياض مقابل استمرار هذا العبور، وكم تستطيع تحمل كلفة الطريق البديل إذا طال أمد الحصار اليماني؟

 

 

Comments are closed.

اهم الاخبار