وكيل وزارة الخارجية السفير صبري: اليمن يخوض مساراً تصعيدياً لانتزاع حقوقه المشروعة ولا مناص أمام الرياض إلا تنفيذ المطالب

الوحدة:

في لحظة فارقة تتصاعد فيها حدة التوترات الإقليمية وتتداخل فيها الخيوط العسكرية بالدبلوماسية، استضافت صحيفة “عرب جورنال” ، وكيل وزارة الخارجية اليمنية للشؤون السياسية، السفير عبد الله علي صبري، في حوار خاص وحصري، لتسليط الضوء على ملفات الساعة الأكثر سخونة وتأثيراً على مستقبل اليمن والمنطقة.

يستعرض الحوار تشخيصاً دقيقاً لمعادلة “الحصار بالحصار” في ظل التعنت السعودي، قراءةً لرسائل صنعاء الميدانية ورؤيتها لانعكاسات العمليات الاستباقية ضد التحشيدات العسكرية الأخيرة. كما يقدم السفير صبري تفكيكاً عميقاً لأبعاد التكتلات البحرية واتفاقات الدفاع المشترك المستجدة في المنطقة، معرّجاً على نهج صنعاء الدبلوماسي القائم على الثبات على المبادئ الوطنية والقومية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

ويتناول الحوار قراءة شاملة لمستقبل المنطقة في ضوء المخططات الأمريكية-الصهيونية الراهنة، ومحاولات إعادة التشكيل القسري لخرائط النفوذ، مع تسليط الضوء على أدوات المقاومة الشاملة الكفيلة بإحباط هذه المشاريع وكيفية استفادة شعوب الأمة من المبادرات والمواقف اليمنية الشجاعة.

 

أجرى الحوار/ حلمي الكمالي

 

  • في ظل استمرار معادلة “الحصار بالحصار” .. برأيكم إلى أين يتجه اليمن في خوض هذه المعادلة في ظل التعنت السعودي ورفضه رفع الحصار الجائر عن البلاد؟ وماذا عن العمليات العسكرية الاستباقية التي تطال تحشيدات ومخازن أسلحة عسكرية سعودية في الداخل اليمني؟ وهل تعتقدون أن هذه التحشيدات كانت ضمن مخطط واضح لشن عملية برية سعودية ضد صنعاء تحت غطاء التحالف السعودي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر؟ وكيف تتوقعون مستقبل المشهد اليمني في ظل التطورات العسكرية الراهنة بشكل عام؟ وهل ما زال باب التفاوض مفتوحاً؟ وما شروط صنعاء للعودة إلى مسار المفاوضات؟

اليمن قررت خوض هذا المسار التصعيدي مع العدو السعودي في إطار انتزاع الحقوق المشروعة للشعب اليمني، بدءا برفع الحصار كليا، وتثبيت الحقوق السيادية في البر والبحر والجو، ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية العالقة بما يؤدي إلى استكمال تبادل الأسرى والمفقودين، وعودة الرحلات المدنية إلى مطار صنعاء الدولي، والاستفادة من الثروة النفطية في تغطية مرتبات موظفي القطاع العام. ولا تنازل ولا رجعة عن هذه الحقوق، التي أكد عليها قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي، وحظيت بتفويض شعبي كبير.

لا مناص أمام الرياض من تنفيذ المطالب المحقة للشعب اليمني وهذا هو الحل الأقرب والأمثل والأقل كلفة

وقد ترجمت القوات المسلحة توجيهات القيادة بعمليات عسكرية نوعية، مع إعلان الحظر البحري على الملاحة السعودية. وفي الوقت نفسه لا يزال باب التفاوض مفتوحا رغم التعنت السعودي. ونحن في هذا الصدد نشدد على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في “خارطة الطريق”. ولن نقبل بالتفاوض من نقطة الصفر.

وبالنسبة لاستهداف التحشيدات السعودية في الداخل، فقد وجهت القوات المسلحة عمليات استباقية في أكثر من مكان وأحبطت التحركات والمحاولات السعودية، وهي ماضية بوتيرة متصاعدة، ومواجهة أي تحرك من هذا النوع باعتباره تصعيدا سعوديا، سيواجه بالمثل.

نشدد على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في “خارطة الطريق” ولن نقبل بالتفاوض من نقطة الصفر

ونحن على ثقة بأننا على المسار الصحيح، فالعدو راهن على حالة خفض التصعيد لأكثر من أربع سنوات، ونكص عن الكثير من بنود الهدنة الإنسانية، ووصل به الأمر إلى العدوان من جديد، واستهداف مطار صنعاء الدولي في 13 من الشهر الماضي، مما اضطر قواتنا المسلحة إلى الرد، لكن ضمن قواعد اشتباك جديدة. واليوم لا مناص أمام الرياض من تنفيذ المطالب المحقة للشعب اليمني، وهذا هو الحل الأقرب والأمثل، والأقل كلفة.

 

  • ما موقفكم من التكتلات العسكرية السعودية الأخيرة، كـ”التحالف البحري” و”اتفاقية الدفاع المشترك” مع تركيا وباكستان؟ وهل ترون فيها محاولة جديدة لاستهداف اليمن عسكرياً؟ وبماذا تنصحون أي دولة تشارك في هكذا تحالفات؟ ومتى تدرك القيادة السعودية أن سياساتها العدوانية والتصعيدية لن تجدي نفعاً مع الشعب اليمني، الذي أثبت قدرته على إفشال جميع التحالفات العسكرية السابقة الموجهة ضده، وعلى رأسها التحالف السعودي-الأمريكي الذي عجز عن تحقيق أي نصر عسكري يذكر طوال أكثر من 12 عاماً من العدوان والحصار؟

التحالفات السعودية ليست جديدة على الشعب اليمني، وهي تعبر عن ضعف وعجز سعودي، ولا شك أن الرياض تحشد الخارج بهدف المواجهة العسكرية والعدوان على اليمن، لأنها لا تريد أن يكون اليمن مستقرا ومستقلا. وبرغم أنها فشلت على مدى 12 عاماً رغم التحالف الكبير الذي انضوى تحت ما يسمى بـ”عاصفة الحزم”، فإن تحالفاتها الأخيرة المعلنة لن تكون أوفر حظا، هذا إذا افترضنا أن الدول المتحالفة مع الرياض يمكن الزج بها في عدوان جديد على اليمن، وهو ما نستبعده، بالنظر إلى عدة عوامل، فالتحالف البحري الذي وقعت على إنشائه 14 دولة، مهمته دفاعية بالدرجة الأولى كما هو معلن، وهو بذلك يشبه تحالف “أسبيدس” الأوروبي، الذي لم يغير من المعادلة شيئا في البحر الأحمر.

تحالفات الرياض تعبير صريح عن ضعف وعجز سعودي وصنعاء مستعدة لمواجهة كافة السيناريوهات بفعل تراكم خبراتها العسكرية

وبالنسبة لـ”تحالف مكة” الذي يضم باكستان وتركيا وإيران، فلا نتوقع أن يقدم على أعمال عسكرية هجومية ضد اليمن. ومثل هذه التحالفات هدفها الرئيسي جني الأموال من الطرف السعودي، الذي بات يشعر بانكشاف أمني كبير، وقد تخلى عنه الحليف الأمريكي في الحرب الأخيرة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وفي كل الأحوال فإن اليمن مستعد لمواجهة أسوأ السيناريوهات، وقواته العسكرية في تطور متصاعد، وقد اكتسبت خبرات كبيرة في المواجهة الكبرى مع البحرية الأمريكية وحاملات الطائرات التي لاذت بالفرار من البحر الأحمر ومسرح عمليات القوات المسلحة اليمنية أثناء ملحمة طوفان الأقصى، وإسناد غزة وفلسطين.

  • كيف يتعامل اليمن مع مجمل التطورات والمتغيرات التي تشهدها المنطقة والإقليم اليوم؟ وإلى أي مدى يتفاعل اليمن مع هذه المتغيرات في خضم ما يشهده من عدوان وحصار وضغوط؟ وأي منهج سياسي ودبلوماسي تتخذه صنعاء في علاقاتها مع محيطها العربي والإسلامي عموماً؟ وكيف تؤثر المبادئ الوطنية والدينية التي تتمسك بها صنعاء ومواقفها الثابتة من قضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية؛ على شكل وطبيعة هذه العلاقات؟

لا شك أن صنعاء غدت فاعلا إقليميا يشار إليه بالبنان، خاصة بعد التوظيف الذكي لموقع اليمن الجيوسياسي، وبعد تفردها بالموقف المتقدم تجاه القضية الفلسطينية، الذي لم يقتصر على الدعم السياسي أو الزخم الشعبي، بل أضاف إليه العمل العسكري، في الوقت الذي أحجمت فيه 56 دولة عربية وإسلامية عن أي تحرك إيجابي.

ولا شك أيضا أن الموقف اليمني استند إلى الثوابت الدينية تجاه القضية الفلسطينية والصراع مع العدو الصهيوني. وتشكل هذه الثوابت الموجهات الرئيسة للسياسة الخارجية اليمنية، ما اتعكس إيجابا على علاقات صنعاء بمحور الجهاد والمقاومة، وقاد إلى تطور نوعي لمعادلة “وحدة الساحات”.

اليمن يخوض مساراً تصعيدياً لانتزاع حقوقه المشروعة ورفع الحصار كاملاً ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية ولا تنازل ولا رجعة عن هذه الحقوق

على الصعيد ذاته فإن محاضرات السيد عبدالملك الحوثي ذات العلاقة بالمستجدات والتطورات الإقليمية والدولية، حفلت بالكثير من الرسائل والنصائح للأنظمة العربية والإسلامية، وتعرية علاقاتها المشبوهة بأمريكا و”إسرائيل”، ودعوة هذه الأنظمة لمواجهة المشروع الصهيوأمريكي، ومخطط “الشرق الأوسط الجديد” وما يسمى بـ”إسرائيل الكبرى”، وإلى التصدي لمعادلة “الاستباحة الشاملة”. ودعوة الشعوب الإسلامية لليقظة من غفلتها والتحرك خارج الأجندة الأمريكية، ومشاريع الترفيه والابتذال، التي يتصدرها النظام السعودي باسم الإسلام.

الموقف المتقدم والعمل العسكري المساند لفلسطين جعل صنعاء فاعلاً إقليمياً بارزاً يعتمد الموجهات والثوابت الدينية، مما أدى إلى تطور نوعي لمعادلة “وحدة الساحات”

وإذا كانت العلاقات الرسمية بصنعاء ما تزال مغلقة بفعل ازدواجية المعايير الدولية، وضلوع الرياض في الحصار الدبلوماسي على اليمن، فإن حجم التأثير الكبير للمواقف اليمنية على أحرار العالم، من شأنه أن يفتح الآفاق أمام الدبلوماسية اليمنية، وأمام تحالفات صنعاء المستقبلية في عالم يتغير ويتبدل، وباتت الكثير من المؤشرات تبشر بتعددية قطبية ونظام عالمي جديد لا تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يعترف بالمركزية الأوروبية الغربية.

 

  • كيف تقرأون مستقبل المنطقة في ضوء المخططات الأمريكية الصهيونية الراهنة؟ وهل ترون أن الأمة تعيش مرحلة إعادة تشكيل قسري لخرائطها ونفوذها؟ وما هي أدوات المقاومة الشاملة (السياسية، الاقتصادية، والفكرية) الكفيلة بإحباط هذه المشاريع وتجاوز حالة الانكفاء؟ وكيف يمكن للدول والشعوب أن تستفيد من المبادرات والمواقف اليمنية الشجاعة في مواجهة هذه المخططات والمشاريع التي تستهدف كل الأمة بلا استثناء؟

يعيش العالم اليوم مخاضا صعبا لا ندري كم من الوقت يحتاج إلى أن تتبلور هوية النظام الدولي الجديد، ومشكلة المنطقة العربية بشكل خاص أنها تفتقر إلى نظام إقليمي يحفظ لها شيئا من التوازن وسط هذه الاضطرابات الدولية، وما يؤسف له أن الدول العربية تخلت بشكل مهين عن أوراق القوة التي قد تساعدها على المزيد من الثبات في مواجهة التحديات المحدقة، وأقصد بذلك حركات المقاومة، ثم إن الأموال العربية الخليجية غدت عنصرا رئيسا في إذكاء الحروب الأهلية والنزاعات العربية العربية.

تحرير كامل التراب الفلسطيني شرط أساسي لاستعادة التضامن العربي وبناء مشروع نهضوي يضمن للأمة مكانتها في المستقبل

وإذا أرادت الأمة العربية أن تحجز لها مقعدا في عالم الغد، فلا بد من مشروع عروبي نهضوي متكامل، ولا يمكن لهذا المشروع أن يرى النور، ما دامت “إسرائيل” متسيدة ومتوغلة على هذا النحو. لابد إذا من استعادة التضامن العربي في مواجهة العدو الصهيوني، على أساس أن الحل العادل للقضية الفلسطينية يعني تحرير كل شبر من فلسطين، وما لم يحسم العرب معركة تحرير فلسطين، لن يحسموا معركة الوحدة والتنمية مستقبلا.

Comments are closed.

اهم الاخبار