من البحر الأحمر إلى حرب إيران.. كيف دخلت البحرية الأميركية معركة الاستنزاف؟
تكشف الحرب الجارية في الشرق الأوسط وجها أقل بريقا للبحرية الأميركية، بعيدا عن صور حاملات الطائرات والمدمرات التي اعتادت واشنطن تقديمها باعتبارها رمزا للقوة العسكرية التي تستطيع الوصول إلى أي مكان في العالم. فالمشكلة التي تواجه الأسطول الأميركي اصبت تتعلق في شيء أكثر بساطة وخطورة في آن واحد: كيف يمكن إبقاء هذه القوة في البحر من دون موانئ قريبة وآمنة، ومن دون استنزاف منظومة الإمداد والأطقم والصيانة إلى مستويات يصعب استمرارها؟
تحقيق حديث لصحيفة نيويورك تايمز يكشف حجم هذا التحدي. فالولايات المتحدة تحتفظ حاليا بنحو 20 سفينة حربية في الشرق الأوسط، على متنها قرابة 20 ألف بحار ومشاة بحرية، بينها حاملتا الطائرات جورج بوش وجورج واشنطن و12 مدمرة وثلاث سفن ضمن مجموعة برمائية. هذه القوة تحتاج أسبوعيا إلى أكثر من 420 ألف وجبة ونحو ثمانية ملايين غالون من الوقود، فيما تستهلك الطائرات والمروحيات العاملة على كل حاملة وحدها نحو مليوني غالون أسبوعيا، رغم أن الحاملات نفسها تعمل بالطاقة النووية.
هذه الأرقام تعني أن القوة البحرية الأميركية، مهما بلغت قدرتها القتالية، لا تستطيع العمل بمعزل عن منظومة لوجستية ضخمة تتحرك خلفها بصورة شبه دائمة…وفي الحروب البحرية الحديثة لا يكفي امتلاك الحاملة والطائرة والصاروخ؛ إذ ينبغي إيصال الوقود والذخائر والغذاء وقطع الغيار إلى تلك القوة باستمرار. ومن هنا اكتسبت الضربة الإيرانية للقاعدة البحرية الأميركية في البحرين في اليوم الأول للحرب أهمية تتجاوز حجم الخسائر المباشرة التي أحدثتها.
فالبحرين كانت عقدة لوجستية قريبة بنت البحرية حولها خلال عقود نظاما للإمداد والصيانة والدعم. وتقول نيويورك تايمز إن الهجوم الإيراني في 28 فبراير دمر قاعدة لوجستية حيوية هناك، فيما أصبحت موانئ إقليمية أخرى قادرة على استقبال حاملات الطائرات أو سفن الإمداد غير قابلة للاستخدام بسبب وقوعها داخل نطاق التهديد بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وبذلك خسرت واشنطن ما يمكن وصفه بالعمق اللوجستي القريب. وأصبح على سفن الإمداد أن تقطع نحو 2200 ميل للوصول إلى دييغو غارسيا في المحيط الهندي، وتحميل الوقود والغذاء وقطع الغيار، ثم العودة إلى السفن العاملة في بحر العرب وخليج عمان. وإذا تعذر ذلك، يظهر خيار أبعد يتمثل في سنغافورة، الواقعة على مسافة تقارب 3700 ميل، مع المرور عبر مضيق ملقا المزدحم بحركة التجارة العالمية.
هذا التحول الجغرافي غيّر طبيعة انتشار الأسطول. فبدلا من وجود قواعد وموانئ قريبة تستطيع السفن استخدامها للتزود والإصلاح وإراحة الأطقم، أصبحت البحرية مضطرة إلى تشغيل ما يشبه جسرا بحريا دائما بين منطقة العمليات والمحيط الهندي وجنوب شرقي آسيا.
وتشير نيويورك تايمز إلى أن السفن تحتاج نتيجة ذلك إلى عمليات تموين في عرض البحر كل خمسة أو ستة أيام تقريبا. وخلال العملية تتحرك السفينة القتالية وسفينة الإمداد بمحاذاة بعضهما لساعات، وبفاصل لا يتجاوز نحو 150 قدما، مع الحفاظ على سرعة ومسار متطابقين رغم الأمواج والرياح والتيارات. ثم تمد الكابلات والخراطيم بينهما لنقل الوقود والمؤن وقطع الغيار، بينما تستخدم المروحيات لنقل أجزاء أخرى من الحمولة.
علاوة على ذلك فإن التموين في البحر عملية معقدة تفرض على سفينتين كبيرتين حركة مقيدة ومتوقعة لفترة زمنية طويلة، وتستهلك سفن الإسناد والطواقم وساعات العمل، وتضيف حلقة جديدة يجب حمايتها داخل سلسلة العمليات. وكلما ابتعدت مستودعات الإمداد، ازدادت المسافة التي ينبغي على سفن الدعم قطعها، وارتفع عدد القطع المطلوبة للحفاظ على تدفق مستمر للوقود والغذاء والذخائر.
لكن أزمة البحرية الأميركية الحالية لا يمكن فهمها انطلاقا من حرب إيران وحدها. فهي تأتي فوق إنهاك متراكم بدأ قبل ذلك بسنوات، وبرز بصورة حادة منذ اندلاع أزمة البحر الأحمر أواخر عام 2023.
منذ ذلك الوقت، دفعت الهجمات على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن واشنطن إلى إبقاء حاملات ومدمرات وطائرات في المنطقة لفترات أطول من دورات الانتشار المعتادة. وتشير بيانات المعهد البحري الأميركي إلى أن متوسط انتشار مجموعات حاملات الطائرات منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبه من عمليات ضد الحوثيين بلغ نحو 8.5 أشهر، وهي مدة أعلى من المدة التي يفضلها قادة البحرية لدورات الانتشار.
الحاملة دوايت أيزنهاور قدمت أحد أوضح الأمثلة على ذلك. فقد تحول انتشار كان مخططا له لسبعة أشهر إلى مهمة قاربت تسعة أشهر، قضت قسما كبيرا منها في البحر الأحمر تحت تهديد مستمر بالصواريخ الباليستية المضادة للسفن وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة. وأفاد المعهد البحري الأميركي بأن أسراب جناحها الجوي أمضت قرابة تسعة أشهر في عمليات عالية الوتيرة، فيما أصبحت أيزنهاور خلال تلك المرحلة أكثر حاملات الأسطول الأميركي انتشارا خلال خمس سنوات وفق عدد الأيام التي قضتها خارج قواعدها.
ثم جاءت هاري ترومان، التي عادت في يونيو/حزيران 2025 بعد انتشار استمر 251 يوما، بينها نحو خمسة أشهر من العمليات القتالية في مواجهة الجيش اليمني في البحر الأحمر، في مهمة وصفها المعهد البحري الأميركي بأنها واحدة من أكثر عمليات الانتشار القتالي كثافة للبحرية منذ عقود.
هذه الدورات الطويلة لها ثمن لا يظهر بالضرورة في صور الحاملات وهي تطلق الطائرات. كل شهر إضافي في البحر يعني ساعات تشغيل أكبر للمحركات والطائرات والرادارات، واستهلاكا للمكونات وقطع الغيار، وتأخيرا أو ضغطا على جداول الصيانة والتدريب، فضلا عن الإرهاق البشري للأطقم.
ولهذا دخلت البحرية الأميركية الحرب الحالية وهي لا تبدأ من نقطة الصفر. لقد دخلتها بعد أكثر من عامين من الطلب المرتفع على الحاملات والمدمرات في البحر الأحمر والشرق الأوسط، ثم وجدت نفسها مطالبة بتوسيع حجم العمليات في مواجهة إيران، في الوقت الذي بقيت فيه ملزمة بالحفاظ على وجودها في المحيط الهادئ ومناطق أخرى.
وجاء فقدان عقدة البحرين ليضاعف المشكلة. فالإنهاك السابق كان يمكن التعامل معه في ظل شبكة لوجستية إقليمية مألوفة، أما الآن فإن القوة نفسها مطالبة بالعمل لفترات أطول بينما أصبحت المؤن والوقود وقطع الغيار تأتي من مسافات أبعد.
والحاملة أبراهام لينكولن أصبحت النموذج الأكثر وضوحا لهذه المعادلة. فقد أمضت أكثر من ثمانية أشهر ونصف من دون زيارة ميناء، قبل أن تحل محلها جورج واشنطن في 20 أغسطس/آب. وفي الثاني من سبتمبر/أيلول وصلت لينكولن إلى تايلاند بعد 286 يوما متواصلة في البحر، في أول توقف كامل لها في ميناء منذ أشهر طويلة. وفي الظروف الاعتيادية تحصل الحاملة على زيارات للموانئ بصورة أكثر انتظاما، لأنها جزء من دورة الراحة والإمداد وإعادة ضبط الجاهزية.
واللافت أن قيادة البحرية الأميركية نفسها باتت تتحدث علنا عن هذا الضغط. فقد قال قائد العمليات البحرية الأدميرال داريل كودل في أغسطس/آب إن استمرار الصراع مع إيران “ضغط على القوة”، وأشار إلى أن البحرية تعمل على تنظيم عمليات الإمداد القادمة من دييغو غارسيا، بينما تصل قطع الغيار من سنغافورة واليابان والفلبين والولايات المتحدة. كما تبحث البحرية عن موانئ في أفريقيا والهند وحتى سنغافورة يمكن أن تمنح حاملاتها فترات توقف خلال الانتشار.
صحيح ان الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أكبر منظومات الإمداد البحري والانتشار العسكري في العالم، وقد قالت قيادتها إنها تمكنت من تحسين سلسلة الإمداد بعد الصعوبات التي ظهرت في المراحل الأولى.
لكن المسألة الاستراتيجية مختلفة: ما الكلفة المطلوبة للحفاظ على المستوى نفسه من القوة لأشهر إضافية؟
فالولايات المتحدة تمتلك 11 حاملة طائرات فقط، وقد استخدمت أربع منها خلال الحرب، بينما تخضع حاملات أخرى لفترات صيانة وإصلاح طويلة. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع واشنطن نقل جميع حاملاتها إلى الشرق الأوسط من دون أن تخلق فراغا في مناطق أخرى، وخصوصا المحيط الهادئ، حيث يشكل صعود القوة البحرية الصينية التحدي الاستراتيجي الأكبر للبحرية الأميركية على المدى البعيد.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الأثر الذي أحدثته إيران بضرب عقدة البحرين. لم يؤد الهجوم إلى إخراج حاملات الطائرات الأميركية من المعركة، لكنه غيّر شروط بقائها فيها. فقد امتدت خطوط الإمداد آلاف الأميال، وأصبحت عمليات التموين في البحر أكثر تواترا، وازدادت الحاجة إلى سفن الدعم، وأصبح استمرار الانتشار مرتبطا بصورة مباشرة بقدرة البحرية على المحافظة على سلسلة إمداد طويلة في الوقت الذي تستهلك فيه الحرب ساعات تشغيل الحاملات والطائرات والأطقم.
أما العامل الأكثر أهمية فهو أن ذلك يحدث فوق قاعدة من الإنهاك بدأت في البحر الأحمر. فالعمليات ضد الجيش السمنس لم تستنزف صاروخا أو حاملة بعينها فحسب، بل ضغطت على منظومة الانتشار الأميركية نفسها عبر التمديدات المتكررة للحاملات والمدمرات وارتفاع وتيرة الطلعات وعمليات الدفاع الجوي وتأجيل فترات الراحة والصيانة.
ولهذا فإن التحدي الذي تواجهه واشنطن اليوم لا يقاس بعدد السفن الموجودة في بحر العرب بقدر ما يقاس بعدد الأشهر التي تستطيع إبقاء تلك السفن هناك من دون أن تنتقل آثار الحرب إلى بقية الأسطول.
والولايات المتحدة قوة عالمية مطالبة بالمحافظة على وجود بحري في المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي والبحر المتوسط والشرق الأوسط في وقت واحد. وإذا احتاجت حرب واحدة إلى أربع حاملات خلال فترة قصيرة، فإن الضغط لا يبقى محصورا داخل منطقة العمليات، بل ينتقل إلى كامل دورة الأسطول.
وهنا تبدو الصورة أكثر إحراجا لواشنطن. البحرية التي بنيت لتعمل عالميا تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين تمديد بقاء سفنها في الشرق الأوسط، بما يحمله ذلك من استنزاف للأطقم والصيانة، أو سحبها واستبدالها بسفن أخرى، بما ينقل الضغط إلى وحدات جديدة.
وهنا تحديدا تتكشف كلفة سنوات الاستنزاف في البحر الأحمر. فالعمليات هناك استهلكت جزءا من جاهزية الاسطول الامريكي وأطالت فترات الانتشار، وضغطت على الأطقم ودورات الصيانة قبل أن تجد واشنطن نفسها أمام مواجهة أوسع وأكثر كلفة.
ومع اندلاع الحرب الحالية وفقدان البحرية الأميركية عقدتها اللوجستية الأقرب، ظهر ما كانت تخفيه صورة التفوق البحري: قوة هائلة من حيث الحجم والتسليح، تعتمد على شبكة دقيقة من الإمداد والصيانة والتموين، تمتد كلما ابتعدت الموانئ الآمنة، وترتفع كلفتها كلما طال أمد الحرب.
ولهذا فإن السؤال الذي يواجه البحرية الأميركية اليوم : إلى متى تستطيع البحرية الامريكية البقاء في هذه الحرب قبل أن يتحول طول المواجهة نفسه إلى عامل استنزاف؟
المصدر: ” رادار360 “
Comments are closed.