عهد المحمودي : الشهادة التي لا تعرف إلى أين تقودك؟

تخيل أنك أبٌ يجلس أمام ابنك بعد ظهور نتيجة الثانوية العامة ، الورقة بين يديك، والدرجة التي انتظرتماها طويلًا أمامكما، والناس من حولكما بدأوا يسألون السؤال المعتاد:

«ما التخصص الذي سيدخله ابنك؟ »

لكن ابنك لا يجيب!!

ليس لأنه لا يعرف ماذا يجب، ولا لأنه لم يحلم يومًا بأن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو صحفيًا أو مدرسًا أو طيار ..إلخ

هو فقط ينظر إلى السنوات القادمة بطريقة مختلفة

يفكر في رسوم الجامعة، والمواصلات، والكتب، وربما السكن، يفكر في أربع سنوات أو خمس سيمضيها داخل قاعات المحاضرات، ثم يتذكر ابن الجيران الذي تخرج قبل سنوات وما يزال يبحث عن وظيفة، وقريبه الذي يعمل في متجر رغم أن في يده شهادة جامعية، وصديقه الذي أنهى دراسته ثم بدأ يتعلم مهنة أخرى حتى يستطيع أن يكسب رزقه.

 

 

ثم يسألك السؤال الذي قد لا تعرف كيف تجيب عنه:

«وبعد الجامعة؟ ماذا سأفعل؟»

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية

 

ليست حكاية طالب يرفض التعليم، ولا أسرة لا تؤمن بالجامعة، إنها حكاية جيل كامل وجد نفسه أمام معادلة لم تعد تشبه تلك التي عرفها آباؤه

كان الاعتقاد بسيطًا ذات يوم: ادرس جيدًا، احصل على الشهادة، وستجد عملًا.

أما اليوم، فلم تعد الطريق مستقيمة إلى هذا الحد

في اليمن لا يحتاج الشاب إلى دراسة تقارير اقتصادية طويلة حتى يدرك أن سوق العمل ضيق، يكفي أن ينظر حوله.

فبحسب بيانات البنك الدولي، بلغ معدل بطالة الشباب في اليمن نحو 32.7% عام 2022، فيما وصلت نسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريبًا إلى نحو 45.8% في العام نفسه ، هذه ليست مجرد نسب في تقرير

فخلف كل رقم شاب ينتظر فرصة، وأسرة تحاول أن تفهم لماذا لم تتحول سنوات الدراسة إلى بداية حياة مستقرة لأبنهم!

ولهذا فإن السؤال الذي يواجه طالب الثانوية اليوم لم يعد: «أي جامعة سأختار؟» فقط وإنما أصبح: «هل أذهب إلى الجامعة أصلًا؟»

وهذا فرق كبير

لأننا عندما نتحدث عن عزوف بعض الشباب عن الجامعة، من السهل جدًا أن نضع اللوم على الطالب ،نقول إنه لا يقدر قيمة التعليم، إنه يريد المال سريعًا، أو ربما إنه لا يفكر في مستقبله.

لكن ماذا لو كان الطالب يفكر في مستقبله أكثر مما نعتقد؟

ماذا لو كان قراره نتيجة طبيعية لما يراه أمام عينيه؟

هناك شاب يرى أن أربع سنوات في الجامعة قد تنتهي بشهادة معلقة على جدار، بينما يمكنه خلال أشهر أن يتعلم صيانة الهواتف، أو التصميم، أو البرمجة، أو حرفة مهنية، أو يدخل التجارة ويبدأ في تحقيق دخل، أو حتي السفر لدولة أخرى ، بالنسبة إليه ليست المسألة «علمًا مقابل جهل»

إنها مسألة زمن مقابل فرصة، يريد أن يعرف متى سيبدأ حياته ، وهنا تحديدًا تكمن خطورة أن نضع الجامعة وسوق العمل في معسكرين متعارضين

فالجامعة ليست عدوًا للعمل، والعمل ليس بديلًا كاملًا عن التعليم ، المشكلة في مكان آخر: في الفجوة بين ما يتعلمه الشاب وما يحتاجه الواقع.

يشير مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى ضعف التوافق بين مهارات الخريجين ومتطلبات سوق العمل، فيما أظهر آخر مسح للقوى العاملة أن نحو 83% من العاملين كانت مؤهلاتهم غير متوافقة مع المؤهلات المطلوبة لأدوارهم الوظيفية.

وعندما تصبح هذه الفجوة واسعة، تبدأ قيمة الشهادة في نظر الطالب بالاهتزاز

ليس لأن الشهادة فقدت قيمتها، بل لأنها لم تعد تقدم له الإجابة التي يريد سماعها:

ماذا أستطيع أن أفعل بهذه الشهادة؟

حتى الجامعات بدأت تشعر بهذا التغير

في بعض الكليات، لم يعد التراجع في أعداد الطلاب مجرد ملاحظة عابرة ، ففي كلية التربية بجامعة عدن، مثلًا، انخفض عدد المسجلين من 2276 طالبًا وطالبة في العام الدراسي 2009/2010 إلى 99 فقط في 2022/2023، وفق ما أورده مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية.

الرقم وحده يكفي لفتح باب طويل من الأسئلة.

ماذا حدث خلال هذه السنوات؟

هل تغيرت اهتمامات الشباب؟

أم تغيرت نظرتهم إلى التعليم؟

أم أن سوق العمل هو الذي دفعهم إلى إعادة التفكير في خياراتهم؟

ربما الإجابة ليست واحدة

فمنظومة التعليم العالي نفسها تعمل وسط ظروف استثنائية؛ حرب وانقسام سياسي وأزمة اقتصادية وتراجع في الموارد، بينما يحتاج سوق العمل إلى مهارات تتغير أسرع من قدرة المؤسسات التعليمية على مواكبتها

وبين الجامعة وسوق العمل، يقف الطالب في المنتصف

يدفع ثمن الفجوة من سنوات عمره.

ولذلك، فإن أخطر سؤال يمكن أن نطرحه على طالب الثانوية ليس:

«هل ستدخل الجامعة أم لا؟»

بل:

«هل تعرف لماذا ستدخلها؟»

إذا كان يريد دراسة الطب، فهل يعرف طبيعة المهنة وسنواتها وتحدياتها؟

إذا اختار الإعلام، هل يعرف كيف تغيرت المهنة، وما المهارات التي يحتاجها الصحفي اليوم إلى جانب الشهادة؟

إذا اختار إدارة الأعمال، أو الحاسوب، أو الهندسة، هل يعرف ماذا يطلب السوق فعلًا من خريج هذه التخصصات؟

وإذا قرر عدم دخول الجامعة، فهل يعرف البدائل المتاحة أمامه؟ هل لديه خطة لتعلم مهنة أو مهارة؟ هل يعرف أين يمكن أن يتدرب؟ وما الذي يحتاجه حتى يحول المهارة إلى مصدر دخل؟

القرار الذي لا تسبقه معرفة، ليس قرارًا كاملًا.

وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف

لأن كثيرًا من الطلاب لا يحتاجون من يقول لهم ماذا يفعلون

يحتاجون فقط إلى شخص يضع أمامهم الصورة كاملة

 

أيها الطالب الذي انتهيت للتو من الثانوية

ليس مطلوبًا منك أن تختار مستقبلك لأن أصدقاءك اختاروا تخصصاتهم، ولا لأن والدك يريد منك أن تصبح طبيبًا

ولا لأن قريبك قال لك إن هذا التخصص «له مستقبل»

ولا لأنك سمعت أن الجامعة الفلانية أفضل من غيرها

اسأل نفسك أولًا: ماذا أريد؟

ثم اسأل السؤال الأصعب: ماذا يحتاجه الواقع؟

وأنتِ أيتها الأسرة التي تستعد لاتخاذ القرار مع ابنها أو ابنتها، ربما لا يكون دورك أن تختار التخصص بدلًا عنه

ربما يكون دورك أن تساعده على معرفة الطريق قبل أن تطلبُ منه السير فيه، فالطالب الذي يدخل الجامعة بلا معرفة قد يكتشف بعد سنوات أنه اختار تخصصًا لا يناسبه

والطالب الذي يترك الجامعة بلا خطة قد يكتشف بعد سنوات أيضًا أن قرارًا اتخذه تحت ضغط الظروف أغلق أمامه أبوابًا كان يستطيع أن يفتحها.

كلاهما يحتاج إلى شيء واحد:

المعرفة قبل القرار.

من هنا تأتي فكرة حملة «مستقبلك قرار.. لا عزوف بلا معرفة».

 

ليست دعوتها أن يدخل كل شاب الجامعة، كما أنها ليست دعوة إلى تركها.

إنها دعوة إلى شيء أبسط وأعمق:

أن يعرف الطالب خياراته قبل أن يختار.

أن يعرف ماذا تعني الشهادة.

وماذا تعني المهارة.

وماذا ينتظره في سوق العمل.

وأن يدرك أن المستقبل لا يُبنى من ورقة يحملها، ولا من وظيفة يحصل عليها صدفة، وإنما من قرارات متتابعة تبدأ من لحظة كهذه؛ لحظة يقف فيها طالب الثانوية أمام مستقبله ولا يعرف أي باب يفتح.

ربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال أبنائنا:

«جامعة أم عمل؟»

وأن نسألهم بدلًا من ذلك:

«إلى أين تريد أن تصل؟»

فقد تكون الجامعة هي الطريق

وقد تكون المهنة طريقًا آخر

وقد يجتمع الاثنان في طريق واحد

لكن لا ينبغي أن يكون أيٌّ منها قرارًا أعمى

لأن المشكلة ليست أن يختار شاب الجامعة، أو أن يختار سوق العمل ،وليست المشكلة أن يحمل شهادة، أو يتعلم مهنة

المشكلة أن يقضي سنوات من عمره في طريق لم يختره عن معرفة.

وفي بلدٍ يحاول شبابه أن يصنعوا لأنفسهم مستقبلًا وسط كل هذا الغموض والفوضي ، ربما يكون أول حق لهم ألا نختار عنهم

أن نمنحهم المعلومات.

نضع أمامهم الخيارات.

نخبرهم بالحقيقة، لا بما نحب أن يسمعوه.

ثم نترك لهم القرار.

 

 

Comments are closed.

اهم الاخبار